نبهان خريشه
الحوار المتمدن-العدد: 8502 - 2025 / 10 / 21 - 02:59
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
منذ أكثر من قرنٍ من الزمن، ظلّت السردية التوراتية التي روج لها المستشرقون التوراتيون تدعي أن موطن الديانة اليهودية وتاريخ بني إسرائيل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأرض فلسطين التاريخية. غير أنّ هذه السردية بدأت تواجه في العقود الأخيرة مراجعاتٍ جذرية، أبرزها ما قدّمه باحثون ومفكرون عرب مثل الدكتور فاضل الربيعي والدكتور أحمد داوود، اللذان ذهبا إلى أن التوراة – بنسختها الأصلية غير المترجمة – لا تتحدث عن فلسطين، بل عن جنوب غرب الجزيرة العربية، أي اليمن.
فاضل الربيعي والجغرافيا التوراتية الجديدة
يرى فاضل الربيعي أنّ الخطأ التاريخي الأكبر في قراءة التوراة كان إخراجها من بيئتها اللغوية الأصلية. فالنصّ التوراتي، بحسبه، كتب بلغة سامية جنوبية قريبة من العربية المسندية التي كانت سائدة في اليمن القديم، لا بالعبرية الشامية التي اعتمدها المفسّرون لاحقًا. وعندما تُرجمت التوراة إلى الإغريقية في العصور الهيلينية (الترجمة السبعينية)، نُقلت أسماء الأماكن والأعلام إلى ما يشبهها في الجغرافيا المعروفة آنذاك في الشام وفلسطين. ومن هنا وُلد ما يسميه الربيعي بـ "الوهم الجغرافي المقدّس".
يستند الربيعي في أطروحته إلى التطابق المدهش بين أسماء المواقع التوراتية والمواقع اليمنية حتى في تفاصيلها الطبوغرافية. فـ"القدس" و"صهيون" و"بيت إيل" و"السامرة" و"الطور" و"نهر الأردن" كلها أسماء لمواضع حقيقية في اليمن القديم، بعضها ما يزال يحتفظ بالاسم ذاته أو صيغة قريبة منه في خرائط القرى والجبال حتى اليوم.
ويضيف أن أورشليم المذكورة في التوراة لم تكن القدس الحالية، بل مدينة في جبال اليمن كانت مركزًا دينيًا لقبائل جنوبية عُرفت بـ"بني إسرائيل" – أي بني الإله السامي إيل. كما أن "التيه" لم يقع في صحراء سيناء، بل في صحراء الربع الخالي، وأن مملكة داود وسليمان كانت في جبال ريدان أو ظفار، حيث كانت المعابد الحميرية والسبئية مراكز لعبادة الإله الواحد.
ويؤكد الربيعي أن التوراة ليست كتابًا جغرافيًا أو سردًا تاريخيًا واقعيًا، بل نصّ رمزي يستعيد أحداثًا سياسية ودينية محلية في اليمن بصيغة ملحمية، وأن سوء الفهم اللغوي الناتج عن الترجمة هو ما ساعد المستشرقون المرتطون بأجندات إستعمارية على إسقاطها لاحقًا على فلسطين. وبهذا، يصبح ما يُعرف اليوم بـ"تاريخ إسرائيل القديم" تاريخًا يمنيًا عربيًا جرى استلابه لغويًا وثقافيًا.
أحمد داوود والقراءة الأثرية للتوراة
أما الباحث السوري أحمد داوود، فيقدّم دعمه لهذه الفكرة من خلال المنهج الأثري والتاريخي المقارن، مؤكّدًا أن جذور اليهودية تعود إلى جنوب الجزيرة العربية، وأن النقوش المسندية والنصوص العربية القديمة تحمل مفاتيح فهم أصولها.
في كتابه "التوراة العربية وأورشليم اليمنية"، يقدّم داوود عشرات الأدلة التي تربط بين النقوش اليمنية والأسماء والممالك التوراتية. فممالك سبأ وحمير وقتبان ومعين ونجران كانت – بحسبه – مراكز حضارية ودينية كبرى في القرون السابقة للميلاد، وظهرت فيها أسماء مثل إسرائيل، يهوذا، داود، وسليمان في سياقات وثنية أو توحيدية مبكرة. ويرى أن مصطلح "إسرائيل" في الأصل لا يشير إلى قومية محددة، بل إلى قبائل جنوبية عبدت الإله "إيل"، وهو الاسم نفسه الذي ارتبط بعبادة التوحيد لاحقًا.
ويذهب داوود إلى أن اليهودية كانت امتدادًا لمرحلة من التوحيد العربي القديم في جنوب الجزيرة، وأنها لم تكن ديانة معزولة بل ثمرة تفاعل بين الموروث السبئي والحميري وديانات التوحيد المبكرة التي سبقتها. ومع الحروب والهجرات التجارية نحو الشمال، انتقلت تعاليمها إلى مناطق الشام وفلسطين، وهناك أُعيدت صياغة الرواية الدينية لتتلاءم مع السياق الجغرافي الجديد.
ويشير أيضًا إلى أن كثيرًا من أسماء القبائل اليمنية القديمة تتطابق مع أسماء "الأسباط" في التوراة، وأن التقاليد الاجتماعية والدينية كـ"الختان" و"الطهارة" و"الذبائح" و"السبت" كانت ممارسات يمنية قديمة سبقت النص التوراتي.
