أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟














المزيد.....

الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 11:35
المحور: الادب والفن
    


"هذا المقالُ لم يُكتبْ بواسطةِ آلةٍ، لكنْ قريبًا، قد لا تستطيعُ التأكدَ من ذلكَ."
بهذه الروحِ المربكةِ التي تَخلعُ اليقينَ من النفوسِ، أدعوكم لنتأملَ معًا ملامحَ عصرِ "الأدبِ اللا إنساني". إننا لا نعيشُ مجردَ تحديثٍ عابرٍ للأدواتِ التقنيَّةِ، إنَّما نَشهدُ زلزالًا يقتلعُ ملامحَ السيادةِ البشريَّةِ على الكلمةِ اقتلاعًا. لقد انتهى الزمنُ الذي كان فيه النصُّ الأدبيُّ هو البصمةَ الوراثيَّةَ الوحيدةَ للروحِ، وها نحنُ نقفُ على أعتابِ مرحلةٍ لا يملكُ أحدٌ خريطةَ الخروجِ منها، حيثُ لم تعدِ الكلمةُ ابنةَ التجربةِ الصادقةِ، إنَّما صارتِ ابنةَ الخوارزميَّةِ التي لا تملكُ قلبًا يَنبضُ ولا ذاكرةً تتألمُ. إنَّ السُّؤالَ الذي يَطرحُ نفسَهُ اليومَ بقوَّةٍ هو: هل نَحنُ أمامَ تطورٍ للفنِّ، أم أنَّنا نَحضُرُ مَراسمَ دفنِ "الإنسانِ" داخلَ كتاباتِهِ؟
ولكي نَستوعبَ حَجمَ هذا التغيُّرِ الصادمِ بصورةٍ جليَّةٍ، علينا أن نُصوِّبَ النظرَ فيما يَحدثُ اليومَ في كواليسِ الكتابةِ؛ فلم يعدِ الأديبُ ذلكَ المتوحدَ الذي يَستلهمُ وحيَهُ من غياهبِ عُزلتِهِ ومَرارةِ انكساراتِهِ، فقد سقطتِ الحواجزُ تمامًا بينَ الكاتبِ والقارئِ، وذابتِ المَسافةُ المقدَّسةُ التي كانت تحمي خصوصيَّةَ الفِعلِ الإبداعيِّ. أصبحنا نرى تجاربَ أدبيَّةً واقعيَّةً، كما في تجربةِ الكاتبِ عبد الواحد استيتو، حيثُ يَطرحُ المؤلفُ فصلًا من عملِهِ ثم يَتركُ دفَّةَ القيادةِ للجمهورِ عبرَ الفضاءِ الرقميِّ، فيكملُ الأحداثَ بناءً على تعليقاتِهم ومقترحاتِهم وتصويتِهم على مَصيرِ الأبطالِ مَصِيرًا مَحسُومًا برغبةِ الغالبيَّةِ. هنا، يتخلى المؤلفُ عن مَقامِ الخالقِ للرؤيةِ ليُصبحَ مُنسقًا لرغباتِ الأغلبيةِ، ويتحولُ العملُ الأدبيُّ إلى نتاجٍ جماعيٍّ مبرمجٍ وفقًا لمزاجِ المَنصَّاتِ الاجتماعيَّةِ، بَعيدًا عن صَرخةِ الفنِّ وحرارةِ المَعاناةِ الذاتيَّةِ التي كانت تَمنحُ النصوصَ خلودَها.
هذه هي "المرحلةُ اللا إنسانيَّةُ" بوضوحٍ تامٍّ؛ حيثُ تَتلاشى الذاتُ المبدعةُ لتتركَ مَكانًا لآلةٍ تَعالجُ مَلايينَ البياناتِ في ثوانٍ، ولجمهورٍ يوجهُ الأحداثَ بضغطةِ زرٍّ بَاردةٍ. إنَّ الأديبَ البشريَّ في هذا السياقِ بدأ يَتنازلُ طواعيةً عن أقدسِ ما يَملكُ، وهو تفرُّدُهُ الذي لا يُشبهُهُ أحدٌ. فإذا كان الذكاءُ الاصطناعيُّ قادرًا على تحليلِ مَلايينِ النصوصِ ليعيدَ بناءَ النموذجِ الأمثلِ للحزنِ أو الفرحِ الذي يُرضي الذائقةَ العامَّةَ، وإذا كان الكاتبُ قد بدأ يُسلمُ مَقاليدَ خيالِهِ لتعليقاتِ المتابعينَ، فما قيمةُ الصدقِ الفنيِّ إذنْ؟ إنَّنا أمامَ أدبٍ بلا قلبٍ، إبداعٍ يَنبعُ من خوارزميَّاتٍ صمَّاءَ أو أمزجةٍ جماعيَّةٍ متغيِّرةٍ، ومع ذلكَ فهو قادرٌ على هزِّ وجدانِكم وتَضليلِ مَشاعرِكم، وهنا نَسقطُ في الفخِّ الوجوديِّ الكبيرِ: إذا لم يعدِ النصُّ يَحتاجُ إلى إنسانٍ مُتفرِّدٍ ليُبكيَكَ، فهل انتهتْ حقًّا صلاحيَّةُ الروحِ البشريَّةِ في عالَمِ الإبداعِ؟
إنَّنا نَنتقلُ بتسارعٍ مَخيفٍ نحو "جمالياتِ البرودةِ"، حيثُ النصُّ كاملُ البناءِ، رصينُ السَّبْكِ، بلا عَثراتٍ لغويَّةٍ، لكنَّهُ نابعٌ من فراغٍ وجوديٍّ مُوحِشٍ. إنَّنا نَقتلُ المَعاناةَ التي كانت وقودَ الإبداعِ لنَستبدلَ بها الرفاهيَّةَ التقنيَّةَ ورغباتِ الجماهيرِ الآنيَّةَ، وهذا التغييرُ الصادمُ يضعُ الروحَ في مَوضعِ الفائضِ عن الحاجةِ، وكأنَّ العاطفةَ صارتْ عِبئًا يمكنُ الاستغناءُ عنهُ بمُعادلةٍ رياضيَّةٍ دقيقةٍ. هل ستُصبحُ الروحُ البشريَّةُ في أدبِ المستقبلِ مُجردَ "شوائبَ" أو أخطاءٍ غيرِ مَنطقيَّةٍ تَسعى الخوارزميَّاتُ لتنقيتها وصولًا إلى كمالٍ آليٍّ صلبٍ؟ الحقيقةُ المُرَّةُ أنَّنا نُودِّعُ الآنَ "المرحلةَ الإنسانيَّةَ" بكلِّ ما فيها من مَواجعَ وجنونٍ، لندخلَ في عهدِ الكلماتِ التي بلا جذورٍ، والمعاني التي بلا أصحابٍ. إنَّها مَرحلةُ الغموضِ الكبيرِ التي ستُحوِّلُنا إلى مُجرَّدِ مُستهلكينَ لنصوصٍ مَصنوعةٍ لا مَخلوقةٍ، فقدِ انتهتْ صلاحيَّةُ الاحتكارِ البشريِّ للإلهامِ، ونحنُ الآنَ في عُهدةِ المَجهولِ.. اللهُ وحدَهُ أعلمُ إلى أينَ ستقودُنا هذهِ الكلماتُ التي تَفتقدُ للروحِ، وفي أيِّ قاعٍ سَنستقرُّ بعدَ أن سَلَّمنا مَفَاتيحَ خيالِنا للآلةِ ولأهواءِ الأغلبيةِ تَسليمًا تَامًّا.

