أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - حسن مدبولى - تجربة ألبانيا ، القمع لا يحقق تقدما ،














المزيد.....

تجربة ألبانيا ، القمع لا يحقق تقدما ،


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 09:19
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


الزعيم الألباني أنور خوجة (1908–1985) حكم بلاده بقبضةٍ حديدية منذ تحريرها من الاحتلال الفاشي الإيطالي في أواخر الحرب العالمية الثانية، وحتى وفاته في منتصف الثمانينيات. ففي عام 1944، استولى “حزب العمل الشيوعي” بقيادته على السلطة، ليحوّل ألبانيا إلى نموذج صارم للدولة الستالينية ذات الحزب الواحد، في بلدٍ لم يكن عدد سكانه يتجاوز ثلاثة ملايين نسمة، غالبيتهم من المسلمين والبكتاش، إلى جانب أقليات مسيحية أرثوذكسية وكاثوليكية. وفي هذا النسيج الديني والاجتماعي المتنوع، قرر خوجة فرض مشروعه الماركسي بالقوة، تحت شعارات براقة عن “التقدم” و“النهضة” و“التنوير”.
بدأ النظام بمصادرة أملاك الأغنياء وتجريدهم من ثرواتهم، وسنّ سلسلة من القوانين الإصلاحية التي بدت في ظاهرها أكثر عدلاً اجتماعيًا، لكنها سرعان ما تحولت إلى أدوات قمع شديدة القسوة. فانتشرت الاعتقالات، ومورست أساليب التعذيب، ونُفذت تصفيات جسدية، وفُرضت قيود صارمة على السفر، بينما احتكر الحزب وحده الاتصال بالعالم الخارجي. صحيح أن السلطة وسّعت نطاق التعليم، وأدخلت الكهرباء إلى المناطق الريفية، وقدمت بعض الخدمات الاجتماعية، ما أكسبها تأييدًا محدودًا بين الفقراء، إلا أن المثقفين والأدباء والطبقة الوسطى دفعوا الثمن باهظًا من حرياتهم وحياتهم. وتشير التقديرات إلى أن عدد ضحايا القمع تجاوز 35 ألف شخص، في بلدٍ صغير محدود السكان.
خارجيًا، لم يكتفِ خوجة بعدائه للغرب وتجاهله للعالمين العربي والإسلامي، بل دخل في صدامات متتالية مع حلفائه المفترضين. فقد قطع علاقته بالاتحاد السوفيتي بعد وفاة ستالين، ثم اصطدم بالصين عقب الثورة الثقافية، كما توترت علاقاته مع يوغوسلافيا المجاورة. ونتيجة لذلك، تحولت ألبانيا إلى دولة معزولة بالكامل، بلا حلفاء تقريبًا، تعيش في حصار سياسي واقتصادي خانق.
بلغت هذه السياسة ذروتها عام 1967، حين أعلن خوجة أن ألبانيا ستكون “أول دولة ملحدة رسميًا” في التاريخ، بدعوى تحرير الإنسان من “الخرافة والظلامية” وبناء دولة مدنية حديثة. فشُنّت حملة غير مسبوقة ضد الدين بكل أشكاله: اعتُقل رجال الدين من المسلمين والمسيحيين، ودُمّرت المساجد والكنائس، وصودرت الأوقاف والمؤسسات التعليمية الدينية، وأُغلقت المحاكم الشرعية. وجُرّمت جميع الشعائر والممارسات الدينية، من الصلاة والصوم والحج، إلى الختان والحجاب، وأصبح أي رمز ديني سببًا كافيًا لأقسى العقوبات. كما أُجبر الأئمة والقساوسة على القيام بأعمال يدوية مُهينة، ومن رفض واجه السجن أو الإعدام بتهم جاهزة مثل “الرجعية” أو “التآمر مع الخارج”.
