أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبهان خريشه - الحرب على إيران وصراع الطاقة العالمي















المزيد.....

الحرب على إيران وصراع الطاقة العالمي


نبهان خريشه

الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 17:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عند قراءة نمط أفعال الإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، ودراسة تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، يتضح أن السياسة الخارجية الأمريكية ليست سلسلة قرارات متفرقة كما قد تبدو في الأخبار اليومية، بل جزء من تصور استراتيجي أوسع يتمحور حول سؤال واحد: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ على قيادتها للنظام الدولي خلال القرن القادم؟ وفي قلب هذا السؤال تقف قوة واحدة فقط يُنظر إليها في واشنطن باعتبارها المنافس الحقيقي القادر على تحدي هذه الهيمنة، وهي الصين.

خلال العقود الثلاثة الماضية، صعدت الصين اقتصاديا وصناعيا بشكل مذهل، حتى أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومركزا أساسيا للصناعة العالمية وسلاسل التوريد. غير أن القوة الصناعية الضخمة لأي دولة تحمل في داخلها نقطة ضعف أساسية لا يمكن تجاوزها بسهولة: الطاقة. فالمصانع، وشبكات النقل، والصناعات الثقيلة، ومراكز البيانات، وحتى البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كلها تعتمد على تدفق مستمر ومستقر من الطاقة. ولهذا السبب، يبدو أن إدارة ترامب تنظر إلى الطاقة باعتبارها الحلقة الأضعف في القوة الصينية، والنقطة التي يمكن من خلالها ممارسة الضغط الاستراتيجي الأكبر دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

إذا نظرنا إلى خريطة التحركات الأمريكية في المرحلة الحالية، وفي ظل الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، سنجد أن جزءا كبيرا منها يتمحور حول الدول والمناطق التي تشكل مصادر رئيسية لإمدادات الطاقة العالمية، أو عقدا حيوية في طرق نقل النفط والغاز. وهذا ليس صدفة. فالسياسة الكبرى في العلاقات الدولية غالبا ما تتحرك وفق منطق الجغرافيا والموارد، وليس وفق الشعارات السياسية المعلنة. ومن هنا يمكن فهم العديد من الخطوات الأمريكية التي تبدو متفرقة ظاهريا لكنها تشكل في الواقع أجزاء من لوحة استراتيجية واحدة.

لنبدأ بفنزويلا. هذه الدولة التي تقع في أمريكا الجنوبية تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، وقد قضت الصين سنوات طويلة في بناء علاقات اقتصادية واستثمارية معها، بهدف تأمين مصدر طاقة خارجي مستقر يدعم نموها الصناعي المتسارع. غير أن واشنطن، من خلال العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، تمكنت إلى حد كبير من عزل قطاع النفط الفنزويلي وإخضاع تدفقاته لرقابة وضغط شديدين. وبهذا المعنى، لم يكن الصراع حول فنزويلا مجرد خلاف أيديولوجي حول طبيعة النظام السياسي هناك، بل كان أيضا جزءا من صراع أكبر على التحكم في مصادر الطاقة العالمية.

فعندما تُقيَّد قدرة فنزويلا على تصدير نفطها بحرية، أو عندما تصبح صادراتها خاضعة لرقابة وضغط من واشنطن، فإن ذلك يعني عمليا أن أحد المسارات التي سعت الصين لتطويرها من أجل تنويع مصادر طاقتها أصبح أقل موثوقية. وهكذا تتحول فنزويلا من مجرد دولة منتجة للنفط إلى قطعة في رقعة الشطرنج الجيوسياسية بين واشنطن وبكين.

