أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن مدبولى - إيران بين الديموقراطية، والتطرف !!














المزيد.....

إيران بين الديموقراطية، والتطرف !!


حسن مدبولى

الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 09:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في مطلع الخمسينيات شهدت إيران واحدة من أهم المحاولات الديمقراطية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. صعد الدكتور محمد مصدق إلى رئاسة الحكومة عام 1951 عبر آلية دستورية وبرلمانية، مستندًا إلى أغلبية نيابية وحراك شعبي واسع، حاملاً برنامجًا واضحًا: تثبيت السيادة الوطنية، إخضاع المؤسسة الملكية للدستور، وإنهاء السيطرة الأجنبية على النفط الإيراني الذي كانت تحتكره شركة النفط الأنجلو-إيرانية البريطانية.
قرار تأميم النفط في مارس 1951 لم يكن مغامرة شعبوية، بل خطوة قانونية أقرها البرلمان، هدفت إلى إعادة توزيع عوائد الثروة الوطنية داخل الاقتصاد الإيراني. لكن هذا القرار مسّ جوهر المصالح الاستراتيجية لبريطانيا، ثم للولايات المتحدة التي رأت في مصدق – في أجواء الحرب الباردة – احتمال انزلاق نحو معسكر مغاير لنفوذها، رغم أن الرجل لم يكن شيوعيًا بل ليبراليًا وطنيًا واضح الانتماء الدستوري.
بدأ حصار اقتصادي خانق، وتكثفت عمليات الضغط السياسي، وصولًا إلى عملية الانقلاب في 19 أغسطس 1953، المعروفة بعملية "أجاكس"، التي نُفذت بتنسيق بين الاستخبارات الأمريكية والبريطانية. أُطيح بالحكومة المنتخبة، وحُوكم مصدق وسُجن حتى وفاته، وأُعيد تثبيت محمد رضا بهلوي بسلطات مطلقة تجاوزت عمليًا حدود النظام الدستوري.
بهذا الحدث لم تُسقط حكومة فحسب، بل أُجهض مسار ديمقراطي سلمي كان يمكن أن يشكل نموذجًا إقليميًا مختلفًا. منذ تلك اللحظة، ارتبط الاستقلال الاقتصادي في الوعي السياسي الإيراني بمخاطر التدخل الخارجي، وارتبط الإصلاح البرلماني بإمكانية الإطاحة به إذا تعارض مع ميزان المصالح الدولية.
على امتداد ربع قرن تكرس حكم أمني مركزي مدعوم غربيًا، وتوسعت صلاحيات جهاز السافاك في ملاحقة المعارضين من قوميين ويساريين وإسلاميين. كانت إيران تُقدَّم في الخطاب الغربي بوصفها ركيزة استقرار، بينما كان الداخل يعيش انسدادًا سياسيًا متراكمًا. ومع غياب قنوات التغيير التدريجي، تحولت المعارضة شيئًا فشيئًا من مطالب إصلاحية دستورية إلى مشروع ثوري شامل.
حين اندلعت الثورة عام 1979 لم تكن مجرد احتجاج اقتصادي أو ديني، بل انفجارًا تاريخيًا لتراكم بدأ منذ 1953. سقط الشاه، وعاد روح الله الخميني، وتأسست الجمهورية الإسلامية على منطق مغاير تمامًا لمنطق مصدق. الفارق الجوهري أن مشروع 1951 راهن على التوازن الدستوري والتدرج، بينما مشروع 1979 تأسس على قناعة بأن الثورة لا تحمي نفسها إلا بإعادة صياغة الدولة جذريًا وإقصاء خصومها بصورة حاسمة.
هنا تتضح المفارقة التاريخية: إسقاط تجربة وطنية ديمقراطية بدعوى حماية الاستقرار أنتج لاحقًا نظامًا أكثر صدامًا وأشد تحصنًا أيديولوجيًا. ما جرى لم يكن صراعًا دينيًا في جوهره، بل صراعًا على السيادة وتوزيع القوة. وعندما أُغلق المسار المدني، أصبح البديل الثوري هو القناة الوحيدة المتاحة للتغيير.
اليوم، في ظل التوتر المستمر بين إيران والغرب، والعقوبات الممتدة، والصراعات الإقليمية المتشابكة، لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن تلك اللحظة المؤسسة عام 1953. إن جزءًا كبيرًا من انعدام الثقة البنيوي بين الطرفين يعود إلى تجربة إسقاط حكومة منتخبة لأنها مست مصالح استراتيجية كبرى. والنتيجة أن العلاقة دخلت منذ ذلك الحين في دائرة أمنية مغلقة: كل طرف يرى في الآخر تهديدًا وجوديًا.
الخلاصة ليست تبريرًا لمسار أو إدانة خطابية لآخر، بل تقرير لحقيقة تاريخية واضحة: حين يُجهض مشروع استقلالي ديمقراطي بالقوة، فإن التداعيات لا تنتهي بسقوط حكومته، بل تعيد تشكيل الخريطة السياسية لعقود. التجربة الإيرانية تقدم مثالًا صارخًا على أن كلفة إجهاض الاعتدال قد تكون صعود بديل أكثر حدة، وأن التدخل القصير الأمد لحماية المصالح قد ينتج صراعًا طويل الأمد يصعب احتواؤه.
هذا هو الدرس الذي لا يزال حاضرًا في الإقليم حتى الآن.



#حسن_مدبولى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المؤامرات الغربية لاتتوقف؟
- عمران خان ،،
- ضحايا القصف على ايران
- حرب عبثية
- الفول المدمس المصرى !!
- عذراء الربيع
- اليمين الغربى !!
- حكومات التكنوقراط !!
- الهوس والأوطان ،،،
- جلود المثقفين السميكة !!
- الفتنة نائمة فى مصر،،
- تجربة ألبانيا ، القمع لا يحقق تقدما ،
- التجربة الايرانية،،
- الثورة مستمرة ،،
- دين لايسقط بالتقادم،،،
- الصقور، والحمائم ،،
- الرأسمالية الإسلامية، والإلحاد الناصرى.
- العقل، والعدالة !!
- حمدين ومادورو !!
- الديكتاتورية تولد الانقسام !!


المزيد.....




- محاكمة رجلين بتهمة التخطيط لمهاجمة أهداف يهودية بدعم من إيرا ...
- مستشار قائد الثورة الاسلامية محمد مخبر: بيان مجلس التعاون يم ...
- غرفة عمليات المقاومة الإسلامية: تلة علي الطاهر لا تزال مزروع ...
- غرفة عمليات المقاومة الإسلامية: مجاهدو المقاومة على جهوزية ك ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية حسين محبي: ننفي مزاعم مسؤ ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية حسين محبي: مضيق هرمز أرض إ ...
- بقائي: الجمهورية الاسلامية أكثر حرصاً على الأمن الجماعي للمن ...
- -خطوة تاريخية غير مسبوقة-.. بدء ترميم المقبرة اليهودية في دم ...
- الناطق باسم حركة المُقاومة الإسلامية-حماس- حازم قاسم: الاتصا ...
- بقائي: ينبغي مساءلة الجيران في الجنوب: لماذا انخرطوا هم أنفس ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن مدبولى - إيران بين الديموقراطية، والتطرف !!