|
|
أربعة شعراء،انحنوا جميعا،إلا واحد!؟
حسن مدبولى
الحوار المتمدن-العدد: 8546 - 2025 / 12 / 4 - 10:20
المحور:
الادب والفن
الموهبة — حتى فى أرقى تجلياتها — لا تضمن لصاحبها حقيقة، ولا تمنحه مناعة أمام الهوى، ولا تعطيه صلابة فى وجه المنافع حين تلمع. وكثيرًا ما رأينا شعراءً أخضعت اللغةُ نفسها لهم، وانحنت الكلماتُ لمواهبهم، ومع ذلك خارت عزائمهم ساعة الاختبار، وضاعت البوصلة، فكانوا — رغم العبقرية — معاول هدم لا معالم هداية.
ومصر التى أنجبت شعراءً حملوا للناس الوعى والأمل والثورة، أنجبت أيضًا شعراء تغنّوا بالمجد فى النهار، ثم هانوا أمام السلطان عند الغروب. والكارثة لا تبدأ بالسطحى الجاهل… بل بالموهوب الذى يتخلى عن موهبته لصالح المغانم. فماذا يحدث حين يهتزُّ الموهوب، ويصمت الجسور، ويتصدر المشهد "الرويبضة"؟
لنفهم ذلك، يكفى أن نتأمل — بلا أحكام جاهزة — رحلة أربعة من أهم شعراء مصر الثوريين: جاهين، الأبنودى، نجم، وحداد. أربعة طرق، وأربع نهايات، وأربع حقائق تكشف وجه مصر حين تُمتحَن.
---
يبدأ المشهد بصلاح جاهين، الفنان الذى كان ملء السمع والبصر، وصاحب الرباعيات التى ما زالت تنبض فى ذاكرة الناس. لمع نجمه فى الستينيات مع اتساع حلم الثورة؛ وكتب أغانيٍ وردية تُبشر بعصر جديد. كانت قصيدته "المسئولية" — التى غناها عبد الحليم — نموذجًا لتلك الحالة:
صناعة كبرى، ملاعب خضرا، (تماثيل) رخام ع الترعة وأوبرا !! دي ماهيش أمانى، وكلام أغانى، ده بَرّ تاني قصادنا، قريب.،،،
كان جاهين يرى الحلم قريبًا… قبل أن يأتى صيف 67 ويهدم كل شىء. تهشّمت الأغنية، وانهارت الوعود، وتحوّلت "التماثيل" إلى مراثٍ. لم يتردد الأبنودى لحظتها فى الرد عليه عبر "عدّى النهار"، قائلاً:
وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها جانا نهار… معرفش يدفع مهرها !!
ثم عاد يلمز جاهين مرة أخرى وهو يخاطب عبد الناصر:
إنت السبب، إنت السبب عالجتنى فى الجلد وتركت العصب أنظر !! لا (تمثال) اتنصب! ولا بهية الحرة لبست القصب!
وحين مات عبد الناصر… مات معه جاهين. انطفأ. انزوى. ثم عاد فى عصر السادات مُحمولًا على أكتاف الميديا والانفتاح، يكتب للمسلسلات والفوازير، ويستسلم لمرحلة كانت تُبدل المعانى بالملذات، وتلون الظلمة بالـ"بمبى بمبى بمبى". حتى إنه بعد اغتيال السادات وصف عصره كله — فى لحظة صحوة متأخرة — بأنه كان "دعارة". شهادة موجعة جاءت من قلب المسرح الذى احتضنه.
---
ويأتى الابنودى، الثائر ضد جاهين فى الستينيات، والرافض لخرافة التماثيل والأوبرا. دخل عصر السادات بحذر، لكنه فوجئ بأن جاهين سبقه إلى "حضرة الرئيس" كما سبقه إلى "حضرة الزعيم". فاختار الأبنودى المواجهة لا المداراة هذه المرة ، وكتب فى "المد والجزر" :
وكام ذليل يا نيل وصبحك عِشا وكام بليد الحسّ يا ملطشة لزق القفا وركل الجزم أدمنت طاطيت واستسلمت للحاكم الصدفة، الحاكم الجيفة !!
لكن حتى هذا الغضب لم يُرض الجميع. كتب أحمد فؤاد نجم قصيدة مُرّة، رأى البعض أنها موجهة للأبنودى أو لجاهين أو لكليهما أو لشخص آخر ، يقول فيها:
مجاول وشاعر وبياع ملوحة وتاجر غناوي وسمسار بنات نعيمة وزكية (وعطيات) وتوحة ومخبر مودك على التجريرات حضر من بلدهم بمقطف ملوحة جبر واشتراله تلات تاكسيهات.
ومع مرور السنوات الأولى من حكم مبارك، بدا الأبنودى أكثر هدوءًا… وأكثر استعدادًا للتعايش. ظهر فى الفضائيات، وانشغل بالأغانى العاطفية. ثم جاءت حرب الخليج الأولى، فوقف مع الغزو الأمريكى للكويت ضد العراق، وكتب ديوان "الاستعمار العربى" مدافعًا عن الحرب، غير عابئ بالملايين التى تذبح. ولما سقطت بغداد سنة 2003، لم يكتب كلمة.
ثم جاءت ثورة يناير فأيقظت فيه "الأبنودى القديم" الذى كان يصرخ ضد الظلم. فكتب مخاطبًا الضابط:
إن قتلتنى… مش هتعيد دولتك تانى!
