أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-














المزيد.....

-أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 02:31
المحور: الادب والفن
    


أماه... أماه... ها أنا أعود إليك مُثقلاً بوجع لا يحتمل، عاريًا من كل شيء سوى جروح العمر التي حفرتها الأيام في جسدي وروحي. لا تخجلي مني، لقد سرقوا مني حتى اسمي، أخذوا ثيابي وتركوني أجول في الطرقات، أُخفي عن العالم خوفي، وهزيمتي، وتلك الزفرات التي تعصف بقلبي. لستُ الطفل الذي كان يلهو بين يديك، ضاحكًا بين أخطائه وأنتِ تغمرينه بابتسامتكِ التي تسامح. اليوم أتيتكِ مثقلاً بالخطايا، أسبح في بحرٍ من الذنوب التي لا غفران لها. لم أعد أملك شيئًا لألقيه في يديك، سوى هذا الألم الذي ينهش روحي، هذه الخطايا التي تلاحقني.
لا تخجلي مني، يا أماه، فعريي ليس سوى انعكاس لعريك، جزءٌ من هزيمتنا أمام هذا العالم الذي لا يرحم. لقد سُلبت منا الكرامة، سرقوا منا الفرح، تركونا لنقف في مواجهة هذا الزمن القاسي، نصرخ دون أن يسمعنا أحد. ما أقسى هذا الزمان يا أمي! أثوابنا باتت من وحل وطين، وقلوبنا مثقلة بالوحشة، لا تجد مَن يحتوي ضعفها.
منذ افترقنا يا أمي، والقطار يدور بي في دوامة لا نهاية لها. عامٌ يتلوه عام، وكلما دارت عجلات القطار، تزداد جراحي عمقًا. آه لو تعلمين كم عصفت بي محطات القطار! كم مزقتني الرياح على أرصفةٍ باردة! يا أماه، كم تمنيت أن أعود إليكِ بغير هذه الأشلاء المتناثرة، بغير هذه البقايا التي لا تحمل إلا خيبة العمر. لكنني الآن أتيتك كما أنا، كما صنعني هذا العالم القاسي... عاريًا، ممزقًا، أحمل على كتفي وجع السنوات الضائعة، وأملًا مفقودًا لا أجد له مكانًا في قلبي.
أماه، منذ أن تركتني وأنا أتخبط في ظلام لا ينتهي. الأيام تسرقني، تعصف بي الرياح، وأنا أسير على طريق لا أعرف نهايته. الدوار يا أمي... الدوار يقتلني. تاهت بي الأحلام، وصوت القطار يدوي في أذني كصرخةٍ لا تجد من يسمعها. أين نحن يا أمي؟ أين الأمان الذي وعدونا به؟ ألم يقولوا إن الأرض ملكٌ للجميع؟ ألم يقولوا إن الصبح لا يضيع؟ ولكنني ما زلتُ تائهًا في هذا الظلام، أحمل بقايا نفسي وأبحث عن طريق العودة، دون جدوى.
الآن جئتك، والقطار يلتهم بقايا عمري، ثيابنا سُرقت، وأحلامنا ذُبحت، وعُدنا كما كنا، عرايا في وجه هذا العالم الذي لا يعرف سوى الدمار.
منذ افترقنا، والقطار يدور بي عامًا بعد عام. عشرٌ فَعَشر، ثم عشرٌ ضائعات. ما زلت أذكر تلك اللحظة التي انطلقنا فيها، خلف الأفق، وتردد في آذاننا صدى الوعود الكاذبة. قالوا يومها أن عهد المعجزات قد عاد، وأن النور سيشرق من جديد. لكن، ما أصعب تلك الأكاذيب التي اغتالوا بها أرواحنا! قالوا بأن القهر يُطفئ في النفوس طُهرها، وأن الناس باتوا سجناء لبطونهم. نعم يا أمي، لقد سجدت الجموع بطونهم ورفعوا راياتهم عالية قائلين: "فليحيا الجوع، فليحيا الطغيان!"
آه يا أمي، كم كانت الوعود ثقيلة، وكم خيبت الأيام كل الآمال. لقد ضاعت الحقائق، وباتت القبور ملاذ الأحياء قبل الأموات. لقد كانوا يقولون لنا الكثير، ولم يكن إلا الضياع نصيبنا. أماه، كيف صار الحلم كذبة؟ كيف صارت الأرض خرابًا؟ والشجر، الذي كان يعانق السماء مثل ضحكات الصغار، بات الآن حطامًا بين الأيادي الجشعة.
سألوا عنا يا أمي في القطار... سألوا عن أعمارنا، أخطائنا، صلاتنا وصيامنا. سألوا عن الماء الذي يلامس جلودنا، عن الطين الذي يحتضننا في القبور. فحصوا قلوبنا، وأفكارنا، سألوا كيف نحب، كيف نصرخ، كيف نذرف دموع الألم. لقد استباحوا سرنا، أخذوا منا حتى صمتنا، فلم يبقَ لنا شيء نخبئه في طيات النفوس.
ومضى القطار، عامًا بعد عام، يسحق في مسيره كل ما يعترض طريقه. في كل محطة، تختفي أرواحٌ من حولي، وأسمع صوت القطار يتردد في فضاء الفقد: "من مات... مات... من مات... مات..." ويمضي القطار في مساره اللانهائي، حيث الموت لا يترك لنا خيارًا، والعيش بات موتًا يتكرر كل يوم.
أماه، حملوا البنادق ذات يوم، وحرقوا كل شيء. رأيتهم يسحقون أسراب الحمام، يقطعون الأشجار، يدمرون الزهر والحلم. أينما نظرت، رأيت أشلاء القرية، رأيت أحلام الطفولة تُسحق تحت عجلات الزمان. سألتهم يا أمي، ما ذنب أسراب الحمام؟ ولكنهم أجابوني بالصمت القاتل: "لا تسأل عن قضاء الله!" وفوق وجوه الناس، رأيت الخوف يجمد العيون، والقطار يمضي بلا توقف، وصوته يعلو في الآفاق: "من مات... مات..."
حملوا البنادق خلف الأطفال، وقطعوا أصابعهم، طارت ثيابهم في السماء، وهوت أجسادهم في الوحل مثل الذباب. سألتهم مجددًا، ما ذنب الأطفال؟ فكان الجواب يصرخ في أذني: "هل ينجب الذئب إلا الذئاب؟ لا تتركوا الشجر يكبر، اقطعوه قبل أن يعانق السماء." وهكذا، يا أمي، مضى القطار في طريقه، يحمل الموت في كل محطة، وصوته يملأ الأفق: "من مات... مات..."
لقد دفن العمر بعضه بعضًا، عشر حيارى، ثم عشرٌ للأسى، وها نحن الآن نعيش عشر الأمنيات الضائعة. يا أمي، العمر صار رفاتًا بين أيدينا، ذكرى لأيام مضت دون أن ندرك كيف ضاعت منا. نظرت حولي، لم أجد من يبادلني الكلام، فالناس ماتوا، أو أصيبوا بالجنون. سألت نفسي: أين نحن؟ ومن نكون؟ ومضيت أصرخ في القطار، لكن الجواب كان صدى الفراغ.
الناس حولي يضحكون، لكني رأيت في أعينهم بركانًا يحاصرني، يلتف حولي حتى يغمرني بالدوار. كل شيء اختلط في عيني، الألوان تلاشت، والنمل بدأ يعبث في ثيابي، والدماء تسيل من رأسي، والذباب يحيط بي مثل سربٍ من الأوهام. الناس يضحكون، وأنا أجمع ما تبقى من أشلائي الممزقة، وأقف أمام القطار الذي لا يتوقف عن الدوران.
مضى القطار... ولا يزال يجذبني، وأنا أصرخ كيف ضاع العمر في هذا الدمار. جثث الضحايا والأماني الضائعة ملأت الطرقات، والناس لا زالوا يضحكون، كأنهم فقدوا كل إحساس بالألم. أوقفوني، نزعوا عني ثيابي، أحرقوها، وألقوا بي على الطريق، يضحكون كأنني فقدت عقلي. ومضيت، يا أماه، أجري، ثم أجري، ثم أصرخ في جنون، فلقد نسيت الاسم والعنوان، تراني يا أمي... من أكون؟



