أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - -وإذا كانت النفوس كبارًا *** تعبت في مرادها الأجسامُ-














المزيد.....

-وإذا كانت النفوس كبارًا *** تعبت في مرادها الأجسامُ-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 02:47
المحور: قضايا ثقافية
    



في الحياة، نواجه جميعًا تحديات وضغوطًا قد تدفعنا إلى التخلي عن بعض من قيمنا أو مبادئنا حفاظًا على مصالحنا أو حياتنا. لكن، هل يُعتبر البقاء على قيد الحياة بأي ثمن هو الحل؟ أم أن الكرامة هي التي تضفي على الحياة معناها وقيمتها؟ إن مسألة الكرامة هي محور وجود الإنسان، ولا يمكن التفريط فيها دون أن يفقد الفرد جزءًا جوهريًا من ذاته. منذ القدم، تناول الفلاسفة والشعراء في مختلف الحضارات هذا السؤال وأكدوا على أهمية التمسك بالكرامة في مواجهة التحديات.
الإسلام، كدين يُعظم الإنسان ويضعه في مرتبة التكريم، يولي أهمية كبيرة لمفهوم الكرامة. قال الله تعالى في القرآن الكريم:
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"
(سورة الإسراء: 70)
هذه الآية تؤكد على أن الكرامة هي جزء أصيل من تكوين الإنسان، وأنه مكرم ومفضل من الله على جميع الخلق. التفريط في الكرامة لا يعنى فقط فقدان الشرف، بل هو تخلي عن هبة إلهية.
في الحديث النبوي الشريف، نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"
(رواه أحمد والترمذي)
هذا الحديث يشير إلى أن الوقوف ضد الظلم والمطالبة بالحق هو من أشرف الأعمال التي يمكن للإنسان القيام بها. الصمت أو التنازل عن الحق في مواجهة الظلم يُفقد الإنسان كرامته ويقوده إلى حالة من الذل.
الفلسفات الشرقية مثل البوذية والهندوسية، تركز على قيمة الكرامة الداخلية التي تنبع من السلام الداخلي والقدرة على التمسك بالمبادئ في مواجهة الصعوبات. قال بوذا:
"النصر الحقيقي هو الانتصار على النفس، وليس على الآخرين."
في هذا القول، نجد تأكيدًا على أن الكرامة تأتي من السيطرة على النفس ومواجهة التحديات دون خضوع أو استسلام.
وفي الفلسفة الهندوسية، يرتبط مفهوم الكرامة بالالتزام بمبدأ "الدارما" أو الواجب الأخلاقي. يقول مهاتما غاندي:
"أكثر شيء يُفقد الإنسان كرامته هو الخوف."
الخوف من الفشل أو من مواجهة الحقيقة يؤدي بالإنسان إلى خيانة مبادئه، بينما الكرامة تظل مرتبطة بالشجاعة في الوقوف أمام الضغوط مهما كانت.
في الفلسفة الغربية، نجد أن إيمانويل كانط يعتبر الكرامة قيمة مطلقة لا يجوز التنازل عنها، حيث قال:
"الكرامة هي تلك الصفة التي تجعل الإنسان غاية في حد ذاته، وليست وسيلة لتحقيق غايات أخرى."
من وجهة نظر كانط، الكرامة تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، لأنه يتمتع بالقدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية بوعي وحرية. وبالتالي، لا يمكن لأي إنسان أن يُعامل كأداة لتحقيق أهداف الآخرين على حساب كرامته الشخصية.
أما الفيلسوف فريدريك نيتشه فقد أكد على أن الكرامة ترتبط بالقوة الروحية والمعنوية للإنسان. وقال:
"ما يحطم الإنسان ليس هو الألم بحد ذاته، بل فقدان الهدف والكرامة."
الكرامة في نظر نيتشه هي ما يمنح الإنسان القوة لمواجهة الصعاب، فإذا فقد الإنسان كرامته فقد روحه وهدفه في الحياة.
الشعر العربي كان ولا يزال منبرًا للتعبير عن الكرامة والإباء. الشاعر عنترة بن شداد يقول:
"لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ *** بل فاسقني بالعز كأس الحنظلِ"
في هذا البيت، يفضل عنترة الموت بعزة وشرف على حياة مليئة بالذل. فالماء، الذي يعتبر رمزًا للحياة، يفقد معناه وقيمته إذا كانت تلك الحياة مذلة.