ثم تأتي إيران، وهي حالة أكثر تعقيدا بكثير، فالحرب الأمريكية - الإسرائيلية عليها يتم عرضها في الإعلام العالمي على أنها مرتبطة بالملف النووي أو بالصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، غير أن قراءة أعمق للمعادلة الاستراتيجية تكشف بعدا آخر يتعلق بالطاقة. فالصين اليوم تستورد أكثر من عشرة ملايين برميل من النفط يوميا، وتشكل الواردات النفطية جزءا حيويا من استمرار نموها الاقتصادي. وفي هذا السياق، تعد إيران أحد الموردين المهمين للنفط إلى الصين، خصوصا في ظل العقوبات الغربية التي تدفع طهران إلى بيع نفطها بأسعار مخفضة نسبيا.

لكن المشكلة بالنسبة للصين ليست فقط في مصدر النفط، بل أيضا في طرق نقله. فجزء كبير من النفط القادم من الخليج يمر عبر نقطة جغرافية شديدة الحساسية: مضيق هرمز. هذا المضيق الضيق، الواقع بين إيران وسلطنة عمان، تمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من خمس إمدادات النفط في العالم يعبر هذه النقطة الحيوية يوميا.

في الجيوسياسة هناك مقولة شهيرة تقول إن "الجغرافيا هي القدر". وهذه العبارة تنطبق تماما على مضيق هرمز. فالدولة أو القوة التي تستطيع التأثير في أمن هذا المضيق، أو التحكم في تدفق النفط عبره، تمتلك في يدها ورقة ضغط استراتيجية هائلة على الاقتصاد العالمي بأسره. ومن هنا يمكن فهم لماذا يشكل النفوذ على إيران، أو على البيئة الأمنية المحيطة بها، جزءا بالغ الأهمية من الحسابات الأمريكية، خصوصا في ظل العمليات العسكرية الجارية وما يرافقها من توتر في الممرات البحرية في الخليج ولا سيما عبر مضيق هرمز الذي اغلقته ايران.

فإذا كانت واشنطن قادرة على إبقاء إيران تحت ضغط عسكري وسياسي مستمر، فإن ذلك يعني عمليا أن أحد أهم مسارات الطاقة في العالم سيبقى تحت مراقبة وتأثير غير مباشر من القوة العسكرية الأمريكية. وفي هذه الحالة، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى مواجهة الصين عسكريا حتى تمارس عليها ضغطا استراتيجيا مؤثرا؛ يكفي أن تمتلك القدرة على التأثير في تدفق الطاقة التي تعتمد عليها الصناعات الصينية.

الآن تخيلوا المشهد من زاوية بكين. الصين تمتلك مصانع هائلة، ومدنا صناعية عملاقة، ومشاريع بنية تحتية ضخمة، فضلا عن استثمارات هائلة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. لكن كل هذه القوة الصناعية تعتمد على تدفق مستمر للطاقة. فإذا أصبحت مصادر الطاقة الخارجية الرئيسية عرضة للتأثير أو الضغط من قبل قوة منافسة، فإن ذلك يخلق شعورا دائما بعدم اليقين الاستراتيجي.

في هذه الحالة، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى فرض حصار مباشر أو خوض حرب بحرية ضد الصين. يكفي أن تبقى في موقع يسمح لها بالتأثير في مصادر الطاقة ومساراتها. هذا النوع من الضغط هو ما يمكن تسميته "الضغط دون حرب". إنه شكل من أشكال المنافسة الاستراتيجية التي تستخدم الاقتصاد والجغرافيا والموارد بدلا من الدبابات والصواريخ.

التاريخ يقدم أمثلة عديدة على هذه القاعدة. فالقوى العظمى غالبا ما تسعى إلى التحكم في خطوط الإمداد الحيوية لمنافسيها. خلال الحروب العالمية، لعبت السيطرة على طرق التجارة البحرية دورا حاسما في إضعاف الخصوم. وحتى في فترات السلم، كانت السيطرة على الموارد الحيوية مثل النفط أو المعادن أو الغذاء وسيلة فعالة لتعزيز النفوذ الاستراتيجي.

من هذا المنظور، تبدو سياسة إدارة ترامب أقل عشوائية مما قد تبدو عليه في ظاهرها. فهي، وفق هذا التحليل، تسعى إلى بناء نظام ضغط طويل الأمد يحد من قدرة الصين على تحدي الهيمنة الأمريكية. ليس عبر مواجهة مباشرة، بل عبر إحاطة صعودها الصناعي بشبكة من القيود الجيوسياسية المتعلقة بالطاقة.

