أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - رجّعوني ليك














المزيد.....

رجّعوني ليك


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 01:51
المحور: الادب والفن
    


كانت الليلة هادئة أكثر مما يجب، صامتة كقلبٍ تَعِب من المقاومة. جلس أمام النافذة، يدور المذياع القديم على أغنيةٍ تعرف طريقها إلى وجعه دون استئذان.
"كلموني تاني عنك... فكروني."
جاء الصوت مثل يدٍ حنونةٍ امتدت من الغياب، تربّت على روحه التي ظنّها شُفيت منذ زمن.
ابتسم بمرارة. كم حاول أن ينسى؟ كم أوهم نفسه أن الذاكرة يمكن أن تُمحى كما تُمحى رسالة من الهاتف؟ لكن الأغنية كانت تعرف الحقيقة التي يحاول تجاهلها: أن النسيان كذبةٌ جميلة، لا يعيشها سوى من لم يعرف الحبّ حقًا.
"رجعولي الماضي بنعيمه وهناوته، وبحلاوته وبعذابه وبقساوته."
تردّد الصدى في قلبه قبل أن يصل إلى أذنه. نعم... الماضي بكل ما فيه، يعود دائمًا متكاملًا، لا يمكن اقتطاع لحظة منه دون أن تعود الأخرى لتطاردك. الحب لا يأتي وحده، يأتي ومعه الجرح، والحنين، وكل ما اعتقدتَ أنك تجاوزته.

"بعد ما صدقت إني قدرت أنسى..."
كأنها تُغنّى له وحده. تذكّر يوم أقنع نفسه أن الجراح تلتئم بالزمن، وأن القلب يُرمم بالمنطق. عاش أعوامًا يجرّب العيش كما يعيش الناس: عمل، أصدقاء، أغانٍ أخرى، صداقات عابرة. لكنه لم يكن يعيش، بل يؤجل الاعتراف بالهزيمة.
النسيان لم يكن نسيانًا، بل انقطاع النفس.
والآن، بكلمتين عابرتين، بذكرى بسيطة على لسان أحدهم، رجع كل شيء.
"جم بهمسَة وغيّروني... كانوا ليه بيفكروني."
قالها بينه وبين نفسه كما لو أنه يرددها مع المطربة، لكنه كان يقصد شيئًا آخر: من يعيدنا إلى الحياة بعد أن اعتدنا الصمت؟ من يُجرّح الجرح بعد أن كاد يصير ذكرى؟

"صحّوا في عينيا حنينهم لابتسامك..."
أغمض عينيه. كان يرى ابتسامتها، تلك التي كانت تضيء الظلمة بلا قنديل.
لم يكن الحنينُ إلى وجهها فقط، بل إلى نفسه يوم كان معها.
الحبّ لم يكن حكاية بين اثنين، بل مرآة يرى فيها الإنسان أجمل ما فيه. حين ترحل، لا تفقد الآخر فحسب، بل تفقد صورتك التي كنت تراها في عينيه.
لهذا لا يُشفى أحد من الحبّ، لأننا لا نفقد شخصًا، بل نفقد أنفسنا القديمة.

"واِبتَدا الليل يبقى أطول من ساعاتُه..."
كم مرة شعر أن الليل يتمدد كظلٍّ أزلي؟
من يفقد حبيبه يفقد الزمن أيضًا.
الوقت لا يمضي بعد الفقد، بل يتوقف عند لحظة الوداع، يعيدها مرارًا، مثل مقطعٍ من أغنيةٍ لا تنتهي.
الليل يصبح مرآة للفراغ، والسكون يتحوّل إلى ضجيج داخلي، يذكّره بأن ما انتهى لم ينتهِ حقًا.

"تِسْوى إيه الدنيا وانت مش معايا..."
لم تكن عبارة حب، بل سؤال فلسفي.
ما معنى الوجود إن لم يشاركنا أحد تفاصيله؟
هل للحياة قيمة إن خلت من الآخر الذي يذكّرنا بأننا أحياء؟
ربما كان الحبّ هو التجربة الوحيدة التي تبرّر الوجود، لأن فيها نختبر الخلود المؤقت: أن نشعر أن لحظة واحدة تكفي لتبرير العمر كله.
أما بعد الفقد، فكل شيء يصبح ناقصًا — حتى الضوء، حتى الهواء.

"بعد ما صدقت إني قدرت أنسى..."
تكرارها في الأغنية كان أشبه بجلدٍ للنفس.
التكرار في الفن هو ما يشبه الرجوع في الذاكرة — لا لشيءٍ جديد، بل لذات الوجع.
كأنها تقول له: لا تكابر، فما زلتَ تحبّ، وما زال قلبك هناك، عند أول نظرة، عند أول كلمة، عند أول "إلى اللقاء" لم تتحقق.

