|
|
بين الدين والأنثروبولوجيا: هل كان آدم أول البشر أم أول بشر عاقل ؟
نبهان خريشه
الحوار المتمدن-العدد: 8534 - 2025 / 11 / 22 - 15:38
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ». يُعَدّ الحوار القرآني الوارد في هذه الآية (30) من سورة البقرة، واحداً من أكثر النصوص إثارة للتأمل في علاقة الإنسان بالأرض، وفي طبيعة الخلق، وفي التسلسل الوجودي للمخلوقات العاقلة أو الشبيهة بالإنسان. قراءة هذه الآية لا تتوقف عند حدود القصة الدينية، بل تتعداها إلى أسئلة أنثروبولوجية وفلسفية ، حول إمكانية وجود مخلوقات بشرية أو شبه بشرية قبل آدم، وحول ما إذا كان الاعتراض الملائكي يحمل إشارة إلى تاريخ سابق من الفساد وسفك الدماء، ارتبط بأحياء كانوا يسكنون الأرض قبل ظهور الإنسان العاقل المكلف. هذا السؤال اكتسب أهمية أكبر في عصر العلم الحديث، حيث تتقاطع الرواية الدينية بنطاقها الروحي والأخلاقي مع الرواية العلمية القادمة من الحفريات والحمض النووي وعلم الإنسان القديم.
في التأمل الأولي للنص، تبدو ملاحظة الملائكة مبنية على معرفة مسبقة بوجود كائن له القدرة على الفساد وسفك الدماء، وهي قدرات لا تُنسَب عادة للملائكة، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ولا يملكون إرادة الصراع. السؤال الذي يطرحه النص، من دون أن يصرح بالإجابة المباشرة، هو: كيف عرفت الملائكة بأن الكائن الجديد القادرعلى الإرادة والاختيار، قد يسفك الدماء ويفسد في الأرض؟ . مفسرون قدامى فسّروا الآية بأن الملائكة لم تكن تتنبأ من فراغ، بل قاست خلق الإنسان الجديد على مخلوقات سبقت آدم، وعلى رأسها الجن الذين ورد في بعض الروايات أنهم عمروا الأرض قبل البشر ووقع منهم الفساد والاقتتال، ولذلك كان سؤالهم مبنياً على معرفة بطبيعة المخلوق الحر الإرادة، لا على اعتراض على حكمة الله. وقد نقل هذا التفسير عن ابن عباس، كما تبناه كبار المفسرين مثل الطبري في جامع البيان والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن، وأشار إليه الفخر الرازي في التفسير الكبير حين أوضح أن سنن المخلوقات ذات الإرادة الحرة تفضي أحياناً إلى النزاع، وأن الملائكة إنما تكلمت انطلاقاً من معرفة سابقة بهذا النمط السلوكي.
وفي المقابل ظهر في العصر الحديث اتجاه يحاول التوفيق بين النصوص الدينية والاكتشافات العلمية المعاصرة، ويعد الشيخ عبد الصبور شاهين أبرز من صاغ هذا الاتجاه في كتابه “أبونا آدم”. فقد اعتبر شاهين أن آدم ليس أول مخلوق بشري بالمعنى الجسدي، بل أول مخلوق عاقل مكلف تلقّى العلم واللغة، وأن وجود أنواع بشرية سابقة مثل "النياندرتال" لا يتعارض مع الرواية القرآنية التي تركز على بداية الوعي لا بداية الجسد. وذهب في الاتجاه نفسه مفكرون مثل محمد الطالبي الذي رأى أن قصة آدم تجسّد لحظة الوعي الأخلاقي لا لحظة نشوء النوع الحيوي، والدكتور أحمد شحلان الذي ميّز بين الإنسان والبشر في القرآن وربط ذلك بتطور الإدراك، إضافة إلى إشارات عامة من بعض الباحثين في الإعجاز العلمي مثل زغلول النجار الذين أكدوا أن وجود بشر أو مخلوقات شبيهة بالبشر قبل آدم لا يناقض جوهر النص.
أما المفسرون والباحثون المعاصرون الذين يرون في الآية دلالة أو إشارة إلى وجود إنسان قبل آدم، فيستندون إلى أن سؤال الملائكة عن سفك الدماء يعكس معرفة بسلوك تاريخي واقع بالفعل، لا مجرد توقع. ويبرز هنا اسم الدكتور محمد شحرور الذي ميّز بوضوح بين البشر والإنسان واعتبر أن آدم يمثل لحظة اكتمال الوعي لا بداية الوجود البشري، كما يطرح عدنان إبراهيم في محاضراته احتمال وجود بشر قدامى سبقوا آدم وأن الحفريات والأنثروبولوجيا تدعم ذلك. ويميل باحثون آخرون مثل سامي عامري إلى أن القرآن لم يأتِ لعرض التاريخ البيولوجي للإنسان، ولذلك لا مانع أن تكون الأرض قد شهدت كائنات بشرية قبل آدم، بينما ذهب الشيخ محمد متولي الشعراوي إلى طرح احتمال وجود خلق سبق آدم دون الجزم بذلك، معتبراً أن سؤال الملائكة قد يكون مبنياً على علم بسنّة جرت في الأرض قبل خلق الإنسان العاقل. وهكذا تتشكل ثلاثة اتجاهات متمايزة: تفسير تراثي يعتمد على قياس الملائكة على خلق سابق، ورؤية توفيقية تعتبر آدم بداية الوعي والتكليف، وقراءة معاصرة ترى في الآية دلالة على وجود بشر قبل آدم، منسجمة مع ما يقوله العلم الحديث عن تنوع السلالات البشرية القديمة.