ولم يقتصر الأمر على القمع المباشر، بل صاحبه جهاز دعائي كثيف صوّر الدين باعتباره “خرافة رجعية” و“عائقًا أمام الاشتراكية”. وفُرضت “التربية الإلحادية” على المدارس، وحُشيت المناهج بمواد دعائية معادية للإسلام والمسيحية. وعلى مدى أكثر من عقدين (1967–1991)، عاشت ألبانيا بلا أي وجود علني للمؤسسات الدينية، لتغدو المثال الأوضح لما يمكن تسميته بـ“الإلحاد القسري” الذي تفرضه الدولة.
ورغم كل هذه الإجراءات التي قُدِّمت باعتبارها ثورية وتنويرية، وبالرغم من قلة عدد السكان، ووفرة الموارد نسبيًا، والموقع الجغرافي المتميز على البحر الأدرياتيكي في قلب أوروبا، ظل الاقتصاد الألباني بدائيًا عاجزًا عن التطور. عاش المواطنون في فقر شديد، يعانون نقص الغذاء والدواء والكهرباء، بينما كان جيرانهم في اليونان ويوغوسلافيا ينعمون بمستويات معيشية أعلى بكثير. أما ثقافيًا وعلميًا، فقد خُنقت حرية الفكر والتعبير، وسُجن المعارضون والمثقفون، وغابت أي مساهمة ألبانية بارزة في الأدب أو الفنون أو العلوم أو الرياضة. وبحلول الثمانينيات، صارت ألبانيا واحدة من أفقر دول أوروبا وأكثرها عزلة، حتى وُصفت بأنها “سجن كبير”.
ومع وفاة أنور خوجة عام 1985، وجدت البلاد نفسها خلال سنوات قليلة متأخرة عقودًا عن محيطها الأوروبي، تعاني اقتصادًا هشًا، ومؤسسات منهارة، وفجوة حضارية عميقة. وهكذا انتهت تجربة “التنوير القسري” إلى عكس وعودها تمامًا: لا نهضة تحققت، ولا تقدّم أُنجز، بل إرث ثقيل من الفقر والعزلة والتخلف، يطرح سؤالًا مفتوحًا عن كلفة فرض الأفكار بالقوة، مهما رفعت من شعارات عقلانية أو تحديثية.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التجربة الايرانية،،
- الثورة مستمرة ،،
- دين لايسقط بالتقادم،،،
- الصقور، والحمائم ،،
- الرأسمالية الإسلامية، والإلحاد الناصرى.
- العقل، والعدالة !!
- حمدين ومادورو !!
- الديكتاتورية تولد الانقسام !!
- سعيدة العلمى ، الحرية وكرة القدم ،،
- أرض الصومال ،،،
- هدم الحجر،،،
- تعديل القرآن ، وتعديل الانجيل
- أزمات سورية ،،
- الشعر والهدم،،،
- تركيا والمخدرات ،،،
- العلاقة بين -برياه فيهر - والمسجد الأقصى !!
- عندما يكون الهدف نبيلا !!
- صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية
- حينما تصبح كرة القدم ، مرآة للسياسة
- وهم الحصانة،،،


المزيد.....




- محاولة اغتيال ترامب في ملعب غولف.. القضاء الأمريكي يصدر حُكم ...
- ترامب يهاجم مراسلة CNN.. لمذا يكرر هجومه على صحفيات يسألنه ع ...
- حصري.. كوبا مستعدة للحديث مع أمريكا ولكن ليس عن تغيير النظام ...
- كلب دوبرمان يخطف الأنظار في مسابقة ويستمنستر ويتوج باللقب
- دفعة ثالثة من العائدين إلى غزة من خلال معبر رفح
- مفاوضات الجمعة بمسقط.. اتفاق أمريكي إيراني على عقدها وخلاف ح ...
- هل ما زالت الرباعية الدولية الإطار الأنسب لحل الأزمة السودان ...
- مخاوف من سباق تسلح نووي جديد مع انتهاء معاهدة -نيو ستارت- بي ...
- وزير الخارجية الفرنسي يزور سوريا والعراق ولبنان لمناقشة ملفا ...
- واشنطن بوست تستغني عن مئات الصحافيين تحت وطأة ضغوط مالية


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - حسن مدبولى - تجربة ألبانيا ، القمع لا يحقق تقدما ،