أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نبهان خريشه - من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها















المزيد.....

من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها


نبهان خريشه

الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 21:25
المحور: قضايا ثقافية
    


تعيش الأمة العربية والإسلامية في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع تحولات عالمية متسارعة، بينما يبقى السؤال الأعمق: لماذا تفشل محاولات النهضة المتكررة؟ ولماذا ظل التقدم هشًا وموسميًا، لا يتحول إلى مسار تاريخي راسخ؟ إن الإجابة، بعيدًا عن الخطابات الانفعالية أو تبريرات المؤامرة، تكمن في أزمة بنيوية تتعلق بمكانة المعرفة ودور العقل في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة القرار. فالمشكلة الحقيقية ليست في شح الموارد ولا في غياب الطاقات البشرية، بل في العجز المزمن عن إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قوة اجتماعية وسياسية واقتصادية، وفي الاكتفاء بدور المستهلك لما ينتجه الآخرون، فكريًا وعلميًا وتقنيًا.

ويُعدّ تغليب النقل على العقل واحدًا من أعمق أسباب التعثر الحضاري الذي تعانيه الأمة العربية والإسلامية، لأنه يعطّل آلية الفهم ويحوّل الدين والتراث من مجالٍ للتفاعل والاجتهاد إلى منظومة مغلقة تُستدعى للتبريرلا للفهم. فحين يُقدَّم المنقول بوصفه حقيقة نهائية خارج الزمان والمكان، ويُنزَع عنه سياقه التاريخي والإنساني، يُصاب العقل بالشلل، ويغدو دوره مقتصرًا على الحفظ والترديد لا على التحليل والتأويل. وهكذا، لا يعود السؤال مدخلًا للمعرفة، بل يتحول إلى تهديد يجب قمعه، ولا يصبح الاختلاف ظاهرة صحية، بل انحرافًا يستوجب الإدانة.

لقد شهد التاريخ الإسلامي مراحل ازدهار كبرى حين كان العقل فاعلًا ومشاركًا في إنتاج الفهم، وحين لم يكن النقل سلطة قاهرة بل مادةً للاجتهاد والتأويل. غير أن الانزلاق نحو تقديس المنقول بمعزل عن المقاصد والسياقات التاريخية أدى إلى إغلاق باب الاجتهاد عمليًا، ورسّخ ثقافة الاتباع بدل التفكير، والتقليد بدل الإبداع. ومع مرور الزمن، لم يعد النقل وسيلة لحفظ القيم، بل أصبح أداة لإعادة إنتاج الجمود، تُستعمل أحيانًا لتكريس الاستبداد، وأحيانًا لتبرير العجز عن مواجهة الواقع المتغير.

إن المجتمعات التي تُقصي العقل لا يمكنها أن تنتج معرفة، لأن المعرفة فعل نقدي بالأساس، يقوم على المراجعة والشك المنهجي واختبار المسلّمات. وعندما يُطلب من العقل أن يخضع بدل أن يفهم، وأن يطيع بدل أن يُحلّل، تتعطل قدرته على الابتكار، ويصبح عاجزًا عن التفاعل مع تحديات العصر. وهنا يكمن جوهر التخلف، لا في التمسك بالتراث ذاته، بل في تحويله إلى سلطة تُغلق الحاضر وتخنق المستقبل، بدل أن يكون جسرًا لفهمهما. إن إعادة التوازن بين العقل والنقل، لا بإلغاء أحدهما بل بإعادة العقل إلى موقعه الطبيعي كأداة فهم وتأويل، هي شرط أساسي لأي مشروع نهضوي حقيقي، وبدونها سيظل التخلف يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة، مهما تغيّرت الشعارات.

