أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نبهان خريشه - إشكالية الدولة الدينية في عالم متحوّل















المزيد.....

إشكالية الدولة الدينية في عالم متحوّل


نبهان خريشه

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 18:14
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


فكرة الدولة الدينية، بصرف النظر عن الدين الذي تستند إليه، تنتمي في جوهرها إلى سياق تاريخي مختلف جذريا عن السياق الذي نعيشه اليوم. فهي وُلدت في عصور كانت فيها البنية الاجتماعية بسيطة نسبيا، والاقتصاد محدود التعقيد، والعلم محكوما بسقوف معرفية ضيقة، وكانت السلطة تُفهم بوصفها امتدادا للإرادة الإلهية أو ظلا لها على الأرض. في تلك الأزمنة، كان الدين يقوم بدور جامع: يفسر الكون، وينظم المجتمع، ويمنح الناس معنى لحياتهم في عالم غير مستقر وقليل الموارد. أما العصر الحديث، بما يحمله من تحولات عميقة في أنماط العيش والإنتاج والمعرفة، فقد أعاد تعريف الإنسان ودوره وعلاقته بالسلطة والمعنى، ما جعل نموذج الدولة الدينية عاجزا عن الاستجابة لهذه التحولات دون الوقوع في أزمات بنيوية متعددة.

العالم المعاصر قائم على التعقيد والتعدد. المجتمعات الحديثة لم تعد كتلة متجانسة دينيا أو ثقافيا أو فكريا، بل فسيفساء من الهويات والمعتقدات والاختيارات الفردية. الدولة الدينية، بحكم تعريفها، تفترض مرجعية عقدية واحدة وتمنحها سلطة تنظيم المجال العام، وهو ما يؤدي حتما إلى تهميش المختلفين، سواء كانوا من أديان أخرى أو من داخل الدين ذاته بتأويلات مغايرة. في هذا السياق، يتحول الإيمان من علاقة حرة بين الفرد ومعتقده إلى معيار للولاء السياسي، وتصبح المواطنة مشروطة بالانتماء الديني أو بدرجة القرب من التفسير الرسمي للعقيدة، وهو أمر يتناقض مع فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة القانونية بين الأفراد بغض النظر عن معتقداتهم.

كما أن الدولة الدينية تصطدم بشكل مباشر مع التطور السريع للعلم والمعرفة. القرارات السياسية والاقتصادية والصحية في العصر الحديث تعتمد على معطيات علمية متغيرة، وعلى خبرات بشرية قابلة للنقد والتصحيح. حين تربط هذه القرارات بنصوص مقدسة أو بتفسيرات دينية يُنظر إليها على أنها نهائية أو فوق النقاش، تتجمد القدرة على التكيف، ويصبح الاعتراف بالخطأ أو مراجعة السياسات مسألة شائكة، بل محرمة أحيانا. في المقابل، تقوم الدولة الحديثة على مبدأ قابلية القوانين للتعديل وفق المصلحة العامة وتغير الظروف، وهو مبدأ يصعب التوفيق بينه وبين قداسة النص أو سلطة رجال الدين.

التغير الجذري في مفهوم الفرد يشكل بدوره تحديا أساسيا للدولة الدينية. الإنسان المعاصر لم يعد مجرد تابع لجماعة مغلقة، بل فاعل مستقل يمتلك وعيا بحقوقه وحرياته، ويسعى إلى تحقيق ذاته بطرق متعددة. الدولة الدينية تميل إلى ضبط السلوك الشخصي وفق منظومة أخلاقية واحدة، ما يخلق توترا دائمًا بينها وبين مطالب الحرية الفردية، سواء في مسائل الفكر أو الجسد أو أسلوب الحياة. هذا التوتر لا يبقى نظريا، بل يتحول إلى صراعات اجتماعية وسياسية، تُستخدم فيها أدوات القمع باسم حماية الدين أو الأخلاق العامة.

إضافة إلى ذلك، فإن ربط السلطة السياسية بالمقدس يفتح الباب واسعا أمام الاستبداد. حين تُقدم السلطة على أنها مفوضة إلهيا أو حامية للعقيدة، يصبح نقدها تشكيكا في الدين ذاته، وتتحول المعارضة السياسية إلى خروج أخلاقي أو عقدي. التاريخ، القديم والحديث على حد سواء، مليء بأمثلة دول دينية استخدمت هذا الربط لتبرير القمع، وإقصاء الخصوم، وإدامة حكم نخب محددة تحت غطاء القداسة. في العصر الحديث، حيث تُعد الشفافية والمساءلة شرطين أساسيين للحكم الرشيد، يشكل هذا التداخل بين المقدس والسياسي عائقا بنيويا أمام أي نظام ديمقراطي حقيقي.

صحيح أن بعض الدول الدينية، مثل إيران، تحاول الالتفاف على الإشكال البنيوي للدولة الدينية عبر مزج المرجعية الدينية بمتطلبات العصر الحديث، كما في تجربة البنوك "الإسلامية" أو "الخالية من الربا"، أو في تبني مؤسسات دولة حديثة شكليا كالدستور والبرلمان والانتخابات. غير أن هذا المزج لا يحل الإشكال من جذوره، بل يؤجله أو يعيد إنتاجه بصيغ أكثر تعقيدا. فهو غالبا ما يكون توفيقا لغويا وفقهيا أكثر منه تحولا حقيقيا في منطق الدولة، حيث يعاد تعريف المفاهيم الحديثة لتتلاءم مع الإطار الديني بدل أن يعاد النظر في الإطار ذاته.

وفي الحالة الإيرانية أيضا، لم تُلغ الحاجة إلى النظام المصرفي الحديث، ولا إلى أدوات الاقتصاد العالمي من قروض واستثمارات وفوائد، لكن جرى تغليف هذه الأدوات بصيغ فقهية بديلة تقوم على تغيير التسميات والعقود دون المساس بالجوهر الاقتصادي. هذا الأسلوب يعكس اعترافا ضمنيا بأن متطلبات العصر الحديث لا يمكن تجاوزها، لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود الدولة الدينية، إذ تجد نفسها مضطرة باستمرار إلى البحث عن مخارج فقهية تبرر ما هو ضروري عمليا ومحرج عقديا. ومع تراكم هذه المخارج، يتحول الدين من منظومة قيم إلى جهاز تبرير، وتتحول الفتوى إلى أداة لإضفاء الشرعية على واقع فُرض بقوة الاقتصاد والعولمة.

المشكلة الأعمق في هذا المزج أنه يُبقي السلطة الدينية في موقع الحكم النهائي على ما هو "مسموح" و"ممنوع"، حتى في أكثر المجالات حداثة وتعقيدا. فبدل أن تخضع السياسات الاقتصادية أو العلمية لنقاش عام مبني على الكفاءة والنتائج، تُربط بشرعية دينية تصدر عن مؤسسات غير منتخبة أو غير خاضعة للمساءلة الشعبية. وهنا لا يصبح السؤال: هل هذا النظام المصرفي عادل وفعال؟ بل: هل هو مطابق للتفسير المعتمد للشريعة؟ وبذلك يختزل النقاش العام ويفرغ من بعده المدني والعقلاني.

كما أن هذا المزج الانتقائي بين الدين والحداثة ينتج تناقضا داخليا دائما. فالدولة الدينية تستعير من الحداثة أدوات القوة والتنظيم كالتكنولوجيا، والبيروقراطية، والاقتصاد الرأسمالي، لكنها ترفض في الوقت نفسه الأسس الفكرية التي قامت عليها الحداثة، مثل سيادة القانون الوضعي، وحرية الضمير، والفصل بين السلطات، والمساواة الكاملة بين المواطنين. هذا الانتقاء يجعل الدولة تبدو حديثة في الشكل، تقليدية في الجوهر، ويخلق فجوة متزايدة بين المجتمع، خصوصا الأجيال الشابة، وبين خطاب السلطة الدينية.

وعليه، فإن تجربة المزج، كما في إيران أو غيرها من الدول الدينية، لا تنقض الفكرة القائلة بأن الدولة الدينية لا تلائم العصر الحديث، بل تؤكدها. فالحاجة المستمرة إلى "أسلمة" أو "تديين" كل مستجد حديث تكشف أن النموذج نفسه يعيش في حالة دفاع دائم أمام واقع يتغير أسرع من قدرته على التكيف. ولو كان هذا النموذج منسجما حقا مع العصر، لما احتاج إلى هذا الكم من الترقيع الفقهي والمؤسسي، ولما ظل عالقا بين نص مقدس لا يقبل المراجعة، وواقع متحرك لا ينتظر أحدا.

لا يعني نقد الدولة الدينية إنكار أهمية الدين في حياة الأفراد أو المجتمعات، ولا الدعوة إلى إقصائه من المجال العام بوصفه عنصرا ثقافيا وأخلاقيا. على العكس، الدين حين يتحرر من قبضة السلطة السياسية يمكن أن يؤدي دورا أعمق وأكثر صدقا في إلهام القيم الإنسانية وتعزيز التضامن والعدالة. لكن تحويله إلى أساس للحكم في عالم يتغير بسرعة، وتتشابك فيه المصالح والهويات، يجعله عبئا على الدولة وعلى الدين معا.

إن الدولة الدينية مهما كان دينها، تعكس تصورا للعالم والإنسان والسلطة لم يعد قائما. العصر الحديث يتطلب دولة مدنية مرنة، تستند إلى القانون الوضعي القابل للتطوير، وتحمي التعددية، وتفصل بين الإيمان بوصفه شأنا شخصيا والسلطة بوصفها عقدا اجتماعيا قابلا للنقد والمراجعة. دون هذا الفصل، تبقى الدولة أسيرة الماضي، عاجزة عن مواكبة الحاضر، ومهددة دائما بصراعات لا تنتهي بين المقدس والواقع.



#نبهان_خريشه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك السرد التوراتي في ضوء الميثولوجيا السومرية
- من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
- هل أحيقار الآشوري هو لقمان القرآني؟
- قراءة في إشكاليات الفكر العربي
- بين الدين والأنثروبولوجيا: هل كان آدم أول البشر أم أول بشر ع ...
- في اللسان العربي المبين واللغه العربية المعاصرة
- اليهودية نشأت في اليمن: قراءة في أطروحات الباحثين العرب الجد ...
- اللغة العبرية: من لغة ميتة إلى محكية
- الطوفان: من جلجامش إلى سفر التكوين الى حضارات امريكا الجنوبي ...
- ظاهرة الترامبية بمواجهة الليبرالية
- حضارات العصر الجليدي المندثره أسطورة أم حقيقة ؟
- هل ساهم -الأنوناكي- في بناء الحضارات القديمة ؟؟
- -فليكوفسكي- ومحاولة تحويل أساطيرالتوراة لوقائع تاريخية
- التغيرات المناخية والهجرات من شبه الجزيرة العربية
- حصاد إسرائيل لحربها على غزة
- تصدع جدران الصهيونية
- فشل الإعلام الغربي في تعميم الرواية الإسرائيلية للحرب على غز ...
- في مواجهة تزوير تاريخ الشرق الأدنى القديم
- طريق أوسلو: المواقف الامريكية المبكره من منظمة التحرير الفلس ...
- ماذا يعني ان يكون طالب اللجوء إلى أوروبا ليس أبيض البشره ؟!!


المزيد.....




- شرطة نيويورك تفتح تحقيقًا في جريمة كراهية إثر حادث صدم سيارة ...
- لأول مرة منذ 25 عاما.. مستوطنون يصلون -الصباح اليهودي- في قب ...
- بعد رسالتها المؤثرة.. شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الإندونيسية ...
- المقاومة الإسلامية في البحرين: التهديدات الأميركية بما فيها ...
- مندوب الجمهورية الاسلامية الايرانية في الأمم المتحدة يبلغ مج ...
- مندوب الجمهورية الاسلامية الايرانية في الأمم المتحدة: واشنطن ...
- حرس الثورة الاسلامية يؤكد جاهزيته لمواجهة كافة السيناريوهات ...
- المتحدث باسم حرس الثورة الاسلامية العميد نائيني: جاهزون لكل ...
- المجتمعات اليهودية والمسلمة في ألمانيا والسعي نحو التضامن
- اليهود والمسلمون في البوسنة ـ مثال للتعايش الديني والثقافي


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نبهان خريشه - إشكالية الدولة الدينية في عالم متحوّل