تكامل الرؤيتين
رغم اختلاف منهجية الربيعي (اللغوية-النصية) عن داوود (الأثرية-التاريخية)، إلا أنهما يلتقيان في خلاصة جوهرية: أنّ الديانة اليهودية لم تنشأ في فلسطين بل في اليمن، ثم نُقلت جغرافيًا في الذاكرة الدينية عبر الترجمة والسياسة.
الربيعي يركّز على البعد اللغوي والنصي، فيعيد قراءة التوراة بالعربية الجنوبية ليُظهر أن النصّ نفسه يشهد على يمنيّته؛ بينما داوود يقدّم الشواهد المادية والأنثروبولوجية التي تؤكد أن الثقافة الدينية والسياسية التي وصفتها التوراة وُجدت فعلاً في اليمن القديم.
كلاهما يرى أن ما نُسب إلى "العبرانيين" في فلسطين هو انعكاس لهجرات جنوبية من اليمن نحو الشمال، حملت معها نصوصها المقدسة وأساطيرها، ثم أُعيد تأويلها هناك حتى أصبحت تُقرأ وكأنها نشأت في أرض جديدة.
الأدلة اللغوية والأنثروبولوجية
من بين أكثر الأدلة التي يعتمدها الربيعي وداوود إثارةً للانتباه، تطابق الأسماء الجغرافية بين نصوص التوراة والمواقع اليمنية الحالية. فـ"القدس" مثلاً ليست مدينة في فلسطين فحسب، بل هناك بلدة تدعى "قدش" أو "قدس" في اليمن القديم، كما أن "صهيون" و"سفرون" و"بيت لحم" و"بيت إيل" كلها أسماء حاضرة في خرائط اليمن.
ويضيف الباحثون أن اللغة العبرية القديمة ليست سوى لهجة سامية جنوبية قريبة من العربية المسندية، وأنّ معظم المصطلحات الدينية اليهودية (كـ"يهوه" و"شالوم" و"توراه") لها جذور عربية لغويًا وصرفيًا.
إعادة قراءة التاريخ الديني
تؤدي هذه الأطروحة، عند إثباتها علميًا، إلى إعادة النظر في كامل تاريخ الديانات الإبراهيمية، إذ ستتحول فلسطين من "أرض الميعاد" إلى "محطة عبور" أو "موضع لاحق" لانتشار الديانة. كما ستغدو فكرة "الهيكل" أو "بيت الرب" إشارة إلى معبد يمني قديم، ربما كان في صنعاء أو ظفار أو نجران، قبل أن تنتقل الرموز الدينية إلى الشمال.
ويرى الربيعي أن التوراة ليست كتابًا جغرافيًا عن أرضٍ بعينها، بل نصٌّ شعريٌّ تأويلي يتحدث عن أحداث محلية في اليمن، تحوّلت مع الزمن إلى رموز كونية بفعل الترجمة وسوء الفهم التاريخي. ويضيف أن ربط الدين اليهودي بفلسطين لم يكن بريئًا، بل جرى توظيفه سياسيًا في العصور الحديثة لتبرير المشروع الصهيوني، فيما تجاهلت الدراسات الغربية عمداً احتمالية الجذور العربية الجنوبية لليهودية.
بين النقد والقبول
بالطبع، لم تمرّ هذه النظرية دون اعتراض. فالكثير من المؤرخين وعلماء التوراة الغربيين والعرب يرون فيها قراءة مفرطة في "التوطين الجنوبي"، معتبرين أن تشابه الأسماء لا يعني التطابق الجغرافي، وأنّ غياب أدلة أثرية قاطعة في اليمن لمواقع مطابقة لمعابد أو ممالك عبرانية يضعف الحجة. لكنّ أنصار الأطروحة الجديدة يردّون بأن غياب التنقيب الكافي في مناطق اليمن بسبب الأوضاع السياسية والحروب جعل كثيرًا من الأدلة محتجبة، وأنّ كل الاكتشافات الحديثة في جنوب الجزيرة تعزز احتمال أن تكون الجذور الدينية أعمق هناك مما نتصور.
مهما يكن الموقف من هذه الفرضية، فإنّها تفتح الباب أمام قراءة عربية لتاريخٍ احتكره الغرب طويلاً. فإعادة التوراة إلى بيئتها اللغوية والجغرافية الأصلية تعني أن التاريخ الديني القديم جزء من تاريخ العرب لا تاريخٍ غريبٍ عنهم. وإنّ القول بأن اليهودية نشأت في اليمن لا يهدف إلى نفي حقائق العقيدة أو نفي الوجود التاريخي لليهود، بل إلى إعادة بناء المعرفة على أسس لغوية وأثرية دقيقة، بعيدًا عن التسييس والاستشراق.
وهكذا، فإنّ ما يطرحه فاضل الربيعي وأحمد داوود وغيرهما ليس مجرد "نظرية هامشية"، بل دعوة إلى مراجعة جذرية لتاريخ الأديان، تُعيد التوراة إلى الجنوب، وتعيد معها أسئلة الأصل والهوية والذاكرة إلى قلب الجزيرة العربية.
________________________________________
المراجع والإشارات
فاضل الربيعي، فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2008.
فاضل الربيعي، القدس ليست أورشليم: مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين، دار رياض الريّس، بيروت، 2010.
أحمد داوود، التوراة العربية وأورشليم اليمنية، دار المدى، دمشق، 1994.
أحمد داوود، العرب والساميون والعبرانيون وبنو إسرائيل واليهود، دار المدى، 1996.
يوسف الحسن، قراءات في التاريخ التوراتي بين النص والواقع، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2015.
#نبهان_خريشه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