أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نبهان خريشه - تفكيك السرد التوراتي في ضوء الميثولوجيا السومرية















المزيد.....

تفكيك السرد التوراتي في ضوء الميثولوجيا السومرية


نبهان خريشه

الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 20:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تفكيك الموروث الديني لا يعني بالضرورة نفيه أو إفراغه من معناه، بل إعادته إلى طبقاته الأولى، إلى السياق الحضاري والتاريخي الذي تشكل فيه، قبل أن يُعاد إنتاجه في صورة عقيدة مغلقة. فالنصوص المقدسة، مهما اكتسبت من قداسة لاحقا، تظل نتاجًا بشريًا في لغتها وبنيتها السردية، متأثرة بذاكرة الجماعات التي حملتها وبالأساطير التي سبقتها. ومن هذا المنطلق، تبدو القصص التوراتية، ولا سيما في سفر التكوين، استمرارا عضويا للتراث الرافديني القديم، لا قطيعة معه، بل إعادة صياغة واعية له، جرى خلالها تحويل الملوك إلى أنبياء، والأسطورة إلى تاريخ أخلاقي، والتعدد الإلهي إلى توحيد صارم.

في سومر، حيث وضعت اللبنات الأولى لفكرة التاريخ المقدس، لم يكن الماضي مجرد تسلسل زمني للأحداث، بل بنية كونية ذات معنى. "قائمة الملوك السومريين" ليست سجلا سياسيا بالمعنى الحديث، بل نصا لاهوتيا يشرح كيف نُظم العالم منذ البداية. في هذا النص، يحكم عشرة ملوك قبل الطوفان، تبدأ أسماؤهم بأولوليم وألوليمجار وإنمنلونا، وتنتهي بزيوسودرا. وتنسب إليهم مدد حكم خيالية تمتد لآلاف السنين، في دلالة واضحة على أنهم ينتمون إلى زمن أسطوري سابق لانكسار العلاقة بين السماء والأرض. هؤلاء الملوك لا يتم تقديمهم كطغاة أو حكام دنيويين فحسب، بل كوسطاء بين الآلهة والبشر، يحملون النظام الكوني إلى الأرض.

وعندما ننتقل إلى التوراة، نجد أن البنية ذاتها أعيد إنتاجها بدقة لافتة: عشرة أشخاص يسبقون الطوفان، من آدم إلى نوح، عاشوا هم أيضا أعمارا طويلة خارقة للمعقول. هذا التشابه العددي ليس تفصيلا عابرا، بل علامة على انتقال نموذج سردي كامل. فكما شكل الملوك العشرة العمود الفقري لتاريخ سومر ما قبل الطوفان، شكل "الآباء العشرة" العمود الفقري لتاريخ البشرية الأول في التوراة. الفرق الجوهري أن السلطة هنا لم تعد سلطة ملكية منزلة من مجمع الآلهة، بل اصطفاء إلهي أخلاقي ضمن إطار توحيدي.

إن الإسقاط التوراتي لملوك سومر على سلسلة الأنبياء أو البطاركة ليس مجرد اقتباس في الشكل، بل تحويل في الوظيفة والدلالة. أولوليم، أول ملك في القائمة السومرية، الذي "نزلت في عهده الملوكية من السماء"، يقابله آدم، أول إنسان خلق مباشرة بإرادة إلهية. كلاهما يمثل البداية المطلقة: بداية النظام السياسي في سومر، وبداية الوجود الإنساني في التوراة. إنمنلونا، الذي ارتبط اسمه بالحكمة والتنظيم، يجد صداه في شخصيات مثل أنوش أو قينان، حيث تنتقل المعرفة والنسل لا الحكم. هنا نرى كيف أُفرغت الملوكية من مضمونها السياسي، وأعيد شحنها بمضمون نسبي وأخلاقي.

التشابه لا يقتصر على العدد أو التسلسل، بل يمتد إلى فكرة الأعمار الطويلة. ففي الرافدين، طول عمر الملك هو دليل قربه من الآلهة، أما في التوراة فهو دليل قرب الإنسان من زمن الخلق، قبل أن تتراكم الخطيئة ويقصر العمر. الآلية واحدة: إضفاء قداسة على زمن البدايات عبر كسر القوانين الطبيعية. هذا يؤكد أن النص التوراتي لم يخترع مفهوم الأعمار المديدة، بل ورثه وأعاد تفسيره بما يخدم لاهوتا جديدا.

هذه التحولات لم تحدث عفويا، بل كانت نتاج عمل فكري واع قام به الكهنة والكتاب العبرانيون، خصوصا في فترة السبي البابلي أو بعدها. في تلك اللحظة التاريخية، وجد اليهود أنفسهم في قلب حضارة تمتلك تراثا أسطوريا أقدم وأكثر تفصيلا من تراثهم المكتوب. لم يكن ممكنا تجاهل هذا الإرث، فتمت عملية "تبيئة" لأساطير بلاد ما ين النهرين: أي إعادة زرعها في تربة توحيدية، بعد تقليمها من تعدد الآلهة وتجريدها من بعدها الكوني المفتوح.

في هذه العملية، تحول الملك الدنيوي إلى نبي أو بطريرك. فالملك السومري الذي كان يحكم بتفويض إلهي أصبح في التوراة رجلا صالحا يسير مع الله. لم تعد السلطة هي المحور، بل الطاعة والأخلاق والعهد. وهكذا جرى نقل مركز الثقل من السياسة إلى الأخلاق، ومن المدينة إلى السلالة، ومن المعبد إلى النص. لكن الهيكل العميق بقي على حاله: سلسلة مختارة، طوفان فاصل، وبداية جديدة.

قصة الطوفان هي المثال الأوضح والأكثر فجاجة على هذا الاقتباس الحضاري. زيوسودرا في النص السومري، وأوتنابشتم في الملحمة البابلية، ونوح في التوراة، هم في الجوهر شخصية واحدة بأسماء مختلفة. الرجل الصالح الذي يُحذر سرا من كارثة كونية، يؤمر ببناء سفينة، يحمل عائلته ونماذج من الكائنات الحية، ينجو بينما يفنى الآخرون، ثم يقدم قربانا بعد انحسار المياه. حتى التفاصيل الدقيقة، مثل إطلاق الطيور لمعرفة جفاف الأرض، وذكر الغراب والحمامة، هي عناصررافدينية خالصة انتقلت حرفيًا تقريبًا إلى النص التوراتي.

الاختلاف لا يكمن في الحدث، بل في تفسيره. ففي الأسطورة الرافدينية، الطوفان قرار إلهي اعتباطي نسبيًا، سببه ضجيج البشر أو تجاوزهم للحدود، ثم تندم الآلهة على إفناء خليقتها. أما في التوراة، فالطوفان فعل عدالة أخلاقية من إله واحد، لا يندم بل يعقد عهدًا جديدًا مع البشرية. هذا التحول يعكس جوهر المشروع التوراتي: ليس خلق قصة جديدة، بل إعادة شحن قصة قديمة بمعنى أخلاقي توحيدي.

من هنا، فإن تفكيك الموروث الديني يكشف أن ما نقدمه اليوم بوصفه "وحيا خالصا" هو في الحقيقة نتيجة مسار طويل من التراكم الثقافي. التوراة ليست نصا هابطًا من السماء خارج الزمن، بل نص ولد في التاريخ، وتشكل عبر الحوار والصراع مع أساطير أقدم. وهذا لا يقلل من قيمته الرمزية أو الروحية، بل يضعه في سياقه الحقيقي كنص يؤسس هوية جماعة عبر إعادة كتابة الماضي.

إن إعادة القصص الدينية إلى جذورها السومرية لا تعني اختزال الدين في الأسطورة، بل العكس: تعني فهم كيف تحولت الأسطورة إلى أداة أخلاقية، وكيف انتقل الإنسان من تفسير العالم عبر الآلهة المتعددة إلى تفسيره عبر إله واحد ومعيار أخلاقي. في هذا الانتقال، لم تمح الذاكرة القديمة، بل أُعيد ترتيبها. ولهذا، فإن"الآباء العشرة" في التوراة هم، في عمقهم، صدى بعيد لـ "الملوك العشرة" في سومر، يحملون الهيكل ذاته، لكن بلغة جديدة ورسالة مختلفة.

وهكذا، يظهر الدين لا كقطيعة مع الماضي، بل كأكثر أشكاله تطورا. فالتاريخ المقدس، حين يفكك، يكشف أنه تاريخ إنساني بامتياز، وأن ما يجمع سومر بالكتاب المقدس ليس المصادفة، بل الذاكرة الطويلة لحضارة حاولت، مرارا، أن تجيب عن السؤال ذاته: من أين جئنا، ولماذا هلك العالم مرة، وكيف يمكن أن يبدأ من جديد؟



#نبهان_خريشه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
- هل أحيقار الآشوري هو لقمان القرآني؟
- قراءة في إشكاليات الفكر العربي
- بين الدين والأنثروبولوجيا: هل كان آدم أول البشر أم أول بشر ع ...
- في اللسان العربي المبين واللغه العربية المعاصرة
- اليهودية نشأت في اليمن: قراءة في أطروحات الباحثين العرب الجد ...
- اللغة العبرية: من لغة ميتة إلى محكية
- الطوفان: من جلجامش إلى سفر التكوين الى حضارات امريكا الجنوبي ...
- ظاهرة الترامبية بمواجهة الليبرالية
- حضارات العصر الجليدي المندثره أسطورة أم حقيقة ؟
- هل ساهم -الأنوناكي- في بناء الحضارات القديمة ؟؟
- -فليكوفسكي- ومحاولة تحويل أساطيرالتوراة لوقائع تاريخية
- التغيرات المناخية والهجرات من شبه الجزيرة العربية
- حصاد إسرائيل لحربها على غزة
- تصدع جدران الصهيونية
- فشل الإعلام الغربي في تعميم الرواية الإسرائيلية للحرب على غز ...
- في مواجهة تزوير تاريخ الشرق الأدنى القديم
- طريق أوسلو: المواقف الامريكية المبكره من منظمة التحرير الفلس ...
- ماذا يعني ان يكون طالب اللجوء إلى أوروبا ليس أبيض البشره ؟!!
- غربلة التراث


المزيد.....




- السيد الحوثي : الأمريكي يستهدف كل المنطقة في إطار المخطط الص ...
- السيد الحوثي: الأنظمة العربية والإسلامية تقدم خدماتها للأمري ...
- تحت إشراف أمريكي: العراق تستقبل نحو سبعة آلاف معتقل لتنظيم ا ...
- قائد حرس الثورة الاسلامية: يدنا على الزناد ونحذر الاعداء من ...
- رئيس منظمة الطاقة الذرية الايرانية، محمد اسلامي: نواجه الكثي ...
- أمريكا تنقل معتقلين من تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى ...
- باكبور: يد حرس الثورة الإسلامية على الزناد وعلى أهبة الاستعد ...
- الولايات المتحدة تبدأ بنقل سجناء تنظيم الدولة الإسلامية من س ...
- أكاديميات أميركيات: طلب قوائم بأسماء اليهود بجامعة بنسلفانيا ...
- احتجاجات إيران.. هل أحرقت شابة صورة المرشد الأعلى في طهران؟ ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نبهان خريشه - تفكيك السرد التوراتي في ضوء الميثولوجيا السومرية