أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -مقامة الفراشة التي صارت غيمة-














المزيد.....

-مقامة الفراشة التي صارت غيمة-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 02:47
المحور: الادب والفن
    


هذه مقامةٌ من مقامات السرّ والنقاء، نرويها لا لمن يطلب الحكاية، بل لمن يُحسن الإصغاء لما وراء الحكاية؛ ففيها خبرُ قلبٍ أحبَّ في زمنِ الاتهام، وقصةُ روحٍ مشت بين الحجارة فلم تنكسر، بل صعدت كما تصعد الفراشة نحو الغيم. فمن كان له قلبٌ يشهد، أو أذنٌ تسمع خفق المعنى بين السطور، فليدنُ من هذه المقامة، ففيها من العبرة بقدر ما فيها من الحلم، ومن السرّ بقدر ما فيها من الضوء.
حدّثنا من شهد السرّ في الخفاء، ومن دقّت نفسه بحسّ الحقيقة، أنّه في وطنٍ يلبس الصمتَ عباءةَ الشرف، كانت الفراشة تغنّي تحت المطر، والفتاة تزهر في الخفاء، كزهرةٍ بريةٍ على حافة الهاوية.
اسمها لم يُكتب في الصحف، ولم يُستدع فيه القلم لذكره، لكنّ النسيم كان يعرفه، والقمر يناديه كلّما أطلَّ على المدينة الغافية في نوم الخوف، كأنهما شهيدا الغيب على ما لا يراه السائرون في الطريق.
وكانت تعرف أنّ كلّ نظرةٍ عابرةٍ على صورتها لا تُعيد شيئًا من جوهرها، وأنّ القلب إذا حبّ من غير تجريد صار عبئًا على الأرض قبل السماء.
أحبّت… نعم، أحبّت ببساطةٍ لا تليق بعالمٍ يفتّش في الضحكات، ويرى في الابتسامة جنّة العهر، ويعاقب القلب على نقائه.
وأحبّت رجلاً يشبه الغيم، يهبط بلا موعد، ويترك في صوتها عطشًا، وفي عينيها حقلاً من الضوء، حقلاً يرويه الخيال ولا يبلّه الزمن، حقلاً يظلّ يثمر بين النور والظل، بين الحلم والحقيقة، بين السرّ والظهور.
ولم تُخبر أحدًا، فذلك الوطن يقتل الهوى قبل أن يُولد، ويقيم محاكم في صدر النساء، ويوزّع الحصى على الألسن لتُرجم الأرواح باسم الطهر، ويحتجب الحقّ وراء حجاب الشكّ والاتهام.
وذات مساء، كتبت إليه رسالة على ورقة ياسمين، وخَبَأتها في شقّ جدارٍ قديمٍ يطلّ على البحر، فالموج وحده أمين، والريح أكثر رحمةً من البشر، والليل شاهد على صدق العطاء، والنجوم تتوشح بالضياء على صدر المدينة كأنها تعزف لحنها الصامت.
مرّت الأيام، وصارت همساتها تُتَّهَم بالعهر، وابتسامتها تُفتَّش كما تُفتَّش الجريمة، وحضورُها يُستقبل بالغبار قبل السلام.
ومع ذلك، ما انثنت، ولم يزل قلبها خافقًا، فكانت تمشي بثوبٍ أبيض، كأنها تُعلن للعالم أنّ النقاء لا يُؤخذ منه الإذن، وأنّ الحرية لا تُستأذن، والضوء لا يُسأل قبل أن يشرق.
وحين اجتمع أهلُ الريبة، وجاؤوا بالحجارة، قصدوا جلدَ البراءة بمطرقةِ الاتهام، لم تهرب، ولم تحنّ رأسها، ولم يزل قلبها خافقًا، بل رفعت رأسها إلى السماء.
فانتثر الغيم، وانشقّت منه فراشاتٌ بيضاء، دارت حولها في دوائر من ضوءٍ وبكاء، تتلو قصيدة السماء على كتفيها، وتغني على صدر المدينة، وترفع عن الأرض ظلام الأوهام، وتزرع بين أنقاض الخوف أزهارًا صغيرةً تتفتّح على كل كتفٍ وشريان.
وفي تلك اللحظة، لم يدرِ أحدٌ أنّ الحجارة التي أرادوا بها هدمها لم تصبها، بل صارت زهورًا، وجسدها صار نغمةً، والنغمة عند أهل الله حركةُ الوجود إذا اتصلت بأصلها، فارتفعت من كثافة الجسد إلى لطافة الروح، من الأرض إلى السماء، ومن زمن الخوف إلى مقام الحرية.
ومنذ ذلك اليوم، إذا هطل المطر في الأزقّة، تُسمَع أغنيةٌ خافتةٌ تتسلّل بين النوافذ، وتنساب بين الشرفات، تُخبر من يتهيّأ للشهود أنّ الفراشة لم تُقتل، بل صارت غيمةً تحبّ من فوق، حيث لا حجر، ولا قيد، ولا قاضٍ، حيث الهوى حرّ، والضوء صادق، والسرّ محفوظ في حضرة الخلق والخالق.
وكان قلبها في مقام الخفاء، حيث السرّ يُكشف لمن أذن له الحقّ، والخفاء ليس ضعفًا بل شهادة على الفيض.
وفي مقام البساطة، أحبّت ببساطةٍ لا يُمكن للعالم أن يحتملها، وبذلك صار قلبها مرآةً للنور، لا صورةً للزيف.
وفي مقام العشق، صار الغيم مرآتها، وصوتها حقلاً من الضوء، وهو تجلٍّ فيها، وهي انعكاسٌ له.