والهدف النهائي من هذا النهج ليس مجرد كسب جولة في صراع النفوذ الحالي، بل إطالة عمر الهيمنة الأمريكية لعقود وربما لأجيال قادمة. فالقوى العظمى تدرك أن الصراع الحقيقي لا يُحسم في معركة واحدة، بل في القدرة على إدارة التوازنات العالمية على مدى طويل. وإذا استطاعت واشنطن أن تبقي منافسيها الاستراتيجيين في حالة اعتماد دائم على منظومة طاقة يمكن التأثير فيها، فإن قدرتهم على تحدي النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ستبقى محدودة.

وهكذا، بينما تبدو الأخبار اليومية مليئة بالتوترات المتفرقة، حرب هنا، عقوبات هناك، تحركات بحرية وتصعيد عسكري في الخليج في ظل المواجهة الجارية مع إيران، فإن الصورة الكبرى قد تكون أكثر وضوحا: صراع هادئ لكنه عميق على شرايين الطاقة التي تغذي الاقتصاد العالمي. وفي هذا الصراع، لا تُقاس القوة فقط بعدد الجيوش أو حجم الاقتصاد، بل أيضا بالقدرة على التحكم في الطرق التي يتدفق عبرها النفط والغاز إلى المصانع التي تدير العالم.



#نبهان_خريشه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام في عصر المنصات الشخصية
- عندما نصبح نحن الأسطورة
- القصص الرافدية في سفر التكوين
- إشكالية الدولة الدينية في عالم متحوّل
- تفكيك السرد التوراتي في ضوء الميثولوجيا السومرية
- من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
- هل أحيقار الآشوري هو لقمان القرآني؟
- قراءة في إشكاليات الفكر العربي
- بين الدين والأنثروبولوجيا: هل كان آدم أول البشر أم أول بشر ع ...
- في اللسان العربي المبين واللغه العربية المعاصرة
- اليهودية نشأت في اليمن: قراءة في أطروحات الباحثين العرب الجد ...
- اللغة العبرية: من لغة ميتة إلى محكية
- الطوفان: من جلجامش إلى سفر التكوين الى حضارات امريكا الجنوبي ...
- ظاهرة الترامبية بمواجهة الليبرالية
- حضارات العصر الجليدي المندثره أسطورة أم حقيقة ؟
- هل ساهم -الأنوناكي- في بناء الحضارات القديمة ؟؟
- -فليكوفسكي- ومحاولة تحويل أساطيرالتوراة لوقائع تاريخية
- التغيرات المناخية والهجرات من شبه الجزيرة العربية
- حصاد إسرائيل لحربها على غزة
- تصدع جدران الصهيونية


المزيد.....




- ترامب يعلن عن توقعاته لمدّة حرب إيران: -رغبة قادة طهران في إ ...
- باعة الطيور في مكسيكو سيتي يتمسكون بتقليد أحد السعف المتلاشي ...
- غارات إسرائيلية تستهدف قرية جنوب لبنان وتلحق أضرارا بمبان وم ...
- قوالب أغاتون.. السر الخفي وراء صناعة الشوكولاتة
- مباشر: ترامب يعلن مغادرة وشيكة لإيران خلال أسبوعين أو ثلاثة ...
- اختبار الجبهات المتعددة.. هل يهدد انغماس واشنطن بحرب إيران ا ...
- ترمب: الحرب على إيران تقترب من نهايتها
- -أوضح تصريح- من ترامب عن موعد انتهاء حرب إيران
- رئيس إيران يضع -شرطاً- لوقف القتال: -لم نسعَ قط إلى الحرب-
- سيدات سلوفينيا يحافظن على فن بيض الفصح -درسانكه- العريق


المزيد.....

- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نبهان خريشه - الحرب على إيران وصراع الطاقة العالمي