أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - ابتسامةٌ تُشبه الخلود














المزيد.....

ابتسامةٌ تُشبه الخلود


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


في هذه الحياة المزدحمة بالوجوه العابرة واللحظات السريعة، يبقى هناك نورٌ خاص لا يُشبه سواه، نورٌ يسكن القلب قبل العين، ويُضيء الروح قبل الطريق. هو ذلك الأثر الذي تتركه الأرواح النقيّة فينا، فلا يغيب مهما تعاقبت الأيام. ومن بين كلّ الأنوار، تبقى ابتسامة الأم أعذبها وأصدقها، كأنها رسالة خفيّة من السماء تُخبرنا أن الخير لا يفنى، وأن الحب الحقيقي لا يعرف الانطفاء.

في زحمة الأيام حين تختلط خطوات الناس على أرصفة الحياة، كان هناك وجه يشبه الفجر، ملامحه تشرقُ رغم تعب السنوات، وابتسامته تُنير كل ما حولها كما يُنير القمر عتمة السماء. كانت أمي، حاضرة دائمًا مثل صلاة لا تنقطع، مثل حلمٍ لا يفنى، كأن الله أراد لها أن تكون نبعًا من نور وطمأنينة لقلبي التائه. كنت أراها كل صباح، وهي تُعدّ لي ما يلزمني من زاد، لكنّ أكثر ما كان يشبعني كان ضحكتها التي ترسمها بلا مناسبة. لم أفهم يومها أنّ هذه الابتسامة كانت منحةً من السماء، ظللتُ أراها مجرّد تعبير عابر حتى اختبرتُ في حياتي كيف يُفنى الضوء حولي ويبقى طيفها وحده، يُنير الظلام.
حين كنت طفلًا، كنت أركضُ خلفها في أرجاء البيت وهي تُنادي باسمي، كنت أظنّ الدنيا بأكملها لا تتسع إلا لها ولعينيّ التي كانت تلاحقها. كانت أمي تقول لي دائمًا: "لا تخف يا بني، حتى في الظلام، يوجد نور، ابحث عنه". لم أكن أدرك ما تقصده، لكنني كنت أُومئ برأسي وأضحك، ربما لأنني كنت أعلم أنها دائمًا على حق، وأن صوتها وحده يكفي ليُهدئني.
مرت الأيام، وكبرتُ كما يكبرُ كل شيء في هذه الحياة، لكن شيئًا واحدًا ظلّ ثابتًا لا يتغير: ابتسامتها. كانت مثل زهرة لا تذبل، كأنّها انتزعت سرّ الخلود من يد الزمان. كلّما كنتُ أعود مُثقلًا من دروب الحياة ومُتعَبًا من فوضى العالم، كانت هي أول من ينتظرني. أجدها في أبهى صورها، بوجهها الذي يختزل العالم في سلام، وابتسامتها تلك التي تمحو كلّ تعب في ثانية واحدة. في عينيها، كان يتجلّى الصبر، وفي ضحكتها كانت تظهر أسرار الراحة التي لا أعرف كيف يمكنُ لمجرد ابتسامة أن تمنحها.
رحلت أمي في يومٍ لم أستعدّ له أبدًا. توقّفت الحياة فجأة، وأُطفئت الأنوار من حولي. شعرتُ كأنني وحيد وسط عاصفة هوجاء، تبحث عن مأوى ولا تجد سوى فراغ يبتلعك. في الليلة التي غابت فيها، جلستُ في غرفتي المظلمة، أبكي كطفلٍ عاد من لعبته المفضلة ليكتشف أن بيته لم يعد موجودًا. لكن في ذلك السكون، في تلك اللحظة التي بدت لي خالية من أي أمل، تذكرت كلماتها: "ابحث عن النور، حتى في الظلام".
في الليالي التي تلت رحيلها، أصبحت أرى ابتسامتها في كل مكان. كانت تظهر لي في أبسط الأشياء: في ضوء الصباح الذي ينساب عبر النافذة، في أوراق الشجر وهي تُصافح الريح برفق، وحتى في خيال يمرّ سريعًا وسط الطرقات. كأنّها لم ترحل أبدًا، بل قررت أن تتحوّل إلى نورٍ يُرافقني أينما ذهبت. كنت أشعر أنها تُحادثني بصمت، تذكّرني بألا أستسلم، وألا أنسى كم كانت الحياة جميلة حين كانت تبتسم.
في أحد الأيام، بينما كنتُ أمشي في شارع طويل تُظلله الأشجار، شعرتُ بنسمة باردة تمرّ عبر وجهي، وتذكرتُ كيف كانت تُمسد شعري بلطف لتُخفف من حزني. يومها، أدركتُ أنّ أمي لم تكن مجرد امرأة، لم تكن مجرد أمّ كغيرها من الأمهات، بل كانت نورًا زرعه الله في حياتي ليعلّمني أن الضوء لا يُشترى ولا يُباع، بل يُهدى، وأنّ الأرواح النقيّة لا تموت؛ بل تعيشُ فينا بأشكال مختلفة.
أصبحتُ اليوم رجلًا أكثر حكمة، أكثر صبرًا، لكنني حين أنظرُ إلى المرآة وأبتسم، أجدها أمامي. أبتسم كما كانت تبتسم، كأنّما أُعيد رسم صورتها على وجهي، وكأنني أقول للعالم: لم أعد وحدي، فأمي تعيشُ في ابتسامتي. في كل نجاح أُحققه، في كل ضيق أتجاوزه، أعلم أنها هناك، تُراقبني، وتبتسم لي. لم أفقدها أبدًا، بل أصبحتُ امتدادًا لوجودها.
أمي كانت ولا تزال ضوءًا لا ينطفئ، شُعلة أبدية تنير لي الطريق حين يُظلم من حولي. أراها في قلبي كل يوم، وأسمع صوتها كلّما ناديتُ اسمي بصوتها في ذاكرتي. الحياة تمضي، والذكريات تنطوي، لكن ابتسامتها ستبقى، كما يبقى النور بعد أن يختفي القمر. هي ليست مجرد ذكرى؛ بل نورٌ خالد لا يخبو.

