أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - العقل بين قيود الجهل وآفاق التقدم














المزيد.....

العقل بين قيود الجهل وآفاق التقدم


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 01:26
المحور: قضايا ثقافية
    


في عالم يتسارع فيه التغيير وتتوالى فيه الاكتشافات، يجد العقل نفسه في صراع دائم بين قيود الجهل التي تحاول كبح جماحه، وآفاق التقدم التي تعد بمستقبل مشرق. إن هذا الصراع ليس جديدًا، بل هو جزء من التجربة الإنسانية منذ فجر التاريخ. ولكن في مجتمعاتنا اليوم، يبدو أن العقل قد وجد نفسه مكبلاً بخرافات الماضي، وعادات لم تعد تخدمه في عصر يتطلب التفكير الحر والابتكار. في هذا المقال، سنستعرض كيف يمكن للعقل أن يتحرر من هذه القيود ليلتحق بركب التقدم، وكيف يؤثر الجهل على مسيرة الأمم ويبعدها عن طريق الازدهار.
في مجتمعاتنا المعاصرة، يعيش العقل في غربة مريرة، وكأنه قد حُكم عليه بالابتعاد عن وطنه الأصلي؛ وطن الحقيقة والعلم. لقد صرنا نحن، في زمن اعتقدنا أنه متقدم، ضحية للغربة الفكرية. أصبحنا نتمسك بالخرافة ونرفض الحقيقة، نعتمد على الجهل ونتجاهل العلم، ونترك التطور للآخرين بينما نغرق في مستنقع التخلف.
من هنا، يبدأ التأمل في حال الأمة والعقل. كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ وكيف أصبح العقل غريبًا في وطنه؟ يتجلى هذا التساؤل بوضوح في قوله تعالى: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ" (البقرة: 170). يتبين هنا أن التمسك بالخرافة هو نوع من التمسك بالتراث غير الممتحن، وهو ما يؤدي إلى غربة العقل.
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، في دعوته لاستخدام العقل بعيدًا عن التأثيرات الخارجية، يقول: "تجرأ أن تعرف"، وهو ما يمكن أن نعتبره دعوة للعودة إلى استخدام العقل، وإبعاده عن قيود الخرافة التي تعيق تقدمه. فالفكر الفلسفي، كما يراه كانط، يجب أن يكون مستقلاً وحراً، غير مرتبط بتقاليد الماضي العمياء.
وفي هذا السياق، يتردد في ذهني قول الشاعر المصري أحمد شوقي:
"ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له
إياك إياك أن تبتل بالماء!"
تظهر هنا معاناة العقل في مجتمعاتنا، حيث يُطلب منه السباحة في محيط الجهل، بينما تُمنع عنه أدوات النجاة، وهي العلم والحقيقة. وكأننا نُحمّله مسؤولية التقدم والتطور، بينما نغلق أمامه الأبواب ونتركه يتخبط في دوامة التخلف.
عندما نتأمل واقعنا المعاصر، نجد أن الحقيقة أصبحت مفهوماً نسبياً، في حين أن الخرافة أصبحت معياراً يُحتذى به. لقد انسحب العقل إلى زاوية مظلمة، خوفاً من المواجهة مع تيار الجهل السائد. وهو ما يعبر عنه جبران خليل جبران بقوله: "العقل زينة الإنسان، ولكن القلب هو الذي يقوده". في هذه العبارة يظهر التناقض بين ما يجب أن يكون وبين ما هو موجود بالفعل؛ إذ كيف يمكن للعقل أن يعيش في غربة بينما يُفترض به أن يكون القائد والمرشد؟
إذن، كيف السبيل للخروج من هذه الغربة؟ ربما يكون الحل في العودة إلى الجذور، إلى العقل ذاته، وإلى ما يدعونا إليه من تحرر من قيود الجهل والخرافة. إن الإسلام، في دعوته للتفكر والتعقل، يقدم لنا نموذجاً واضحاً لذلك. يقول الله تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ" (آل عمران: 190). هذه الآيات تشير إلى أن استخدام العقل والتفكر هو جزء أساسي من وجود الإنسان، ومن طريقه نحو الحقيقة.
في النهاية، يمكن القول إن العقل في مجتمعاتنا يعيش في غربة مؤلمة، ولكن هذه الغربة ليست قدراً محتوماً. بل هي نتيجة لاختيارنا بين الحقيقة والخرافة، بين العلم والجهل. إن الطريق نحو التقدم يبدأ بتحرير العقل من قيود الخرافة، والعودة إلى منابع الحقيقة والعلم، حتى يعود العقل إلى وطنه، وينير دربنا نحو المستقبل.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة التعلم التجريبي: كيف يصنع الاستكشاف عقولًا مبدعة لدى ا ...
- موعدٌ يرتجف
- متلازمة داون بين التحديات والإمكانات: نحو وعي إنساني قائم عل ...
- حين يشيخُ الضوء… تبقى الأمُّ قمراً لا يأفل
- قصيدة -البردة- للبوصيري: مدح النبي وتجاوزات عقائدية
- الجمال بوصفه انحيازًا خفيًا: كيف يُشكّل إدراكنا الأخلاقي؟
- ابتسامةٌ تُشبه الخلود
- حين خانني ظني الجميل-
- -مقامة الفراشة التي صارت غيمة-
- رجّعوني ليك
- حين يلتقي الغياب بالحضور
- -أين أنا؟ رحلة البحث عن الذات بين أنين الروح ودمار الطريق-
- -حين يتلعثم الضوء في فم القصيدة-
- امرأة أضاءت ...فاتهموها بالنار
- -حين تمرّ امرأة في القصيدة… يتغيّر شكل العالم-
- أسطورة “القلعة الأخيرة” في التاريخ السياسي: بين الرمز الخطاب ...
- وشوم الذاكرة وأغاني الجبال: حكايات من أسرار المرأة الأمازيغي ...
- من «أتمتة الروح» إلى «الصناعة 4.0»: تحولات المعنى والإنتاج ف ...
- ثورة المعيار الجديد: إعادة تعريف الجودة في عصر الذكاء الاصطن ...
- بين نهضة الخيال وأتمتة الروح: مقاربة أخلاقية في إبداع الذكاء ...


المزيد.....




- -الدولار سيحمل توقيع ترامب- لأول مرة في تاريخ أمريكا.. ما ال ...
- مصر تكثف التنقيب عن الغاز مع استمرار الحاجة للاستيراد.. ما ت ...
- قادة جيوش 35 دولة يجتمعون لبحث سبل استئناف الملاحة في مضيق ه ...
- خطة إسرائيل -لمنطقة عازلة- في لبنان.. هل تنجح؟
- استهداف مقاتلة أمريكية من طراز إف-18 بصاروخ إيراني.. هل حدث؟ ...
- تحذيران من لبيد وزامير.. كارثة أمنية تقترب والجيش الإسرائيلي ...
- أرقام جديدة.. أسراب الناقلات تتكدس في انتظار قسري على أبواب ...
- سلطان الجابر يهدي جائزة -القيادة المتميزة- إلى رئيس الإمارات ...
- أكسيوس: ضغوط لعقد اجتماع قريب بين واشنطن وطهران
- ويتكوف: مؤشرات على إمكانية إقناع إيران بالتوصل إلى صفقة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - العقل بين قيود الجهل وآفاق التقدم