لكن حين تغيّر الهواء السياسى، وعادت امتيازات "الحظيرة" إلى الانقطاع، إذا بالأبنودى نفسه يُحرض ذلك الضابط على قتل مصريين آخرين، قائلاً:
قاعدين فى (رابعة). مين بقى اللى اتشطر وزقهم سنتى عن الميدان؟ فاللى يهاجم الجيش وبيقول: "عسكر" بيدى مصر هدية للإخوان!!
هكذا تهاوت الكلمات كما يتهاوى السيف حين يُستعمل ضد الضعفاء.
---
ثم نصل إلى أحمد فؤاد نجم… النموذج الذى كان يرى فى الأبنودى وجاهين رخاوة قاتلة أمام السلطة. شاعر السجون، ورفيق الشيخ إمام، وصاحب التاريخ الذى كلفه عمرًا من المطاردة والاعتقال. لكنه هو الآخر — فى منتصف عصر مبارك — غادر موقعه القديم، وظهر فى القنوات، يحكى ذكريات الثورة كأنها فقرات تسلية فى برامج المليارديرات. تحول نجم من رمز مقاوم إلى راوٍ للحكايات، حتى ثارت البلاد فى يناير، فعاد إلى ثوريته. لكنه لم يلبث أن انقلب — مثل الأبنودى — وأدار غضبه هذه المرة نحو من لا حول لهم، وفتح بيته للسلطان الجديد باعتزاز لا يليق برجل دفع أعمارًا فى مقارعة السلطة نفسها.
---
وبعد هذه الانحناءات، يظهر النموذج الرابع… المختلف جذريًا. فؤاد حداد.
الشاعر الذى لم تحده شاشة، ولم تُغوه ملايين، ولم تغره المخصصات، ولم يُبدل موقفه مقابل فتات. رجلُ انتماءٍ صلب، وثقافةٍ تُصهر فيها المسيحية مع الإسلام مع المصرية فى بوتقة واحدة؛ ثقافةٌ صنعت شعرًا يشبه الفجر على جبهة مقاتل.
وبينما كان الآخرون يقبضون من الانفتاح، كان حداد يرى فيه أم الكوارث. بينما كانوا يميلون للسلام البارد، كان هو يرى التطبيع خنجرًا. ومن روائع كلماته فى أغنية الأرض بتتكلم عربى:
الأرض بتتكلم عربى وقول الله !! إن الفجر لمن صلاه، ما تطولش معاك الآه، الأرض… الأرض… الأرض، الأرض بتتكلم عربى.
أول دواوينه كان يحمل اسمًا لا يشبه عصره: "أفرجوا عن المسجونين السياسيين". اعتُقل بسببه عام 1953 حتى 1956. ثم اعتُقل مرة ثانية خمس سنوات كاملة. لكنه خرج من السجن أصلب، لا أكثر تعبًا. وفى السبعينيات ضُيق عليه، وحورب رزقه، لا لشىء إلا لأنه رفض كامب ديفيد والانفتاح.
ومن يناير 1980 حتى وفاته 1985 كتب ثلثى إنتاجه. خمس سنوات من الإبداع النقى، المتصلب، الذى لم يتلوث.
ومع ذلك… لا يزال النكران يلاحقه. حيًا وميتًا.
ويكفى أن نُنهى بهذه الجوهرة التى كتبها:
دخلت دار بعد دار والكل بيحيّى، أنا اللى حي وشهيد فى الجنة وف حَيّى! الله أكبر، كإن الشمس من ضيّى، على رمل سينا فى نار المعركة والصهد أنا والتراب المنور انتصرنا لبعض وكنت صايم ملكت من السما للأرض وكنت عطشان، محدش ارتوى زَيّى!!
ثم يقول:
يا مصرى يا سيد! وأبوك درويش، النيل بيجرى ولا ما بيجريش؟ النيل بيجرى، والعجل بيدور، والفجر طالع بالصنايعية، ومصر لازم تبقى مصرية!! وكل كلمة تقولها… أغنية!!
---
هذه ليست مجرد سيرة أربعة شعراء… بل سيرة مصر نفسها حين تختبر أبناءها: من يهتزّ؟ من يصمت؟ من ينقلب؟ ومن يبقى واقفًا — منفردًا — يحمِل كلمته كجمر لا يضعه ولا يسقط منه؟
#حسن_مدبولى (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
دولة التلاوة، وضياع الهوية !؟
-
من الديانات الإبراهيمية ،،،
-
المقاومة والزمالك ،،
-
إزدواجية معايير الدعم الإنسانى !!
-
المدارس متعددة، والمعزوفة واحدة!!
-
إنتخبوا الرجل الشيك !؟
-
الإستنارة الإنتقائية !!
-
التحول الذى يثير الحزن !؟
-
التصنيف وفقا للرغبة أو الطلب،،
-
إنتهاك براءة الطفولة( مأساة جان جينيه)
-
كيف نجت بعض الملفات من المحاسبة عقب ثورة 25 يناير 2011
-
شر البلية !!
-
بوصلة الأهلى والزمالك !!
-
تصريحات إستهلاكية !!
-
الدعم المؤلم المرير،،
-
للقذارة لون واحد !
-
تصويت الجزائر !!
-
خطاب إدانة ،،،
-
الأهلى ومستقبل وطن، المسرحية واحدة
-
رمز تنويرى مصرى
المزيد.....
-
غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام
...
-
الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون: -سنقوم
...
-
الشيخ صلاح بوخاطر.. -مزمار- الشارقة الذي يشجي القلوب في ليال
...
-
لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
-
نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم
...
-
ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا
...
-
رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
-
رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف
...
-
هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل
...
-
تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان
المزيد.....
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
المزيد.....
|