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -حين يتلعثم الضوء في فم القصيدة-
- امرأة أضاءت ...فاتهموها بالنار
- -حين تمرّ امرأة في القصيدة… يتغيّر شكل العالم-
- أسطورة “القلعة الأخيرة” في التاريخ السياسي: بين الرمز الخطاب ...
- وشوم الذاكرة وأغاني الجبال: حكايات من أسرار المرأة الأمازيغي ...
- من «أتمتة الروح» إلى «الصناعة 4.0»: تحولات المعنى والإنتاج ف ...
- ثورة المعيار الجديد: إعادة تعريف الجودة في عصر الذكاء الاصطن ...
- بين نهضة الخيال وأتمتة الروح: مقاربة أخلاقية في إبداع الذكاء ...
- الأسرة في عصر الهوية الرقمية: تحولات القيم بين الخصوصية والا ...
- الهوية الرقمية مقابل الهوية الواقعية: صراع الذات في عصر التو ...
- السكري كظاهرة ثقافية: كيف غيّرت العادات الغذائية المعاصرة كي ...
- الماموغرافيا في سويسرا: بين الحقيقة العلمية والتضليل الإعلام ...
- في مديح الجمال حين يصير خُلُقًا
- تنظيم النوم والطاقة في رمضان
- التغذية المثالية للسحور والإفطار
- : الصيام عبر الحضارات والأديان — دراسة مقارنة وخاتمة تحليلية ...
- الصيام من المنظور العلمي والطبي الحديث
- الأبعاد النفسية والاجتماعية والأخلاقية للصيام
- : الصيام في الفلسفات الوضعية والتيارات الفكرية
- : الصيام في الأديان الشرقية


المزيد.....




- مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners- ...
- صناع أفلام إيرانيون يتوجهون إلى حفل الأوسكار بينما تعصف الحر ...
- ???????مرفأ البحرين واحتمالات المضيق
- سطوع سريع وأدب لا يدوم: إشكالية النجومية الوهمية في زمن الكت ...
- حكم بحبس الممثل المصري محمود حجازي بتهمة -الاعتداء على زوجته ...
- الجزائر بين ذاكرة الانفتاح وتحديات الراهن: دعوة لاستعادة دور ...
- مارلين مونرو تعود إلى لندن عبر جناح خاص في معرض الكتاب الدول ...
- رؤية جديدة لبناء الصحفي الاقتصادي في زمن البيانات
- بسبب جنسيته الفلسطينية.. بطل فيلم -صوت هند رجب- يُمنع من حضو ...
- رمضان في سريلانكا.. تقاليد دافئة لأقلية تعيش روح الجماعة


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-