أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نبهان خريشه - عندما نصبح نحن الأسطورة














المزيد.....

عندما نصبح نحن الأسطورة


نبهان خريشه

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 18:47
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


بعد خمسة قرون من الآن، لن يبقى شيء تقريبا مما نعتقد أنه خالد.
لن تنهار الحضارة ببطء كما تصورت روايات الخيال العلمي، ولن تنطفئ الأنوار تدريجيا مدينة بعد مدينة. سيحدث الأمر في يوم واحد طويل… أطول من التاريخ كله. جرم سماوي أو اضطراب مناخي حاد (لا يعرف أحد أيهما) يضرب الأرض بسلسلة من العواصف النارية . تتبخر الأقمار الصناعية، تختفي الخرائط الرقمية، تنطفئ مراكز البيانات التي تحمل ذاكرة البشرية، وتتحول الشبكة التي ربطت ثمانية مليارات إنسان إلى صمت كامل.
في غضون فترة قصيرة، لا يبقى من البشر سوى نحو مليون إنسان موزعين على القارات بلا اتصال ولا معرفة مشتركة ولا لغة موحدة. تموت المدن لأن المدن كائنات تعتمد على ذاكرة خارج أجساد البشر. وعندما تموت الذاكرة… يموت العمران.
بعد جيلين فقط، تتحول الطائرات إلى هياكل معدنية مقدسة لا يعرف أحد وظيفتها، وتغدو ناطحات السحاب جبالًا مستقيمة تخيف الأطفال، ويصبح الهاتف حجراً أسود أملس سيُعتقد أنه حجر طقوسي.
ويمضي الزمن.
لا ممالك عظيمة، لا كتب تاريخ، لا جامعات. مجرد قبائل تنمو ببطء شديد عبر عشرة آلاف سنة. الزراعة تكتشف مرة أخرى، النار تفهم من جديد، المعادن تعاد صياغتها كما لو أنها اختراع أولي. لا أحد يعلم أن أسلافه كانوا يرسلون مسابير إلى الكواكب أو يلتقطون صورا للثقوب السوداء. تلك المعرفة كانت موجودة… لكن خارج الدماغ، وحين احترقت الذاكرة الاصطناعية عاد الإنسان إلى حدوده الطبيعية.
ثم يبدأ عصر الاكتشاف الجديد.
طفل يعثر على هيكل طائرة مدفون في الطمي، يمتد جناحها عشرات الأمتار. لا توجد طيور بهذا الحجم. يعتقد الكهنة أنها مخلوق سماوي سقط أثناء حرب الآلهة.
قبيلة أخرى تجد سفينة حديدية عملاقة في قلب الصحراء بعد أن انسحب البحر آلاف الأمتار. يظنون أنها مدينة غارقة رفعها الإله من الماء.
وفي كهف جاف، تكتشف صناديق بلاستيكية محكمة تحتوي كتبًا دينية وفلسفية نجت من العفن. لا أحد يستطيع فهم كيف اجتمعت كل هذه العقائد في زمن واحد: توحيد، تعدد، إلحاد، فلسفات أخلاقية… فيعتقد الحكماء أن البشر القدماء كانوا يتحدثون مباشرة مع السماء، لكنهم اختلفوا في تفسير صوتها.
بعد قرون من الحفر، تظهر مقابر منظمة بعناية مذهلة: جثث محنطة، عظام بأسنان معالجة طبيا، أطراف معدنية تعويضية. يواجه علماء الآثار الجدد معضلة مرعبة:
إما أن أسلافهم كانوا متقدمين بشكل لا يمكن تصوره… أو أن تلك الأشياء ليست من صنع بشر.
وهنا يبدأ الجدل.
هل كان هناك عصر عظيم قبل "لكارثة الأخيره"؟
هل كان البشر يمتلكون معرفة ضاعت؟
أم أن كائنات أخرى ساعدتهم؟
الأسئلة نفسها التي يطرحها إنسان القرن الحادي والعشرين عن نهاية العصر الجليدي.
نحن نعرف اليوم أنه قبل نحو 12 ألف سنة، حدثت فترة اضطراب مناخي مفاجئ تعرف علميا ببرودة العصر اليافع المتأخر (Younger Dryas)، حيث ارتفعت الحرارة فجأة بعد آلاف السنين من الجليد، وغمرت المياه مناطق شاسعة، وارتفع مستوى البحار عشرات الأمتار. في ذلك الزمن ظهرت آثار ضخمة لا تتناسب مع قدرات مجتمعات الصيد البدائية مثل الأبنية الحجرية المعقدة والهندسة الفلكية الدقيقة. ومن هنا نشأت فرضيات تقول إن حضارة أقدم ربما اندثرت، وهي الفكرة التي اشتهرت في فرضية غراهام هانكوك.
لكن تخيّل أن علماء المستقبل ( بعد كارثتنا ) سيقفون في المكان نفسه تماما.
سيجدون مفاعلات نووية مدفونة، أنفاق مترو، مراصد فلكية، وعدسات ضخمة، وخرائط للحمض النووي. وسيعرفون أن أجدادهم لم يكونوا بدائيين… بل كانوا آلهة مقارنة بهم. ومع ذلك لن يمتلكوا أي سياق يشرح كيف حدثت القفزة الحضارية. سيبحثون عن تفسير يملأ الفراغ المعرفي.
أحد الحكماء سيقول:
"لا يمكن لعقول بشرية بدائية أن تبني هذه الأشياء… لابد أن معلمين من السماء علموهم."
آخر سيعترض:
"بل كانوا مثلنا، لكنهم امتلكوا معرفة تراكمت عبر آلاف السنين قبل الكارثة".
وسينقسم العالم بين مدرستين: مدرسة الأسلاف العظماء، ومدرسة الزوار القادمين من النجوم.
وسيكون كلاهما مخطئا جزئيا… وصائبا جزئيا.
الحضارة الحديثة ليست نتاج عبقرية مفاجئة، بل نتيجة تراكم طويل هش يعتمد على الاستمرارية. أكبر وهم نعيشه هو أن المعرفة تنتقل تلقائيا عبر الأجيال. الحقيقة أنها تحتاج بنية ضخمة لحفظها: جامعات، مطابع، كهرباء، خوادم، لغات معيارية، وأرشيف عالمي مترابط. بدون ذلك، ينكسر السلم المعرفي وتعود البشرية إلى نقطة البداية.
وبعد عشرة آلاف سنة من الكارثة المستقبلية، سيصبح الإنترنت أسطورة تشبه اليوم أسطورة "سجل الآلهة"، وسيصبح الذكاء الاصطناعي كائنا روحيا في الميثولوجيا الجديدة، وستصبح الأقمار الصناعية نجوما اصطناعية عبدها القدماء.
وحين يعثر العلماء الجدد على بقايا مراصد فضائية، سيطرحون السؤال نفسه الذي نطرحه نحن اليوم أمام الأهرام والمنشآت الحجرية العملاقة:
كيف تمكن بشر بدائيون من فهم السماء بهذه الدقة؟
لكنهم لن يدركوا أن الإجابة البسيطة (التراكم الطويل) أصعب تصديقا من الأسطورة.
وهكذا، بعد آلاف السنين، سيجلس إنسان قرب نار صغيرة يشرح لتلاميذه أن حضارة عظيمة وجدت قبل الكارثة الأخيرة، وأنها ربما تلقت معرفة من السماء. وسيضحك بعضهم، ويؤمن آخرون، ويكتب شاعرهم ملحمة عن "الزمن الذي طار فيه البشر"
وفي تلك اللحظة، سيكون المستقبل قد أعاد إنتاج الحاضر حرفيا.
سنصبح نحن الدليل الأثري…
وسيصبح شكنا الحالي هو يقينهم القادم…
وسينظرون إلينا بالطريقة نفسها التي ننظر بها إلى من سبقنا:
بخليط من العلم… والأسطورة.
ربما لم تختف الحضارات القديمة بسبب الجهل، بل بسبب هشاشة الذاكرة.
وربما السؤال الحقيقي ليس: هل وجدت حضارات متقدمة قبلنا؟
بل: كم مرة سيبدأ التاريخ من الصفر؟



