أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدبولى - الشعر والهدم،،،














المزيد.....

الشعر والهدم،،،


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8568 - 2025 / 12 / 26 - 17:13
المحور: الادب والفن
    


ليس كل هدمٍ خبرًا عابرًا، ولا كل جرافةٍ تمرّ فوق الأرض تمسّ التراب وحده، أحيانًا تُهدم حجارةٌ بينما يُمسّ في العمق شيءٌ أعمق: الذاكرة، والرمز، وما تبقى من احترامنا لمن صنعوا وجدان هذه الأمة.
وفي مشهدٍ حزين، تلقّى المصريون أنباءً متداولة عن إزالة مقبرة أمير الشعراء أحمد شوقي، ذلك المكان الذي احتضن رفات رجلٍ لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان ضمير عصره، ولسان حال المقهورين، وسجلًّا حيًّا لآلام الوطن وهويته وآماله.
وبعد بحثٍ قصير، تبيّن أن ما تردّد لم يكن شائعة، فقد أُزيلت مقبرة أحمد شوقي من موقعها الأصلي في منطقة السيدة نفيسة بالقاهرة، ضمن أعمال تطوير عمراني وتوسعة طرق تشهدها المنطقة.
و تم نقل رفات أمير الشعراء ومتعلقاته قبل الهدم إلى موقع آخر يُعرف باسم “مقابر تحيا مصر للخالدين” في منطقة عين الصيرة، بجوار المتحف القومي للحضارة المصرية. ورغم الطابع الرسمي للإجراءات، فإن كثيرين رأوا في المشهد مساسًا مؤلمًا بالذاكرة الوطنية، وتساؤلًا مفتوحًا عن معنى التطوير حين يأتي على حساب الرموز، وعن جدوى التحديث إذا لم يوازن بين الحجر والإنسان، بين الطريق والتاريخ.
وبينما كانت الأحجار القديمة تتهاوى تحت وطأة الجرافات، نهضت من الذاكرة كلماتٌ قديمة أيضا ، كتبها شوقي ذات يوم بمداد الحزن والغضب، لا على قبرٍ يُهدم، بل على قريةٍ أُعدم أبناؤها ظلمًا ،،
فقبل أكثر من قرن، عام 1906، اهتز وجدان مصر على وقع فاجعة دنشواي، حين نصبت سلطة الاحتلال البريطاني المشانق لأبناء قريةٍ فقيرة، وحوّلت العدالة إلى أداة للانتقام، والقانون إلى سوطٍ في يد القوة. يومها، لم يصمت أحمد شوقي، ولم يختبئ خلف البلاغة أو المجاز، بل كتب واحدة من أجرأ قصائده، محوّلًا المأساة المحلية إلى صرخة إنسانية خالدة أبد الدهر :

يا دِنْشِوَايَ، على رُبَاكِ سَلامُ
ذَهبَتْ بأُنْسِ رُبوعِكِ الأيَّامُ
كيفَ الأراملُ فيكِ بعدَ رجالِها
وبأيِّ حالٍ أصبحَ الأيتامُ؟
عِشرونَ بيتًا أَقْفَرَتْ وانْتابَها
بعدَ البَشاشةِ وَحْشةٌ وظَلامُ

يا ليتَ شِعري في البُروجِ حمائمٌ
أم في البُروجِ مَنِيَّةٌ وحِمَامُ؟
نيرونُ لو أدركتَ عهدَ "كرومرٍ"
لَعَرَفْتَ كيفَ تُنَفَّذُ الأحكامُ

نُوحي حَمائمَ دِنشوايَ ورَوِّعي
شعبًا بوادي النيلِ ليسَ ينامُ
إنْ نامَتِ الأحياءُ حالَتْ بينَهُ
سَحَرًا وبينَ فِراشِهِ الأحلامُ
مُتوجِّعٌ يتمثَّلُ اليومَ الذي
ضجَّتْ لشدَّةِ هَوْلِهِ الأقدامُ

السوطُ يعملُ والمشانقُ أربعٌ
مُتَوحِّداتٌ والجنودُ قِيامُ
والمستشارُ إلى الفظائعِ ناظرٌ
تَدْمَى جلودٌ حولَهُ وعِظامُ

في كلِّ ناحيةٍ وكلِّ مَحَلَّةٍ
جزَعًا من المَلأِ الأَسِيفِ زِحامُ
وعلى وجوهِ الثاكلاتِ كآبةٌ
وعلى وجوهِ الثاكلينَ رُغامُ

لم تكن هذه الأبيات مجرد رثاءٍ عاطفي، بل كانت محاكمةً تاريخية صريحة، وفضحًا أخلاقيًا لنظامٍ صنع الموت والسجن والقهر باسم القانون. وبها حوّل شوقي دماء الفلاحين البسطاء إلى قضية رأي عام، وأثبت أن الكلمة قادرة على أن تعيش أطول من المشنقة، وأن تُدين ما تعجز البنادق عن محوه.

قد يُهدم الحجر، وقد تُنقل الرفات، لكن أمير الشعراء، الذي خلد دنشواي في الوجدان، سيبقى حيًا عليه رحمة الله تعالى ،،



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تركيا والمخدرات ،،،
- العلاقة بين -برياه فيهر - والمسجد الأقصى !!
- عندما يكون الهدف نبيلا !!
- صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية
- حينما تصبح كرة القدم ، مرآة للسياسة
- وهم الحصانة،،،
- حين تصبح كرة القدم مرآة للسياسة ،،
- حملات دعائية !!
- سيكتب عنها اللاحقون !؟
- البعد الإنسانى لحبس الفتيات ،،
- وداد مترى أنطون ، إمرأة من مصر،،
- فاطمة نعمت راشد، والحزب النسائى المصرى
- الأم المصرية ، وولدها
- إبراهيم يسرى ، القابض على جمر الوطن
- أزمة الإسطورة محمد صلاح وقميص عثمان !!
- أبطال نسيهم التاريخ
- المخرج، وسيدة القرن !
- ست البلاد ، الدكتورة نعمات أحمد فؤاد
- أربعة مبدعين ،،،
- أربعة شعراء،انحنوا جميعا،إلا واحد!؟


المزيد.....




- -صوت القضية-.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- وفاة الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر ناهز 71 عاما بعد صراع ...
- من غزة إلى إيطاليا.. حكايات الألم تتحول إلى كتب تُعيد الأمل ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صاحب أغنية -أناديكم- عن 71 ع ...
- رعب وفانتازيا وخيال علمي.. 6 أفلام سينمائية جديدة تتحدى سطوة ...
- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...
- ترامب يبكي ومقاطع من أفلام هوليوود.. حرب الصور الساخرة بين ا ...
- عرضان إضافيان لمسرحية -ما تصغروناش- في جدة
- كتاب توثيقي لعمالقة الغناء في السينما المصرية
- فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى ال ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدبولى - الشعر والهدم،،،