لقد عرفت الأمة، في مراحل ازدهارها الحضاري، كيف تجعل من المعرفة محور قوتها الصلبة والناعمة في آن واحد. لم يكن التقدم آنذاك نتاج وفرة مادية بقدر ما كان ثمرة عقل منفتح، يرى في السؤال أداة للفهم، وفي الاختلاف وسيلة للإثراء، وفي الاجتهاد ضرورة لمواكبة الواقع. كان العقل شريكًا للنص، لا تابعًا له، وكان التراث فضاءً للحوار والتطوير، لا سلطة مغلقة تُفرض على الحاضر. غير أن هذا التوازن اختلّ مع الزمن، حين تحوّل الماضي من مصدر إلهام إلى قيد ثقيل، وأصبح استدعاء التراث وسيلة لإغلاق باب النقاش بدل فتحه، ومعيارًا للولاء لا للفهم. هكذا تراجع الاجتهاد، وتقدّمت ثقافة النقل والتقليد، وأُصيب العقل بحالة من الشلل التدريجي، لم تظهر آثارها فورًا، لكنها راكمت التخلف على مدى قرون.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن السياق السياسي الذي تشكّلت فيه الدولة الحديثة في منطقتنا، حيث سادت أنماط حكم رأت في التفكير الحر خطرًا، وفي النقد تهديدًا، وفي النقاش العام مصدر اضطراب. في مثل هذه البيئات، لم تُعتبر المعرفة قيمة بذاتها، بل أداة تُوظف لخدمة خطاب السلطة أو تُحاصر إن تجاوزت الخطوط المرسومة لها. ومع الوقت، تشكّلت علاقة مرضية بين السياسة والعقل، تقوم على الوصاية بدل الشراكة، وعلى الضبط بدل الرعاية. فالسلطة التي تخشى السؤال لا يمكنها أن تبني مشروع نهضة، لأنها تعادي الشرط الأساسي لأي معرفة حية، وهو الحرية. وحين يُجبر العقل على الصمت، يتحول إلى جهاز تبرير، وتصبح المعرفة مجرد زخرفة خطابية لا قوة تغيير.

هذا المناخ السياسي المغلق انعكس بوضوح على البنية الثقافية والتعليمية، فترسخت ثقافة الطاعة على حساب ثقافة المواطنة النقدية، وغابت الثقة بالعقل الفردي، لصالح الامتثال للجماعة أو السلطة أو السائد. وهنا تكمن إحدى أخطر حلقات التعطيل، لأن المجتمع الذي لا يُدرَّب أفراده على التفكير المستقل لا يمكنه أن ينتج معرفة جماعية قادرة على التطور. فالمعرفة ليست جهدًا فرديًا معزولًا، بل تراكم اجتماعي يحتاج إلى فضاء عام صحي، تُطرح فيه الأسئلة دون خوف، وتُناقش فيه الأفكار دون شيطنة، ويُنظر فيه إلى الاختلاف بوصفه ظاهرة طبيعية لا تهديدًا وجوديًا.

ويتجلى هذا الخلل البنيوي بشكل صارخ في منظومات التعليم، التي كان يُفترض أن تكون المختبر الأول لإنتاج العقل النقدي. غير أن التعليم في كثير من بلداننا لا يزال قائمًا على منطق التلقين والحفظ، حيث يُختزل التفوق في القدرة على استرجاع المعلومة، لا في فهمها أو تفكيكها أو ربطها بالواقع. الطالب يُدرَّب منذ سنواته الأولى على البحث عن الإجابة الصحيحة بدل صياغة السؤال الصحيح، وعلى الخوف من الخطأ بدل اعتباره جزءًا من عملية التعلم. في مثل هذا السياق، لا يُنتج التعليم معرفة، بل يُعيد إنتاج الامتثال، ويُخرّج أجيالًا قادرة على التكيف مع القوالب الجاهزة، لكنها عاجزة عن كسرها أو تجاوزها.

أما الجامعة، التي يُفترض أن تكون فضاءً أعلى للبحث الحر والتفكير المستقل، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى مؤسسة بيروقراطية، تُراكم الشهادات أكثر مما تُراكم الأفكار. البحث العلمي محدود، وغالبًا ما يُنظر إليه بوصفه عبئًا إداريًا لا ضرورة تنموية، بينما تُقاس قيمة الأكاديمي بعدد أوراقه لا بمدى تأثير أفكاره. ومع ضعف التمويل، وغياب الاستقلال الحقيقي، وانفصال الجامعة عن حاجات المجتمع، تتكرس الفجوة بين المعرفة النظرية والواقع، وتظل الجامعات خارج معادلة النهضة الفعلية.

وفي ظل هذا كله، يصبح الحديث عن الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها مسألة مصيرية لا خيارًا فكريًا. فالعالم اليوم لا يُدار بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالثروات الطبيعية فقط، بل بالعلم والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار. والدول التي تملك المعرفة تملك القرار، بينما تبقى الدول المستهلكة أسيرة التبعية مهما رفعت من شعارات السيادة. ورغم الثورة الرقمية وتدفّق المعلومات، فإن الفرق شاسع بين الوصول إلى المعرفة وبين إنتاجها. فالاستهلاك، مهما بدا واسعًا، لا يبني مشروعًا حضاريًا، لأن المعرفة المستوردة تحمل دائمًا أسئلة غيرنا، وأولويات غيرنا، وحلولًا لا تنبع بالضرورة من واقعنا.

