أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله عطوي الطوالبة - التَّعْفيط














المزيد.....

التَّعْفيط


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 11:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كان لهذا التعبير وقعه الخاص على ألسنة آبائنا وأجدادنا، وكأنه يحيل الذهن إلى المعنى المقصود دون الاستعانة بقواميس الأبجدية. لطالما سمعت والدي رحمه الله يقول بدارجتنا: "هَاْظَا عَلَامُهْ يْعَفِّط"ْ. والأصل من الفعل الثلاثي عَفَط، بمعنى صوت نثير الشاة، والنثير هنا يقابل العَطس عند الانسان. ومصدر الفعل عَفَط، عَفْط وعَفَطان وعفيط. واسم الفاعل عافط، وصيغة المبالغة منه عَفَّاط.
في دارجتنا التعفيط وصف للتصرف بغضب، وبالتهديد والوعيد، دون أن يكون العافط أو العفَّاط قادرًا على تنفيذ ما يهدد به ويتوعد. وبذلك، فالتعفيط بهذا المعني يُحيل إلى المثل المعروف "زوبعة في فنجان". هذا الأخير، يلتقي مع التعفيط في المبالغة بردود الفعل تجاه أمور بسيطة، وتحويل النقاش إلى صراخ وشِجار.
ذات زمن بعيد، ظننت أن التعفيط لفظة خاصة باللهجة الأردنية، المتداولة في الأرياف بالذات، لكن تبين لاحقًا خطأ هذا الاعتقاد. فالتعفيط كلمة تُستخدم أيضًا في العربية الفصيحة، وما يلفت الانتباه أكثر أن لها حضورها في اللهجات العربية باللفظ ذاته.
ففي اللهجة اللبنانية، التعفيط يعني التكسير والتجعيد، أو احداث طيَّات غير مرغوبة في الملابس والأوراق. ويُقال "عَفَطَ الثوب"، أي جَعَلَه مجعدًا ومبهدلًا. بهذه المعاني، التعفيط في دارجة أشقائنا اللبنانيين يحيل إلى الجَعْلَكَة. وللتعفيط أيضًا استخدامات في سياقات مجازية، في بلاد الأرز، منها الخربطة أو سوء التصرف.
في اللهجة التونسية، يستخدم التعفيط غالبًا بمعنى يعف القلم عن ذِكره بلفظه، احترامًا لذائقة متابعينا الأعزاء. ولازالة اللَّبْس كي لا يستبد الفضول بالقارئ، ومن قبيل تيسير التقاط المعنى المقصود، نحيل إلى الريح الخارجة من الجسد مع صوت. ويستخدم أشقاؤنا التوانسة التعفيط بالمعنى ذاته، لوصف توافه الكلم، فيقولون فلان يعفط من فمه.
في السودان الشقيق يحيل الفعل المضارع يعفط إلى السب والنباح، ويعني أيضًا الشِّجار باللسان.
التعفيط إذن، يستحضر أكثر من مَثَلٍ في دارجتنا، منها "كل إناء بما فيه ينضح"، و "اجى بدو يكحلها عماها". الأول واضح، ولا نراه بحاجة لمزيد بيان. أما الثاني، فيُضرب بمن يحاول إصلاح أمر ما، فيتسبب بإفساده وجعله أسوأ. وبه توصف التدخلات العبثية المُخفِقة، وبشكل خاص خلال النقاشات، التي تزيد الأمور تعقيدًا وتكشف ضحالة أحد المشاركين في الحوار.
تأسيسًا على ما تقدم، التعفيط باللهجة الأردنية واللهجات العربية، يحيل إلى معانٍ عدة سلبية كلها وبعضها مُخْزٍ ومشين، أولها أنه سلاح المفلس العاجز عن تنفيذ ما يهدد به. وثانيها، الصراخ والشِّجار خلال النقاشات، ويقومان دليلًا فاقعًا على الافلاس السياسي والفقر المعرفي والتَّصَحُّر الثقافي. وثالثها، فعل "مجعلك" يتسبب ببهدلة الفاعل. ورابعها، كلام بمنزلة صوت الريح الخارجة من الجسد أجَلَّكم الله. وصدقت العرب عندما قالت "كل اناء بما فيه ينضح".
