أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدبولى - الفول المدمس المصرى !!














المزيد.....

الفول المدمس المصرى !!


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8630 - 2026 / 2 / 26 - 10:26
المحور: الادب والفن
    


منذ أن عرف المصري فجر الحقل ورائحة الطمي، ظلّ الفول ـ بكل هيئاته ـ سيّد المائدة الشعبية، ورفيق الفقراء الأوفياء. إلى جواره جلس العدس، واستند إليه الخبز البلدي، لكن الفول ظلّ هو العمدة، الحاضر في الصباحات الباكرة، وفي ليالي السحور، وفي وجبات تضيق بها الأحوال وتتسع بها القلوب.
تفنّن المصريون في ابتكار طرائق لا حصر لها لتناوله؛ من الفول الأخضر “الحراتي” مع الجبن القريش أو القديم، إلى الفول النابت الذي كان ضيفًا كريمًا على الموائد قبل أن يتوارى في صمت، مرورًا بالفول المدشوش الذي يدخل في صناعة الطعمية والبصارة، وصولًا إلى الصورة الأشهر والأبقى: الفول المدمس.
ذلك الطبق الذي لا يحتاج إلى تعريف، بل إلى رغيف ساخن.
يُقدَّم بالزيت الحلو لمن أراد الهدوء، وبالزيت الحار لمن أراد المغامرة، وبالزبدة لمن سمحت له الأيام. يجاوره البيض المقلي أحيانًا، وتزدان صفحته بالفلفل الأخضر والطماطم، في احتفال بسيط لا يعرف التكلّف.
ومع قدوم شهر رمضان، يتبدّل موقعه في جدول اليوم، لا مكانته في القلوب. ينتقل من إفطار الصباح إلى سحور الليل، وكأن الزمن نفسه يعيد ترتيب ساعاته احترامًا لطبقٍ يعرف كيف يسند الصائمين حتى الفجر.
لكن الفول، شأنه شأن كل ما يخص الفقراء، لم يسلم من تقلّبات السوق.
ارتفع سعر كيلو فول التدميس من عشرة جنيهات إلى مضاعفاتها ، متجاوزًا سعر السكر نفسه، وكأن الطبق الذي كان يسدّ رمق الأطفال بات يحتاج إلى معجزة ليصل إليهم. هكذا تحوّل “طعام الغلابة” إلى سلعة تتمنّع، وصار الرغيف ينظر إلى الفول كما ينظر صديق قديم إلى رفيقٍ غادره الرخاء.
ولأن الفول لم يكن مجرد طعام، بل حالة وجدانية، فقد غنّى له المطربون الأصلاء؛ غنّى له محمد قنديل، وصلاح عبد الحميد، وسيد إسماعيل، وإسماعيل شبانة، باعتباره غذاء الأغلبية الصامتة.
وقدم الشاعر الكبير طاهر أبو فاشا برنامجًا غنائيًا بعنوان “المدمس”، غناء محمد قنديل وإسماعيل شبانة، وألحان محمد صبرة. يبدأ البرنامج بحوار ساخر بين عبد الكافي وعبد الشافي حول كتابة الكلمة: أهي بالسين أم بالثاء؟
جدل لغوي حاد… حول طبق لا ينتظر قواعد الإملاء!
يتدخل صديق ثالث ليوقظهم من نشوة التنظير: الأهم من البحث في تهجئة “مدمس” هو البحث في زيادة إنتاجه، ومكافحة الآفات التي تفتك بحقولِه. فالفول لا يحتاج إلى معاجم، بل إلى سياسات.
ويوضح لهما ذلك الصديق أن أصل التسمية يعود إلى لفظ فرعوني قديم “المتيمس”، أي المدفونة أوانيه في الوقود، في إشارة إلى طريقة طهوه المتوارثة في المستوقدات الكبرى، حيث تُدفن القدور لساعات طويلة حتى ينضج الطبق على مهل، كما تنضج الحكايات.
ويأخذ البرنامج منعطفًا طريفًا؛ إذ يُروى أن “المتيمس” كان محرّمًا على الكهنة، حتى جاء أحدهم باكيًا معترفًا أنه وقع في “الخطيئة” وتناوله. وسرعان ما تتكشف المفارقة: الجميع يأكلون سرًا، حتى الكاهن الأعظم. فيثور الصغار بحوار لاذع يؤكد أنه لا تحريم بلا نص، وأن من العار أن يُعاقَب الناس على ما يمارسه الحاكم خفية.
ينتهي المشهد بالاعتراف الرسمي بالمدمس، والسماح بنقش سنابله على المعابد، وكأن الفول انتصر أخيرًا على الرقابة الكهنوتية!
ظلّ المدمس طعام البسطاء، وبديلهم عن اللحوم والأسماك، يعزّز قيمته بعض العدس حين يُضاف إليه في القدر، فيزداد دفئًا وفائدة.
إلى أن جاء زمن ارتفعت فيه الأسعار، وتضاعفت التكاليف ، فصار الفول نفسه يحتاج إلى من يحنو عليه.
وهكذا، يبقى الفول المدمس أكثر من مجرد وجبة.
إنه سيرة شعب، وحكاية صبر، وطبقٌ صغير يلخّص اقتصادًا بأكمله.
وكل عام وأنتم بخير.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عذراء الربيع
- اليمين الغربى !!
- حكومات التكنوقراط !!
- الهوس والأوطان ،،،
- جلود المثقفين السميكة !!
- الفتنة نائمة فى مصر،،
- تجربة ألبانيا ، القمع لا يحقق تقدما ،
- التجربة الايرانية،،
- الثورة مستمرة ،،
- دين لايسقط بالتقادم،،،
- الصقور، والحمائم ،،
- الرأسمالية الإسلامية، والإلحاد الناصرى.
- العقل، والعدالة !!
- حمدين ومادورو !!
- الديكتاتورية تولد الانقسام !!
- سعيدة العلمى ، الحرية وكرة القدم ،،
- أرض الصومال ،،،
- هدم الحجر،،،
- تعديل القرآن ، وتعديل الانجيل
- أزمات سورية ،،


المزيد.....




- 9 رمضان.. اليوم الذي أعاد رسم خرائط النفوذ من صقلية إلى إندو ...
- فرنسا: رشيدة داتي تستقيل من وزارة الثقافة -للتفرغ للانتخابات ...
- الشاعرة هدى عزّ الدين :نموزج للإنحياز الكامل للكتابة وأسئلته ...
- طارق كفالة… إدارة هادئة في قلب تحولات BBC الكبرى
- حكاية مسجد.. -المنارتين- يجمع العبادة والمعرفة في المدينة ال ...
- وفاة الممثل روبرت كارادين عن عمر يناهز 71 عاماً
- من غزة إلى واشنطن.. ريتشارد فولك يرثي عدالة العالم المحتضر
- السِمفونية الأولى للموسيقار الفنلندي سيبليوس التي رَسَمت مَل ...
- ما بعد -خطيئة حزب الله السورية-.. ساطع نور الدين يستشرف هوي ...
- رابط وخطوات تسجيل استمارة الدبلومات الفنية 2026 عبر موقع وزا ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدبولى - الفول المدمس المصرى !!