أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - وحدة المصدر وتعدّد الأقنعة














المزيد.....

وحدة المصدر وتعدّد الأقنعة


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 02:52
المحور: قضايا ثقافية
    


قراءة فلسفية في مسرح المصالح البشرية

ليست بعض العبارات مجرد صور بلاغية عابرة، بل مفاتيح لفهم عميق لطبيعة الإنسان والمجتمع. ومن هذا القبيل عبارة: «جميعهم رضعوا من ثدي واحد»؛ فهي استعارة تختزل رؤية نقدية للعالم، حيث تتبدّى وحدة المصدر خلف تعدّد الأدوار، وتتشابه الغايات رغم اختلاف الوجوه.
الاستعارة بوصفها كاشفة للحقيقة
تُحيل هذه العبارة إلى فكرة الأصل المشترك الذي تتغذّى منه العقول والتوجّهات. فـ"الثدي الواحد" ليس مجرد رمز بيولوجي، بل دلالة على منظومة فكرية أو اجتماعية تُنتج الأفراد وتعيد تشكيل وعيهم. وقد أشار ابن خلدون في المقدمة إلى أن الإنسان «ابن بيئته»، وأن أحواله وأخلاقه تتشكل وفق ما يتلقاه من محيطه، وهو ما يعزّز فكرة وحدة المنبع التي تصوغ سلوك الجماعات.
كما يمكن ربط هذه الرؤية بما طرحه كارل ماركس حول تأثير البنية الاقتصادية في تشكيل الوعي، حيث يرى أن الأفكار السائدة ليست إلا انعكاسًا لمصالح القوى المسيطرة، مما يجعل الجميع—بدرجات متفاوتة—نتاجًا لمنظومة واحدة.
الحياة كمسرح: ثبات النص وتبدّل الأدوار
حين تُشبَّه الحياة بالمسرح، فإن ذلك يعيد إلى الأذهان مقولة ويليام شكسبير الشهيرة: «العالم مسرح، والرجال والنساء جميعهم ممثلون». هذه الرؤية تعني أن الأدوار تتغير باستمرار، لكن النص—أي القواعد العامة والغايات الكبرى—يبقى ثابتًا.
في هذا السياق، لا يكون الصراع الظاهر بين الأفراد سوى تمثيل لدينامية أعمق، حيث يتناوب الفاعلون على مواقع القوة والضعف دون أن يخرجوا عن إطار اللعبة. فالهدف—سواء كان سلطة أو نفوذًا أو اعترافًا اجتماعيًا—يبقى واحدًا، وإن تغيّرت وسائل بلوغه.
الصراع كوجه من وجوه التواطؤ
تُوحي العبارة بأن الصراع ليس دائمًا تعارضًا حقيقيًا، بل قد يكون شكلاً من أشكال التوافق الضمني. وهو ما يتقاطع مع تحليلات ميشيل فوكو الذي بيّن أن السلطة لا تُمارس فقط عبر القمع، بل أيضًا عبر شبكات معقّدة من العلاقات التي يشترك فيها الجميع، حتى أولئك الذين يبدون ضحايا لها.
بذلك، يصبح تبادل الأدوار نوعًا من إعادة توزيع المواقع داخل نفس البنية، لا خروجًا عنها. فالكل يظل مرتبطًا بالمصدر ذاته، ويعمل—بوعي أو بغير وعي—على استمراره.
أسئلة الأخلاق والوجود
إذا كانت الغايات متشابهة والمصادر واحدة، فإن ذلك يثير إشكاليات أخلاقية عميقة:
هل يظل الفعل الأخلاقي ممكنًا داخل منظومة تُعيد إنتاج نفسها؟
وهل اختلاف الأدوار يعكس اختلافًا حقيقيًا في القيم، أم مجرد اختلاف في المواقع؟
يرى فريدريك نيتشه أن كثيرًا من القيم ليست إلا «أقنعة» تخفي إرادة القوة، وهو ما ينسجم مع فكرة أن ما يبدو صراعًا أخلاقيًا قد يكون في جوهره تنافسًا على نفس الغاية.
نحو تجاوز "الثدي الواحد"
لا يقف هذا التأمل عند حدود التشخيص، بل يفتح أفقًا للتساؤل: هل يمكن التحرر من هذا المصدر الواحد؟
إن تجاوز هذه الدائرة يقتضي وعيًا نقديًا يعيد النظر في المسلّمات، ويبحث عن بدائل فكرية وأخلاقية مستقلة.
وهنا يمكن استحضار دعوة محمد عابد الجابري إلى نقد البُنى المعرفية السائدة، باعتبار أن التحرر يبدأ من إعادة بناء العقل نفسه، لا مجرد تغيير المواقع داخل نفس النسق.
إن عبارة «جميعهم رضعوا من ثدي واحد» ليست حكمًا نهائيًا بقدر ما هي دعوة للتأمل:
تأمل في وحدة المصير الإنساني، وفي هشاشة الاختلافات الظاهرية، وفي إمكانية كسر هذا التشابه عبر وعي جديد.
وبين مسرح الأدوار وثبات الغايات، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن ممثلون فقط، أم قادرون على إعادة كتابة النص؟



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين ينقسم الوعي على ذاته: من يُنصت لمن في صمتك الداخلي؟
- العقل بين قيود الجهل وآفاق التقدم
- هندسة التعلم التجريبي: كيف يصنع الاستكشاف عقولًا مبدعة لدى ا ...
- موعدٌ يرتجف
- متلازمة داون بين التحديات والإمكانات: نحو وعي إنساني قائم عل ...
- حين يشيخُ الضوء… تبقى الأمُّ قمراً لا يأفل
- قصيدة -البردة- للبوصيري: مدح النبي وتجاوزات عقائدية
- الجمال بوصفه انحيازًا خفيًا: كيف يُشكّل إدراكنا الأخلاقي؟
- ابتسامةٌ تُشبه الخلود
- حين خانني ظني الجميل-
- -مقامة الفراشة التي صارت غيمة-
- رجّعوني ليك
- حين يلتقي الغياب بالحضور
- -أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-
- -حين يتلعثم الضوء في فم القصيدة-
- امرأة أضاءت ...فاتهموها بالنار
- -حين تمرّ امرأة في القصيدة… يتغيّر شكل العالم-
- أسطورة “القلعة الأخيرة” في التاريخ السياسي: بين الرمز الخطاب ...
- وشوم الذاكرة وأغاني الجبال: حكايات من أسرار المرأة الأمازيغي ...
- من «أتمتة الروح» إلى «الصناعة 4.0»: تحولات المعنى والإنتاج ف ...


المزيد.....




- الحرب في الشرق الأوسط: تجدد القصف في إيران وطهران تهدد بضرب ...
- لماذا يرغب بعض الديمقراطيين في إسكات المؤثر حسن بايكر؟
- كيم جونغ أون يختبر أسلحة متطورة ويتمسك بالبرنامج النووي
- إسرائيل بعد شهر من الحرب.. بين فشل الأهداف وكلفة الاستمرار
- 6 شهداء في قصف إسرائيلي على قطاع غزة
- الحوثيون ينضمون للحرب ووصول مشاة بحرية أميركية إلى المنطقة
- الحرس الثوري الإيراني يهدد باستهداف جامعات أمريكية وإسرائيلي ...
- هجمات إيرانية تستهدف منشآت صناعية في الخليج
- قطر ومصر تدعوان لاحتواء التصعيد الإقليمي لضمان أمن الطاقة
- مسؤولة أمريكية سابقة: هذا ما يعنيه تدخل ترمب برّا في إيران


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - وحدة المصدر وتعدّد الأقنعة