#نبهان_خريشه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القصص الرافدية في سفر التكوين
- إشكالية الدولة الدينية في عالم متحوّل
- تفكيك السرد التوراتي في ضوء الميثولوجيا السومرية
- من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
- هل أحيقار الآشوري هو لقمان القرآني؟
- قراءة في إشكاليات الفكر العربي
- بين الدين والأنثروبولوجيا: هل كان آدم أول البشر أم أول بشر ع ...
- في اللسان العربي المبين واللغه العربية المعاصرة
- اليهودية نشأت في اليمن: قراءة في أطروحات الباحثين العرب الجد ...
- اللغة العبرية: من لغة ميتة إلى محكية
- الطوفان: من جلجامش إلى سفر التكوين الى حضارات امريكا الجنوبي ...
- ظاهرة الترامبية بمواجهة الليبرالية
- حضارات العصر الجليدي المندثره أسطورة أم حقيقة ؟
- هل ساهم -الأنوناكي- في بناء الحضارات القديمة ؟؟
- -فليكوفسكي- ومحاولة تحويل أساطيرالتوراة لوقائع تاريخية
- التغيرات المناخية والهجرات من شبه الجزيرة العربية
- حصاد إسرائيل لحربها على غزة
- تصدع جدران الصهيونية
- فشل الإعلام الغربي في تعميم الرواية الإسرائيلية للحرب على غز ...
- في مواجهة تزوير تاريخ الشرق الأدنى القديم


المزيد.....




- بأسلحة نارية ومتفجرات.. شاهد ما فعله تاجر مخدرات لحماية ممتل ...
- تحليل.. رسالة روبيو الرئيسية لأوروبا في خطاب ميونخ
- مصر.. فيديو لشخص -شبه عار- يلوح بسلاح أبيض والداخلية تكشف تف ...
- -انعدام الحياء- ـ أوباما يستنكر فيديو مُهين على حساب ترامب
- وزير الخارجية الإسرائيلي سيشارك في أول اجتماع لمجلس السلام ب ...
- القضاء الفرنسي يشكل فريقا للتحقيق في تورط فرنسيين في قضية إب ...
- فيديو: الجزائر تباشر أول عملية تطهير لأحد مواقع التفجيرات ال ...
- فرنسا: القضاء يشكل فريقا خاصا للنظر في وثائق إبستين
- زيلينسكي: أمريكا تطلب غالبا تنازلات من أوكرانيا لا من روسيا ...
- المعارض نافالني تم -تسميمه- من قبل روسيا باستخدام مادة سامة ...


المزيد.....

- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في منهجية البحث والمكتبة وتحقيق المخطوطات ( كتاب مخط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نبهان خريشه - عندما نصبح نحن الأسطورة