وهكذا، لا ترحل الأمهات حقًا، بل يُبدّلن حضورهنّ من جسدٍ يُرى إلى نورٍ يُحسّ. تبقى ابتسامتهنّ مرآةً لأيامنا، وملاذًا نلوذ به كلما أثقلتنا الحياة. قد يغيب الصوت وتختفي الملامح، لكن الأثر يظلّ خالدًا في تفاصيلنا الصغيرة، في طريقة حبّنا، في صبرنا، وفي ابتساماتنا التي نحملها عنهنّ دون أن نشعر. فالأم ليست ذكرى تُروى، بل حياةٌ تُعاش فينا، ونورٌ لا ينطفئ أبدًا.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين خانني ظني الجميل-
- -مقامة الفراشة التي صارت غيمة-
- رجّعوني ليك
- حين يلتقي الغياب بالحضور
- -أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-
- -حين يتلعثم الضوء في فم القصيدة-
- امرأة أضاءت ...فاتهموها بالنار
- -حين تمرّ امرأة في القصيدة… يتغيّر شكل العالم-
- أسطورة “القلعة الأخيرة” في التاريخ السياسي: بين الرمز الخطاب ...
- وشوم الذاكرة وأغاني الجبال: حكايات من أسرار المرأة الأمازيغي ...
- من «أتمتة الروح» إلى «الصناعة 4.0»: تحولات المعنى والإنتاج ف ...
- ثورة المعيار الجديد: إعادة تعريف الجودة في عصر الذكاء الاصطن ...
- بين نهضة الخيال وأتمتة الروح: مقاربة أخلاقية في إبداع الذكاء ...
- الأسرة في عصر الهوية الرقمية: تحولات القيم بين الخصوصية والا ...
- الهوية الرقمية مقابل الهوية الواقعية: صراع الذات في عصر التو ...
- السكري كظاهرة ثقافية: كيف غيّرت العادات الغذائية المعاصرة كي ...
- الماموغرافيا في سويسرا: بين الحقيقة العلمية والتضليل الإعلام ...
- في مديح الجمال حين يصير خُلُقًا
- تنظيم النوم والطاقة في رمضان
- التغذية المثالية للسحور والإفطار


المزيد.....




- فنلندا أكثر دول العالم سعادة للعام التاسع.. وإسرائيل والإمار ...
- قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد ...
- فيلم لـ-لابوبو- قريبا.. يجمع بين التمثيل الحي والرسوم المتحر ...
- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
- اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل ...
- من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك ...
- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
- مدن الأشجار المكتظة


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - ابتسامةٌ تُشبه الخلود