"كلموني تاني عنك بعد طول حرماني منك..."
تأمل المعنى العميق للجملة.
ليس الألم في الحرمان، بل في أن يأتي اللقاء متأخرًا — أن تفتح باب الذاكرة بعد أن كدتَ تُغلقه إلى الأبد.
كل حنينٍ مؤجّل يتحوّل إلى نداءٍ وجودي:
هل نحن من نختار من نحب؟ أم أن الحبّ يختارنا كما تختار الأغنية من يُنصت إليها؟

"وِاللي جوّه القلب كان في القلب جوّه... رحنا واتغيّرنا احنا إلا هو."
ضحك بمرارة.
كم من المرات تغيّر، ونضج، وتبدّلت وجوهه، لكنّ الحب بقي كما هو — عنيدًا، طفوليًا، لا يشيخ.
الناس يتغيرون، والحياة تدور، لكن الحب الحقيقي يظلّ ساكنًا في عمق الذاكرة، مثل حجرٍ مقدّسٍ في قلب الزمن.

"هو نفس الحب وأكتر... هو نفس الشوق وأكتر."
تساءل في صمت: هل يمكن أن يزداد الشوق بعد الفقد؟
ربما نعم. لأن الذاكرة تُعيد تشكيل ما كان، وتمنحه كمالًا لم يملكه حين كان حيًا.
كلّ ما نفقده يصبح أجمل مما كان، لأننا نضيف إليه من خيالنا ما يعوّض غيابه.
هكذا يتحوّل الحنين إلى صنعةٍ فنية، نعيد بها تشكيل الألم ليبدو أبهى.

"يا حبيبي، حياتي بعدك مستحيلة."
لم تكن شكوى، بل اعتراف.
بعض الفقد لا يُعاش بعده.
لكنّ الحياة تُرغمنا على البقاء — لا لنعيش، بل لنحمل الذاكرة كصليبٍ صامت.
حين يغيب الحبّ، يصبح الوجود مجرّد عادة، لا طعم فيها ولا لون.

"دي الحياة من غير لقانا مش حياة."
الجملة الأخيرة كانت كخاتمة فلسفية، تلخّص عبث الوجود وبهاءه في آن.
الإنسان لا يعيش بالزمن، بل بالحبّ.
الحبّ هو الزمن الحقيقي — هو اللحظة التي لا تمضي، والتي، إن مضت، أخذت معنا كل شيء.

أغلق المذياع، وبقي الصمت يتردد في أرجاء الغرفة.
لكن داخله، كانت الأغنية لا تزال تُغنّى.
لم تتوقف.
لأنها لم تكن أغنية فحسب، بل كانت ذاكرته الوحيدة التي لا تشيخ.
رفع رأسه إلى النافذة، وقال لنفسه:
"يمكن فعلاً... حبك إنت ما لوش نهاية."



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يلتقي الغياب بالحضور
- -أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-
- -حين يتلعثم الضوء في فم القصيدة-
- امرأة أضاءت ...فاتهموها بالنار
- -حين تمرّ امرأة في القصيدة… يتغيّر شكل العالم-
- أسطورة “القلعة الأخيرة” في التاريخ السياسي: بين الرمز الخطاب ...
- وشوم الذاكرة وأغاني الجبال: حكايات من أسرار المرأة الأمازيغي ...
- من «أتمتة الروح» إلى «الصناعة 4.0»: تحولات المعنى والإنتاج ف ...
- ثورة المعيار الجديد: إعادة تعريف الجودة في عصر الذكاء الاصطن ...
- بين نهضة الخيال وأتمتة الروح: مقاربة أخلاقية في إبداع الذكاء ...
- الأسرة في عصر الهوية الرقمية: تحولات القيم بين الخصوصية والا ...
- الهوية الرقمية مقابل الهوية الواقعية: صراع الذات في عصر التو ...
- السكري كظاهرة ثقافية: كيف غيّرت العادات الغذائية المعاصرة كي ...
- الماموغرافيا في سويسرا: بين الحقيقة العلمية والتضليل الإعلام ...
- في مديح الجمال حين يصير خُلُقًا
- تنظيم النوم والطاقة في رمضان
- التغذية المثالية للسحور والإفطار
- : الصيام عبر الحضارات والأديان — دراسة مقارنة وخاتمة تحليلية ...
- الصيام من المنظور العلمي والطبي الحديث
- الأبعاد النفسية والاجتماعية والأخلاقية للصيام


المزيد.....




- مصر.. بدرية طلبة تعلن انتهاء أزمتها مع نقابة المهن التمثيلية ...
- كيف رسمت حرب إيران وتهديدات الذكاء الاصطناعي ملامح الليلة ال ...
- فلسطين في قلب -أوسكار 2026-.. حضور لافت لفيلم -صوت هند رجب- ...
- على خشبة مارليبون: صراع الحرية والتقاليد في المسرح اليهودي
- جهاتٌ في خريطة
- -جمهورية الكلب- من السرد العربي إلى القارئ العالمي
- الممثلة أناهيد فياض وزوجها يتبرعان بقرنيتي نجلهما الراحل
- الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
- 26 رمضان.. 3 أحداث حولت الخلافة من مصر لإسطنبول
- مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners- ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - رجّعوني ليك