نبهان خريشه
الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 13:21
المحور:
الصحافة والاعلام
في السنوات الأخيرة، شهد العالم تحولا عميقا في العلاقة بين الصحفيين والمؤسسات الإعلامية التقليدية، تحولا تغذيه حالة متنامية من تآكل الثقة وشعور متزايد لدى كثير من الصحفيين بأن البيروقراطية الثقيلة في غرف الأخبار والقيود الصارمة للسياسات التحريرية باتت عوائق أمام الإبداع والاستقلالية والأصالة. وقد أفرز هذا المناخ هجرة لافتة نحو المنصات الشخصية، سواء عبر مواقع قائمة على الاشتراكات، أو قنوات يوتيوب، أو نشرات إخبارية مستقلة، أو حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى فضاءات مكتملة للإنتاج الصحفي البديل. وهذه الظاهرة، بعيدا عن كونها تمردا مهنيا عابرا، تعكس تحولا بنيويا أعمق في المشهد الإعلامي العالمي.
لقد أعاد التوسع السريع في الفضاء الرقمي تشكيل بنية العمل الصحفي جذريا. فلم تعد غرف الأخبار تحتكر إنتاج المحتوى أو الوصول إلى الجمهور. الأدوات الرقمية تتيح اليوم للصحفيين أن يصبحوا مؤسسات قائمة بذاتها، يمتلكون قنواتهم، ويحددون هويتهم التحريرية، ويتوجهون مباشرة إلى الجمهور دون المرور عبر مرشحات هرمية. ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته بالصحافة الشخصية، حيث يصبح الفرد في آنٍ واحد العلامة والمصدر والمنصة.
وقد أفرزت البيئة الرقمية المفتوحة نماذج عالمية لصحفيين تحولوا إلى قوى إعلامية مستقلة، بل تجاوز بعضهم مؤسسات كاملة من حيث التأثير. من أبرز الأمثلة تكر كارلسون، وهو المذيع الأمريكي الذي غادر فوكس نيوز ليبني منصاته الخاصة، مستفيدا من قاعدة جماهيرية واسعة ومن رؤيته الشعبوية اليمينية التي وجدت صدى كبيرا على منصات مثل X. لم يعد كارلسون بحاجة إلى مؤسسة تضخم صوته أو تدافع عنه؛ بل بات يعتمد على تفاعل مباشر مع جمهوره، ورعايات موجهة، وشراكات إنتاج واسعة تمنحه استقلالا ماليا ملحوظا. إنه مثال واضح على قدرة صحفي فرد على منافسة، بل وأحيانا التفوق على أكبر الشركات الإعلامية.
كارلسون ليس حالة منفردة. فعلى منصة "سبستاك" تمكن كتاب مستقلون مثل "غلين غرينوالد" و"مت تيبي" من بناء مجتمعات اشتراك مستدامة ماليا، من خلال أجندات نقدية واستفزازية تتحدى المؤسسات السياسية والإعلامية التقليدية. وقد نجحوا في تحويل ثقة الجمهور إلى نموذج دخل مستقر. وتُظهر هذه الحالات أن الاستقلال المالي أصبح ممكنا للصحفيين، وإن لم يكن متاحا للجميع؛ إذ يتطلب الأمر قدرة على بناء جمهور وفي، والحفاظ على محتوى جذاب ومتسق. وهكذا غدت الصحافة الشخصية أحد أبرز مخرجات التحول الرقمي، وأحد أقوى التحديات التي تواجه الإعلام التقليدي اليوم.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الغرب. فالعالم العربي بدوره بدأ يشهد نماذج لصحفيين وإعلاميين تحولوا إلى قوى إعلامية مستقلة تتجاوز في بعض الأحيان مؤسسات كاملة من حيث التأثير والانتشار. ومع توسع المنصات الرقمية وتراجع الثقة بالإعلام الرسمي أو الحزبي، استطاع بعض الإعلاميين العرب بناء جمهور واسع حول شخصياتهم الفردية، مستفيدين من يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي لتقديم محتوى سياسي وتحليلي مباشر خارج الأطر المؤسسية التقليدية. فالجمهور في البيئة الرقمية العربية، كما في الغرب، بات يميل إلى متابعة الصوت الفردي الذي يثق به، لا المؤسسة التي يعمل داخلها.