وفي مقام الإيداع، رسالتها إلى البحر كانت شهادةً على أن السرّ محفوظ عند الأوفياء.
وفي مقام الامتحان، الحجارة التي رموها بها لم تُصِبها، بل صارت وسيلةً للثبات، وامتحانًا للنور في قلب الظلام.
وفي مقام التحوّل، أصبح الأذى جمالًا، والحجر زهرة، والجسد نغمةً، والصوت أغنيةً، والعالم متنفسًا للحياة.
وفي مقام الارتفاع، تحوّلت الفراشة إلى غيمة، عادت إلى أصلها، حيث الحرية والنقاء، حيث لا قيود، ولا سلطة، ولا قيد.
وفي مقام الصوت الخفي، بقي أثرها في الأزقّة، صوتها خافت، لكنه أقوى من الوجود، يمرّ بين القلوب، ويترك نورًا.
وفي مقام الحرية، انتصرت على حكم البشر، وتحررت على صعيد الروح، وارتفعت فوق القيود، وظهرت في مقام الحقّ.
والفراشة لم تعد فقط صورةً في العالم، بل علامة للوجود الكامل، ونغمةً للسماء، وأثرًا للماء والريح، وشهادةً على أن الحبّ، والنقاء، والثبات، والحرية ليست حكرًا على أحد.
وهكذا صار المطر مناسبةً للذكرى، والغيم مناسبةً للحبّ، والريح تروي القلوب، والنجوم تشهد على من يجرؤ على النقاء، والزهور تتفتح من بين الحجارة.
وكلما اجتمع أهل الظلم، وامتلأت الشوارع بالحجارة والظنون، ظهرت الغيمة، وحملتها الفراشة على جناحيها، فصارت رمزًا لكل قلبٍ لم يُقتل بعد، ولكل روحٍ لم تُقيد بعد، ولكل نقاءٍ بقي حيًّا.
والفراشة، بهذا، لم تُقتل، بل صارت حضورًا في الغيب، ووعيًا في الظاهر، وسماءً في الأرض، وأغنيةً في الأزقّة.
وكل حجرٍ حاول أن يضربها صار زهرة، وكل همسةٍ اعتُبرت جريمة صارت صلاةً، وكل ابتسامةٍ اعتُبرت خطأ صارت نورًا.
وهذا هو مقامها الأخير: مقام الوجود الكامل، حيث كل شيء يشهد على الحقيقة، والحقّ يُرى من كل قلبٍ نظيف، والروح تسافر فوق القيود، كما تسافر الغيمة، كما تغنّي الفراشة.
وهكذا تبقى المقامة، ليس سردًا للأحداث، بل حركةً من الفيض في قلب العالم، رسالةً لكل من يقرأ بين السطور، وشهادةً على أن الحبّ لا يُقتل، والنقاء لا يُسجن، والروح لا تُقيد.
فلتسجد لها الريح، ولتنحني لها الأمواج، ولتتبسم لها الشمس، ولتضيء لها القلوب، فالفراشة صارت غيمةً تحبّ من فوق، حيث لا قيد، ولا حجر، ولا قضاة.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رجّعوني ليك
- حين يلتقي الغياب بالحضور
- -أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-
- -حين يتلعثم الضوء في فم القصيدة-
- امرأة أضاءت ...فاتهموها بالنار
- -حين تمرّ امرأة في القصيدة… يتغيّر شكل العالم-
- أسطورة “القلعة الأخيرة” في التاريخ السياسي: بين الرمز الخطاب ...
- وشوم الذاكرة وأغاني الجبال: حكايات من أسرار المرأة الأمازيغي ...
- من «أتمتة الروح» إلى «الصناعة 4.0»: تحولات المعنى والإنتاج ف ...
- ثورة المعيار الجديد: إعادة تعريف الجودة في عصر الذكاء الاصطن ...
- بين نهضة الخيال وأتمتة الروح: مقاربة أخلاقية في إبداع الذكاء ...
- الأسرة في عصر الهوية الرقمية: تحولات القيم بين الخصوصية والا ...
- الهوية الرقمية مقابل الهوية الواقعية: صراع الذات في عصر التو ...
- السكري كظاهرة ثقافية: كيف غيّرت العادات الغذائية المعاصرة كي ...
- الماموغرافيا في سويسرا: بين الحقيقة العلمية والتضليل الإعلام ...
- في مديح الجمال حين يصير خُلُقًا
- تنظيم النوم والطاقة في رمضان
- التغذية المثالية للسحور والإفطار
- : الصيام عبر الحضارات والأديان — دراسة مقارنة وخاتمة تحليلية ...
- الصيام من المنظور العلمي والطبي الحديث


المزيد.....




- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...
- مدريد تحتفي بالثقافة الإيرلندية في موكب ملون ليوم القديس بات ...
- أوسكار 2026.. سقوط -ملك الأفلام- وصعود الانقلاب الخفي في هول ...
- الأوسكار يختم -مسيرة مذهلة- لفيلم هامنت من إنتاج RedBird IMI ...
- -كأن تختبئ من المرآة أمامها-.. شعرية الهامش وجماليّات الانكس ...
- إنتاج -آي إم آي ريد بيرد-.. رحلة -هامنت- من الأدب للأوسكار
- العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -مقامة الفراشة التي صارت غيمة-