محمد بسام العمري
الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 02:47
المحور:
الادب والفن
في زوايا المحطة القديمة، كان يقف كل مساء، معطفه الرمادي يذوب في الضباب، وساعته تتوقف دائمًا عند الدقيقة التي لم تأتِ فيها. لم يكن ينتظر القطار، بل كان ينتظر وجهًا يشبه المطر، ووعدًا قيل ذات شتاء بصوتٍ خائف: "غدًا ألقاك".
ومنذ ذلك الحين، صار الغد مرادفًا للارتعاش، وصار اللقاء شبحًا يمرُّ بين المسافرين.
الناس تمضي، والقطارات تصل وتغادر، أما هو... فقد بقي هناك، في الغد الذي لا يجيء.
يا سائرًا في الزمن، أما علمت أن الغد لا يُدرك؟
هو وعدُ محبٍّ خاف من نور اللقاء، فخبّأه في كفِّ الوقت وسار.
كان يرتشف الانتظار كما يرتشف العاشق خمرة الرجاء، ويخشى أن يسكر حين يأتيها.
الغد مرآة، من نظر فيها بعين الهوى احترق.
وهو، كلما اقترب الموعد، تراجع قلبه إلى الحجاب، كأنّ العشق امتحان، وكأن اللقاء مقامٌ لا يُطال إلا بفناء.
أغداً ألقاك... أم يضيع العمر في سُهادِ؟
كلما ناديْتُ، ردّتني ظنونُ البُعد والبعادِ
موعدٌ كالضوء يرتجفُ، لا ظلّ لي فيه ولا امتدادِ
أنتِ غيمٌ في سمائي، والرجاءُ مآذنٌ في الوِدادِ
آهِ يا حلماً يشدُّ القلبَ، ثم يتركه في الرمادِ...
في المحطةِ...
رجلٌ لا يحفظُ التواريخ
ينامُ على الأرصفةِ،
ويستيقظُ كلَّ غروبٍ
على صوتِ غدٍ لا يجيء.
"أغداً ألقاك؟"
سؤالٌ يكتبهُ على الجدرانِ
ويُعلّقهُ في الهواءِ
كما تُعلّقُ الأمنياتُ في صدورِ الأنبياءِ.
عيناهُ تقرآنِ الزمنَ
شفتيه تتهجّيانِ الغياب
وقلبهُ...
يرتجفُ كلما قالوا:
القطارُ وصل.
#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