الطيرة – 15.4.2026



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا نطبع بضعة آلاف النسخ فقط في عالم عربيّ يعدّ بالملايين: ...
- الكلمة بين المعنى و”اللايكات”
- ديمقراطية النشر وفوضى النص
- قراءة في رقميّة النصّ عند الدكتورة إيمان يونس
- القصيدة التي تقلق قارئها
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
- عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة ...
- قراءة نقدية في مقال -مفاتيح الفن في صناعة الأدب- للكاتبة وال ...
- قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد ...
- تعدّد الأصوات النسويّة في رواية -علَقَة- للدكتورة نيفين سمار ...
- جدليّة الغياب والحضور: قراءة نقديّة في رواية -الخليفة- سرديّ ...
- كلارا بوصفها محفّزًا سرديًّا: قراءة في التحوّل والانعكاس الذ ...
- الذاكرة والصراع النسويّ في الأدب الفلسطينيّ: قراءة نقديّة في ...
- قصيدة -سطعتْ- للشاعر أسامة مصاروة: جدليّة الضوء والهويّة في ...
- غياب المشروع الثقافي الجامع لدى اتحادات الكتّاب العرب في إسر ...
- حين يعود المكان قلبًا آخر: قراءة نقدية في قصة -وحلوة يا بلدي ...
- البحث عن المعنى في مرايا الوجود: قراءة نقديّة موسّعة في قصيد ...
- الإنسان بين الصورة والغياب في قصّة -الواتسآب في خدمة المتقاع ...
- قراءة في قصّة -الأستاذ وحصّة النهايات- للكاتب جمال أسدي
- سخرية الموت واللغة في قصَّة -الجنازة- للأديب الفلسطينيّ محمد ...


المزيد.....




- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