فرضية وجود بشر قبل آدم تجد دعماً من العلوم الحديثة، لا بوصفها تفسيراً حتمياً للنص القرآني، بل بوصفها قراءة عقلانية تفتح باب التلاقي بين النص والعلم. تشير المكتشفات الأنثروبولوجية إلى أنّ الأرض لم تكن خالية زمن آدم، إذا فهمنا آدم على أنه أول إنسان ذي عقل مكتمل ووعي أخلاقي قادر على تلقي التكليف. فالدراسات الجينية والحفريات تؤكد وجود أنواع بشرية مختلفة تنتمي إلى جنس "الهومو"، مثل النياندرتال والدينيسوفي والهومو إريكتوس، وقد عاشت هذه الأنواع على الأرض لآلاف السنين قبل ظهور الإنسان العاقل المعاصر. بعض هذه الأنواع كان يتمتع بقدرات بدائية على صناعة الأدوات، وعلى التعايش في مجموعات، وعلى ممارسة العنف والصراع لأسباب تتعلق بالطعام والمأوى والسيادة. وتذهب قراءات علمية إلى أن الإنسان العاقل حين ظهر قبل نحو ثلاثمئة ألف عام، بدأ تدريجياً ينافس النياندرتال على الموارد والأرض، وأن انقراض النياندرتال قبل نحو أربعين ألف عام قد يكون مرتبطاً بالصراع أو بالإزاحة التدريجية، أو بالاندماج الجزئي بين المجموعتين البشرية.
هذا السياق العلمي يجعل من تساؤل الملائكة في الآية الكريمة سؤالاً يستند إلى معرفة بأن الأرض شهدت، في تسلسل زمني سابق، وجود كائنات ذات سلوك عنيف. هنا تأتي رؤية الشيخ عبد الصبور شاهين في كتابه “أبونا آدم” لتعطي بعداً إضافياً لهذا الفهم، حيث استند شاهين إلى قوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا» ليشير إلى أن ما يميز آدم ليس بُنيته البيولوجية بقدر ما يميزه العقل والتكليف، وأن البشر قبله كانوا مخلوقات بشرية غير مكلفة، أقرب إلى الإنسان البدائي الذي يملك شكلاً بشرياً دون وعي أخلاقي أو قدرة لغوية شاملة. وفق هذا التصور، لا يتعارض وجود آدم كنقطة بداية للتكليف مع وجود بشر أو شبه بشر قبله، مثلما لا يتعارض ظهور الوعي الإنساني الراقي مع وجود تطور بيولوجي سابق.
هذا الفهم يسمح بقراءة متوازنة تجمع بين العلم والدين دون أن يطغى أحدهما على الآخر. فالنص القرآني لم يقل إن آدم هو أول من وطئت قدمه الأرض، بل قال إنه أول خليفة لله في الأرض، والخلَفُ لا يكون إلا لسلف، وقد تكون الخلافة هنا إشارة إلى بداية عهد جديد من الوعي والمسؤولية. وعندما يجيب الله الملائكة بقوله «إني أعلم ما لا تعلمون»، فإن هذا يحمل معنى أن الإنسان الجديد – بما يملكه من وعي وأخلاق وقدرة على التعلم – سيكون قادراً على ما لا تدركه الملائكة من وظائف الاستخلاف، وأن وجود قابلية الفساد لا يلغي إمكانية التعلم والتوبة والعمارة وإظهار أسماء الله وصفاته في العالم.
ويبدو أن التسلسل الذي يورده القرآن عن خلق آدم ونفخ الروح وتعليمه الأسماء يؤكد أن مرحلة الوعي اللغوي هي الفارق الحاسم بين المخلوقات البشرية السابقة وبين الإنسان المكلف. فاللغة ليست مجرد أصوات، بل هي القدرة على التجريد، وعلى بناء المفاهيم، وعلى إدراك الخير والشر، وعلى صياغة الأخلاق. الأنثروبولوجيا الحديثة تقول الشيء ذاته بطريقة مختلفة: إن الإنسان العاقل تميز عن غيره من الأنواع بقدرته على الرمزية والتجريد والتخطيط، وهي خصائص قادته إلى بناء الحضارة وإلى ممارسة الاستكشاف والتفكير. ومع هذا الوعي جاءت أيضاً القدرة على الإفساد والصراع، كوجه آخر للحرية الإنسانية، وهو ما يعزز منطق تساؤل الملائكة.