إن إنتاج المعرفة لا يعني مجرد زيادة عدد الأبحاث أو ترجمة الكتب، بل يعني بناء منظومة متكاملة تُشجّع البحث، وتحمي التفكير الحر، وتربط العلم بحاجات المجتمع، وتحوّل المعرفة إلى قوة اقتصادية وثقافية وسياسية. كما يعني إعادة الاعتبار للعقل بوصفه قيمة عليا، لا تهديدًا يجب احتواؤه. فلا نهضة بلا جرأة على السؤال، ولا تقدم بلا استعداد لمراجعة المسلّمات، ولا مستقبل لأمة تخشى التفكير أكثر مما تخشى التخلف.

إن التعامل النقدي مع التراث، وبناء بيئة سياسية حاضنة، وإصلاح التعليم، والانتقال إلى اقتصاد المعرفة، ليست مسارات منفصلة، بل مكوّنات لمشروع واحد عنوانه تحريرالعقل من الخوف، وإعادته إلى مركز الفعل التاريخي. فالنهضة لا تُستورد، ولا تُفرض بقرارات فوقية، بل تُبنى حين تؤمن الأمة بأن عقلها قادر على الفهم والإبداع، وأن المعرفة ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا للحرية والسيادة. وحين يصبح السؤال فضيلة، والاختلاف حقًا، والعلم أولوية، يمكن للأمة أن تخرج من هامش التاريخ، لا لتلحق بالآخرين فحسب، بل لتشارك بفاعلية في صياغة عالم أكثر عدلًا وعقلانية.



#نبهان_خريشه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل أحيقار الآشوري هو لقمان القرآني؟
- قراءة في إشكاليات الفكر العربي
- بين الدين والأنثروبولوجيا: هل كان آدم أول البشر أم أول بشر ع ...
- في اللسان العربي المبين واللغه العربية المعاصرة
- اليهودية نشأت في اليمن: قراءة في أطروحات الباحثين العرب الجد ...
- اللغة العبرية: من لغة ميتة إلى محكية
- الطوفان: من جلجامش إلى سفر التكوين الى حضارات امريكا الجنوبي ...
- ظاهرة الترامبية بمواجهة الليبرالية
- حضارات العصر الجليدي المندثره أسطورة أم حقيقة ؟
- هل ساهم -الأنوناكي- في بناء الحضارات القديمة ؟؟
- -فليكوفسكي- ومحاولة تحويل أساطيرالتوراة لوقائع تاريخية
- التغيرات المناخية والهجرات من شبه الجزيرة العربية
- حصاد إسرائيل لحربها على غزة
- تصدع جدران الصهيونية
- فشل الإعلام الغربي في تعميم الرواية الإسرائيلية للحرب على غز ...
- في مواجهة تزوير تاريخ الشرق الأدنى القديم
- طريق أوسلو: المواقف الامريكية المبكره من منظمة التحرير الفلس ...
- ماذا يعني ان يكون طالب اللجوء إلى أوروبا ليس أبيض البشره ؟!!
- غربلة التراث


المزيد.....




- كوبا ترد على ترامب بعد ضغوطه عليها من أجل إبرام اتفاق
- ما الذي ينتظرنا في حفل جوائز غولدن غلوب الـ 83؟
- إيران: دعوات لمظاهرات مؤيدة للحكومة مع دخول الاحتجاجات أسبوع ...
- وزيرة أمريكية: تعزيزات أمنية إلى مينيسوتا للسيطرة على الاحتج ...
- ميركوسور: هل محكمة العدل الأوروبية الخيار الأخير أمام فرنسا ...
- مفوض الدفاع بالاتحاد الأوروبي يدعو لتشكيل قوة عسكرية مشتركة ...
- اتهامات للدعم السريع بقصف مستشفيات في جنوب كردفان ونزوح جديد ...
- الأردن يدعم استقرار سوريا ويجري محادثات لمكافحة المخدرات وال ...
- ترقب في إسرائيل والأجهزة الأمنية توصي بعدم التدخل في احتجاجا ...
- نائب عن حزب الله: إسرائيل تهاجم لبنان لتحقيق مكاسب بالمفاوضا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نبهان خريشه - من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها