أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن مدبولى - مصر الرومانية !!














المزيد.....

مصر الرومانية !!


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 23:00
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


​تمثل الحقبة الرومانية في مصر (30 ق.م – 641 م) النموذج الأكمل والأمثل لاقتصاديات الإمبراطوريات الاستعمارية المستغلة القائمة على النهب والاستنزاف،فعقب الغزو و السقوط التاريخى أمام الأجنبى فى تلك المرحلة، لم تلحق مصر بالامبراطورية بوصفها إقليماً متميزا متكافئاً،أو حتى مجرد ولاية عادية، بل جرى تحويلها إلى "مورد استراتيجي مغلق" خاضع للسيطرة الإمبراطورية الرومانية المباشرة، وتابع ذليل لها،
ومنذ اللحظة التي تلت معركة أكتيوم وسقوط كليوباترا، أدرك "أوكتافيوس أغسطس" أن مصر هي مفتاح الاستقرار السياسي في روما بفضل فائضها الزراعي، فجعلها ضيعة خاصة بالإمبراطور، محرمة على أعضاء مجلس الشيوخ، كما خلق قطيعة إدارية وسياسية بين مصر وبقية أقاليم العالم القديم.وبالتالى انعزلت الحضارة المصرية القديمة، وحوصرت، وتهددتها الابادة والزوال لأول مرة فى التاريخ ،
​ويضاف الى ذلك أن نظام الحكم الروماني لم يكن في جوهره نظاماً اندماجياً يسعى لصهر السكان والجنسيات في بوتقة المواطنة الواحدة ولو قسريا ، لإنه كان يمثل بنية استعمارية ذات هيمنة طبقية صارمة.
وبالتالى تحولت مصر الرومانية إلى ما يمكن تسميته بـ "المزرعة الكبرى" التى غايتها الوحيدة تأمين تدفق "شحنات الحبوب السعيدة" إلى روما وقياصرتها وجنودها ،
ولكى يضمن النظام الرومانى بقاء واستمرار هذا التدفق المنهوب، تم فرض منظومة استغلالية هي الأكثر قسوة في التاريخ القديم، شملت "ضريبة الرؤوس" ونظام السخرة الذي استنزف طاقات الفلاح المصري وامتص دمه ودم أبنائه،
فلم تكن الإدارة الرومانية تمارس "حكماً" من أى نوع بالمعنى السياسي، بل كانت تدير عملية "استخراج قسري" للفائض الاقتصادي، محولةً الغالبية العظمى من المصريين إلى عبيد وقوة عمل مسلوبة الإرادة داخل وطنها.
و​لم يكتف الاحتلال الرومانى بذلك ، لكنه اعتمد أيضا على هندسة اجتماعية ممنهجة خلقت مسافة شاسعة بين سلطة الغزو وعبيدها. ففي قمة الهرم تربّع المواطنون الرومان، تلتهم طبقة حضرية (متأغرقة) في الإسكندرية وبعض الحواضر، بينما قبع المصريون (أهل البلد) في قاع الهرم، محرومين من أبسط الامتيازات القانونية والمعيشية،
وفى الوقت نفسه برزت فئات محلية لعبت دور السمسار أو "الوسيط" لتسهيل جباية الضرائب وإدارة الشؤون المحلية لحساب الأجنبى، غير أن التدقيق التاريخى يكشف بوضوح أن هذه الفئات الطفيلية لم تكن تعبيراً عن المجتمع المصري أو امتداداً طبيعياً له، بل كانت "نتاجاً وظيفياً" وتمييزا دينيا عنصريا أفرزه الاحتلال أيضا لترسيخ وضعه و خدمة أغراضه، فعملت تلك الفئات كتابع مطيع ذليل للحكم الرومانى ، وجامع شرس للاتاوات لصبها فى خزائن المستعمر ،
المدهش هنا أن البعض ممن يدعون العلم، وبدافع من التعصب العنصرى الجاهل، يحاولون ربط هذه الفئات الطفيلية القديمة المنبطحة للرومان بـ "الأصل المصري" فى مغالطة تاريخية منهجية فادحة،
فهذه الفئات المحلية القديمة كانت "نخباً تابعة" تستمد شرعيتها ووجودها من قربها من السلطة الأجنبية، لا من تمثيلها للكتلة الشعبية المصرية ، كما لم يكن لها علاقة لها بالتراث الحضارى المصرى القديم، بل انها هى التى لعبت الدور الأساسى فى تدميره، والقضاء على مظاهره ولغته القديمة بحجة الوثنية،

فالوصف الادق هنا هو النظر لهؤلاء لا كأصل للمصريين ،بل كبنى طفيلية، وتقييمهم كمكونات سلطوية عابرة إرتبط صعودها بالمحتل الأجنبى وكانت تعمل على تحقيق اهدافه ،

وحتى المظاهر المرتبطة بهؤلاء، والتي يُظن خطأً أنها تعبير عن "استقلال هوياتي" كاللغة القبطية، هي في الحقيقة شواهد على عمق الاستلاب الثقافي لا العكس. فاللغة القبطية، رغم كونها تعتبر إحدى صور التطور الأخير للغة المصرية القديمة، لم تظهر بشكلها الأبجدي إلا تحت وطأة الهيمنة اللغوية اليونانية، والتوجه الدينى الرومانى المستحدث، حيث استعارت تلك اللغة حروفها من المتغلب الثقافي لتواكب لغته الخاصة بالإدارة والحكم والتراتبية العليا. فهى كلغة لم تكن تمثل امتدادا تطوريا لحضارة شعب عريق، لكنها كانت عمل قسرى يمثل حالة "تكيف اضطراري" داخل بنية الهيمنة، .

​كذلك الأمر بالنسبة للتقويم القبطي؛ فالبداية الزمنية لهذا التقويم (عام 284 م) ترتبط باعتلاء "دقلديانوس" عرش الإمبراطورية الرومانية. ورغم محاولات إعادة تأويل هذا التاريخ لاحقاً وربطه بذاكرة الشهداء، إلا أن أصله يظل اعترافاً بالإطار الزمني الإمبراطوري الروماني، مما يعكس كيف استطاعت بنية الاحتلال التغلغل حتى في وعي النخبة المصرية المنبطحة وتحويله وتشكيله وفقاً للأجندة الرومانية.

​لذا فعندما جاء الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي،ليمثل اختبارا حقيقيا لمدى رسوخ البنى المرتبطة بالرومان وأشياعهم، انهار الحكم الروماني-البيزنطي بتسارع مذهل، وتلاشت معه تلك النخب الوسيطة وفئاتها الوظيفية بمجرد زوال الإطار الأجنبي الذي كان يدعمها. وقد فضح هذا السقوط المدوي وكشف أن تلك الطبقات كانت مجرد "أذناب" للنظام، لا جذوراً للمجتمع.
​بينما فى نفس الوقت استمرت الكتلة السكانية الأوسع ،وهم الفلاحون القدماء والمصريون الحقيقيون، في التكيف وإعادة إنتاج ذاتها داخل المنظومة الحضارية الجديدة عقب الفتح الاسلامى ، مندمجة في الهوية العربية والإسلامية بتدرج طبيعي ومنطقى،
وهو تحول دراماتيكى أثبت أن "الثبات والرسوخ " كان من نصيب الشعب، بينما طال "الزوال والمحق " النخب التي ربطت مصيرها بالمحتل.

إن تاريخ مصر الحقيقي هو تاريخ تلك الكتلة الشعبية الصامدة التي رفضت الذوبان في المحتل، وليس تاريخ الفئات التي كانت مجرد أداة في يد السادة ملاك "مزرعة مصر الرومانية".



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قانون إعدام الأسرى ، أين الضفة والداخل !؟
- القداسة الدينية !!
- الشهيدة حميدة خليل
- من غزة الى طهران !!
- دماء الصغار فى رقبة من!؟
- لاهوت الدم،،
- تكنولوجيا القتل،،
- لا للإحباط أو اليأس ،،
- انتقاد موقف المصريين من أزمة الخليج !!
- إقتصاديات رفع الأسعار ،،،
- حرب ثيوقراطية !!
- إيران بين الديموقراطية، والتطرف !!
- المؤامرات الغربية لاتتوقف؟
- عمران خان ،،
- ضحايا القصف على ايران
- حرب عبثية
- الفول المدمس المصرى !!
- عذراء الربيع
- اليمين الغربى !!
- حكومات التكنوقراط !!


المزيد.....




- مصادر: محادثات تحضيرية بين سفراء أمريكا ولبنان وإسرائيل الجم ...
- قبل مفاوضات لبنان وإسرائيل: حزب الله يحذّر من -التنازلات الم ...
- ممر استراتيجي نحو أوروبا.. اتفاق ثلاثي بين تركيا والأردن وسو ...
- أرملة حمد العطار -أبو العيون العسلية- الذي قتل في مرفأ بيروت ...
- سيارة ذاتية القيادة تدهس بطة في ولاية تكساس
- الاتحاد الأوروبي يرحب بالمحادثات المباشرة المزمعة بين إسرائي ...
- مع ارتفاع أسعار الطاقة.. كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يصبح أ ...
- هجمات ما بعد -الهدنة الإيرانية-.. تكتيك حزب الله لاسترداد زم ...
- دعوات في الكونغرس للإطاحة بترمب وسط اتهامات خطيرة
- فوق السلطة: هدنة -المنتصرَيْن-.. من يملك الحقيقة في -حرب الس ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حسن مدبولى - مصر الرومانية !!