لكن من الضروري هنا التنبيه على أن الدمج بين هذين المسارين – العلمي والديني – لا يعني بالضرورة أن القرآن يؤيد نظرية التطور البيولوجي بصيغتها الإلحادية، بل يعني فقط أن النص مفتوح لتأويل يسمح بالتعايش بين القراءتين دون تناقض. كما أن اعتماد التفسير على معطيات علمية لا يُعد خروجاً عن النص، بل هو استحضار لأشكال المعرفة التي تساعد على فهمه، لا سيما حين لا يتصادم هذا الفهم مع أساسيات العقيدة. ومن المهم التشديد أيضاً على أن القرآن يتحدث عن الإنسان من منظور قيمي وروحي، والأنثروبولوجيا تتحدث عن الإنسان من منظور بيولوجي وتاريخي، ولا توجد ضرورة لإجبار أحدهما على القيام بوظيفة الآخر.
هذه المقاربة تسمح بإعادة قراءة قصة آدم في ضوء التطور الذي مرّ به الإنسان القديم، دون أن تفقد القصة معناها الرسالي. فإذا كان آدم هو بداية الوعي الإنساني الكامل، فإن حواره مع الله يعبر عن بداية عهد جديد للبشرية، قوامه التكليف والمسؤولية والقدرة على التعلم والخطأ والتوبة. وهذا ينسجم مع واقع التاريخ الإنساني الذي يُظهر أن الطريق إلى الحضارة كان طويلاً ووعراً، وأن الإنسان سلكه عبر القدرة على التفكير والإبداع، وفي الوقت نفسه عبر الصراع والعنف، كما أشارت الملائكة في تساؤلها.
وبذلك يصبح النص القرآني مفتاحاً لفهم أعمق لطبيعة الإنسان، لا بوصفه جسداً تطور عبر الزمن فقط، بل بوصفه كائناً ذا روح ووعي وأمانة. ويصبح التساؤل الملائكي تعبيراً عن إدراك أن الحرية الإنسانية تحمل في داخلها النور والظلمة معاً، وأن الخلافة على الأرض ليست امتيازاً بلا ثمن، بل مسؤولية تتطلب الوعي والرشد. وفي هذا الإطار يتلاقى العلم والدين في نقطة مركزية: أن الإنسان لم يظهر دفعة واحدة في صورته الحالية، بل مر بمراحل، لكن المرحلة التي جعلته إنساناً بالمعنى الكامل هي تلك التي بدأ فيها يفكر ويعقل ويعرف، وهي اللحظة التي يصورها القرآن من خلال قصة آدم، بوصفها لحظة ميلاد الإنسان المكلف، لا مجرد ميلاد الكائن الحي.
#نبهان_خريشه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في اللسان العربي المبين واللغه العربية المعاصرة
-
اليهودية نشأت في اليمن: قراءة في أطروحات الباحثين العرب الجد
...
-
اللغة العبرية: من لغة ميتة إلى محكية
-
الطوفان: من جلجامش إلى سفر التكوين الى حضارات امريكا الجنوبي
...
-
ظاهرة الترامبية بمواجهة الليبرالية
-
حضارات العصر الجليدي المندثره أسطورة أم حقيقة ؟
-
هل ساهم -الأنوناكي- في بناء الحضارات القديمة ؟؟
-
-فليكوفسكي- ومحاولة تحويل أساطيرالتوراة لوقائع تاريخية
-
التغيرات المناخية والهجرات من شبه الجزيرة العربية
-
حصاد إسرائيل لحربها على غزة
-
تصدع جدران الصهيونية
-
فشل الإعلام الغربي في تعميم الرواية الإسرائيلية للحرب على غز
...
-
في مواجهة تزوير تاريخ الشرق الأدنى القديم
-
طريق أوسلو: المواقف الامريكية المبكره من منظمة التحرير الفلس
...
-
ماذا يعني ان يكون طالب اللجوء إلى أوروبا ليس أبيض البشره ؟!!
-
غربلة التراث
المزيد.....
-
علم ما قبل الثورة الإسلامية يرفرف لدقائق على سفارة طهران في
...
-
عاجل: غارات جوية أمريكية على أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسل
...
-
1000 يوم من الحرب.. السودان ينزف والإخوان في مرمى الاتهام
-
أبرزها في الفاتيكان..كيف فشلت -مفاوضات دولية- لإنقاذ مادورو؟
...
-
واشنطن تعمل لتقييد نفوذ -الإسلاميين- داخل الجيش السوداني
-
هل أصبحت الجمهورية الإسلامية في إيران مهددة بالسقوط؟
-
فيصل بن فرحان يطمئن واشنطن: الخلافات مع الإمارات تكتيكية ولا
...
-
مفرح: خطاب الإقصاء يغذي استهداف المسيحيين في حرب السودان
-
كيف تفككت السردية الإسرائيلية داخل الكنائس والمؤسسات الأميرك
...
-
آلاف النازحين يحتمون بالمساجد والكنائس مع تصاعد وتيرة الاشتب
...
المزيد.....
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|