أما المتنبي، فيُعتبر من أكثر الشعراء تعبيرًا عن أهمية الكرامة في حياة الإنسان. يقول في بيته الشهير:
"إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ *** فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ"
يشير المتنبي هنا إلى أن الشرف والكرامة هما أعلى ما يمكن للإنسان أن يسعى إليه، وأنه لا يجب التنازل عن قيمتهما مهما كانت المخاطر.
الشاعر الفلسطيني محمود درويش يبرز في شعره قضية الكرامة والحرية بشكل واضح. في إحدى قصائده يقول:
"وأنت تعد قهوتك، لا تفكر في من سيشربها معك"
"فأنت حر في أن تجلس وحدك، وفي أن تختار رفاقك"
هنا يعبر درويش عن الحرية الشخصية التي لا يمكن فصلها عن الكرامة. هذه الحرية في اتخاذ القرارات واختيار الصحبة هي ما يمنح الإنسان كرامته ويجعله قادرًا على الوقوف أمام التحديات.
في الفلسفة الصينية، نجد أن كونفوشيوس ركز بشكل كبير على الأخلاق والكرامة في التعاملات اليومية. قال كونفوشيوس:
"الفضيلة الكاملة هي ألا تفعل بغيرك ما لا تُحب أن يُفعل بك."
هذا المبدأ يعزز من قيمة التعامل بكرامة مع الآخرين، ويربط الكرامة الشخصية بالمعاملة العادلة والاحترام المتبادل.
الكرامة ليست مجرد شعور أو قيمة عابرة، بل هي جوهر الإنسان الذي لا يمكن التفريط فيه. سواء في الأديان السماوية أو الفلسفات الشرقية والغربية، نجد اتفاقًا على أن الكرامة هي ما يمنح الإنسان قيمته ومعناه. التنازل عن الكرامة خوفًا أو طمعًا قد يؤدي إلى فقدان الهدف والتفريط في الذات.
في عالم مليء بالتحديات والضغوط، يجب أن نتحلى بالشجاعة للتمسك بكرامتنا ومبادئنا، لأن الحياة بدون كرامة ليست حياة ذات معنى. وكما قال نيتشه، ما يحطم الإنسان ليس الألم، بل فقدان الكرامة والهدف.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التفاعل بين التفاصيل الواقعية والرمزية في بناء المعنى الجمال ...
- كيف نبني بيئة داعمة لتطوير القدرات الإبداعية
- -أن تُحِبّ رغم كل شيء-
- وحدة المصدر وتعدّد الأقنعة
- حين ينقسم الوعي على ذاته: من يُنصت لمن في صمتك الداخلي؟
- العقل بين قيود الجهل وآفاق التقدم
- هندسة التعلم التجريبي: كيف يصنع الاستكشاف عقولًا مبدعة لدى ا ...
- موعدٌ يرتجف
- متلازمة داون بين التحديات والإمكانات: نحو وعي إنساني قائم عل ...
- حين يشيخُ الضوء… تبقى الأمُّ قمراً لا يأفل
- قصيدة -البردة- للبوصيري: مدح النبي وتجاوزات عقائدية
- الجمال بوصفه انحيازًا خفيًا: كيف يُشكّل إدراكنا الأخلاقي؟
- ابتسامةٌ تُشبه الخلود
- حين خانني ظني الجميل-
- -مقامة الفراشة التي صارت غيمة-
- رجّعوني ليك
- حين يلتقي الغياب بالحضور
- -أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-
- -حين يتلعثم الضوء في فم القصيدة-
- امرأة أضاءت ...فاتهموها بالنار


المزيد.....




- مشهد طريف.. ماكرون ورئيسة وزراء اليابان يقلدان حركة -دراغون ...
- تحليل خطاب ترامب للأمة عن إيران.. ما أبرز النقاط المستخلصة؟ ...
- قبل ساعات على خطاب ترامب.. رئيس إيران وجّه رسالة للشعب الأمر ...
- خلال 24 لـ48 ساعة قادمة.. سفارة أمريكا بالعراق تنبّه: ميليشي ...
- السفارة الأمريكية ببغداد تنصح الأمريكيين بمغادرة العراق فورا ...
- صورة لقاء الشرع مع ميركل تشعل المنصات ثم تسقط بالتدقيق
- عاجل| السفارة الأمريكية ببغداد: على المواطنين الأمريكيين مغا ...
- تهديدات بلا مخرج واضح.. قراءة في خطاب ترمب عن حرب إيران
- 36 دولة تجتمع للضغط من أجل إعادة فتح مضيق هرمز
- العراق.. السفارة الأميركية تحذر من هجمات وسط بغداد


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - -وإذا كانت النفوس كبارًا *** تعبت في مرادها الأجسامُ-