وبمقدورنا اضافة معنى خامس بناء على ما أنف بيانه، مفاده أن التعفيط خلال النقاشات يقوم دليلًا على اصابة العفَّاط بعمى الألوان. فهو يقدم نفسه على أنه مُدافع شرس عن الوطن، وهو في الحقيقة يتماهى تمامًا في المواقف الرسمية. وبذلك، يتحول التعفيط إلى نوع من البزنس. فكأن لسان حال العافط يُذكِّر به، كي لا يطويه النسيان لعل وعسى يعود لموقع سبق أن شغله أو يظفر بمنصب جديد أو على الأقل يخرج بشرهة ما.
السياسات الرسمية شيء والدفاع عن الوطن شيء آخر، ومُخْتلف بشأن العلاقة بين هذا وتلك. كاتب هذه السطور، يرى أن مصلحة الوطن الأردني يستحيل أن تكون مع الصهيوأميركي. فالكيان عدو يتربص بالأردن، ويعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، ولا أظننا بحاجة إلى مزيد بيان بهذا الخصوص. والأميركي داعم للكيان في مطلق الأحوال، وبشكل أعمى.
في الوقت الراهن، يرى الصهيوأميركي أن ليس في صالحه افتعال مشكلات للأردن، ولكن لا أحد يضمن كيف يفكر في وقت لاحق، وربما في وقت أقرب مما نتصور. في المجمل، إنه غير مؤتمن ولا يمكن أن يكون مؤتمنًا.
ودليلنا على تماهي بعض العفَّاطين على الشاشات بالسياسات الرسمية، أن تعفيطهم مُبرمج باتجاهات محددة لا يعرف غيرها وكأنه موجَّه بريموت كنترول. فهل يمتلك العافِطون العَفَّاطون جرأة التعفيط في وجوه أولئك الذين لا يخفون نواياهم بالغاء وجود الوطن الأردني، بشموله في الخرافة التوراتية المعروفة باسم "اسرائيل الكبرى"؟!
الجواب، لا النافية بالتأكيد.
ولعل من أكثر تبديات التعفيط على الشاشات سماجة وثقالة دم، الفُجُور في الخصومة على أرضية التماهي بالمواقف الرسمية وباسم الانتماء للوطن. ونرى أن ما حصل في العديد من البلدان العربية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، قدم أدلة قاطعة على أن هذا الضَّرْب من الانتماء سريع التَّبَخُّر في أوقات الجد.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اخفاق المفاوضات واشكالية خيارات الابستينيين
- الاستحمار (3)
- فرض اتفاق استسلام على لبنان
- الاستحمار (2)
- الاستحمار (1)
- هرمز وأهرمان العصر ترامب
- صواريخ ايرانية تمرُّ بأجوائنا
- ايران...الأسباب الحقيقية للعدوان ونقاط القوة
- نعم للحوار الحر لا لضيق الأفق
- وكأنه لا يكفي المنطقة عراق واحد!
- النتائج الأهم
- ايران ليست عدونا وإن اختلفنا معها
- أخطر الاحتمالات لمن يعنيهم الأمر
- سقوط أميركا الأخلاقي والقيمي
- بلا خيبة !
- أسباب مَنَعَة ايران ونقاط ضعفنا
- مازوخية سياسية
- نهاية وشيكة للعدوان الصهيوأميركي
- أيها الإيرانيون دعوكم من هذه الفتوى!
- ومع ذلك لا مستقبل للكيان


المزيد.....




- فيديو مزعوم لـ-نشر حاملة مروحيات مصرية قبالة سواحل سلطنة عُم ...
- بعد تهديده لسلطنة عُمان.. تحليل لـCNN يرصد دولاً هاجمها ترام ...
- ترامب -غير راض- عن المقترحات الإيرانية لإبرام اتفاق
- مقتدى الصدر يعلن إلحاق قواته بالجيش العراقي الرسمي
- فرنسا تستدعي السفير الروسي بعد تلويح موسكو باستهداف العاصمة ...
- أوروبا والناتو.. الخطة البديلة لمواجهة روسيا
- تقارير عن عجز مالي بمجلس السلام الخاص بغزة والهيئة تنفي
- الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف -عنصرين بارزين- في حماس بغزة
- لـبـنـان: مـا الـعـمـل لاحـتـواء الـتـصـعـيـد؟
- الـبـابـا: لـماذا الـحذر مـن الذكـاء الإصـطـنـاعـي؟


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالله عطوي الطوالبة - التَّعْفيط