يبرز في هذا السياق عدد من الأمثلة اللافتة. فالإعلامي المصري باسم يوسف، بعد توقف برنامجه التلفزيوني الذي كان يبث عبر قنوات فضائية واسعة الانتشار، استطاع أن يعيد بناء حضوره الإعلامي عبر المنصات الرقمية العالمية والمقابلات والبرامج الإلكترونية التي حصدت ملايين المشاهدات. ومع مرور الوقت تحولت شخصيته الإعلامية إلى علامة قائمة بذاتها، يتابعها الجمهور بسبب أسلوبها النقدي الساخر وتحليلها السياسي، لا بسبب المنصة التي تستضيفها.
أولى نتائج مغادرة الصحفيين لمؤسساتهم هي تعمق أزمة الثقة بينهم وبينها. فالكثيرون لم يعودوا يرون في المؤسسات الإعلامية الكبرى فضاءات حرة كما تدعي، بل كيانات مالية ضخمة تتأثر بمصالح الممولين وضغوط الحكومات ومتطلبات السوق. ومع تصاعد الاعتماد على الإعلانات والرعايات، تقلص هامش الحكم التحريري المستقل، وأصبحت أولويات التغطية تُحدد من الأعلى. الصحفيون الذين يرون مهنتهم رسالة لا مجرد وظيفة يشعرون بأن أدوارهم تتضاءل، وأصواتهم تختزل إلى مكونات في آلة مؤسسية. ومن ثم تصبح المنصات الشخصية وسيلة لاستعادة الاستقلال والهوية والاتصال المباشر بالجمهور.
أما النتيجة الثانية فتتعلق بتغير سلوك الجمهور. فمع تزايد الملل من النبرة المصقولة والقوالب الجاهزة في وسائل الإعلام الكبرى، يتجه كثيرون نحو محتوى شخصي غير مفلتر يُقدم دون وساطة مؤسسية. يبحث الجمهور اليوم عن آراء أكثر جرأة، وتحليل أعمق، ولغة غير مقيدة بقيود تحريرية. وقد خلق هذا الرابط المباشر بين الصحفي وجمهوره "مجتمعات صغيرة" حول الأفراد، وأعاد للصحفيين إحساسا بأن الثقة تُمنح لهم هم، لا لمؤسساتهم. وهذه الثقة تمثل رأس مال اجتماعيا بالغ الأهمية في العصر الرقمي.
يبقى السؤال المركزي: هل تتيح هذه الهجرة استقلالا اقتصاديا حقيقيا، أم أنها موجة عابرة ستنهار أمام هيمنة رأس المال الإعلامي التقليدي؟ الإجابة معقدة. فبعض الصحفيين ينجحون في تحقيق دخل من الاشتراكات أو الدعم المباشر أو الإعلانات المحدودة، لكنهم يظلون أقلية. بناء منصة شخصية ناجحة يتطلب وقتا واستثمارا تقنيا ومهارات تسويقية لا يمتلكها كثيرون. كما أن العوائد غير مستقرة، وتعتمد على حجم الجمهور وتقلبات الخوارزميات، مما يجعل تعميم الاستقلال المالي أمرا صعبا. وغالبا ما يبقى خيارا متاحا لمن يتمتعون بحضور جماهيري قوي أو خبرة تخصصية دقيقة.
في المقابل، لا تزال المؤسسات الإعلامية التقليدية تملك مزايا هائلة: بنية تحتية، وموارد، ونفوذا سياسيا، وفرقا مهنية واسعة. هذه العناصر تجعل من الصعب على الصحفيين المستقلين منافستها في التحقيقات الكبرى أو التغطيات التي تتطلب تمويلا ضخما. إن التوجه نحو المنصات الشخصية يتحدى النظام القديم، لكنه لا يستبدله ولا يهدمه؛ بل يخلق منظومة موازية تقوى كلما ضعف الإعلام التقليدي.
ومن غير المرجح أن تنهار هذه الحركة. فالصحافة لم تعد حكرا على المؤسسات، والجمهور أعاد تعريف معنى "المصدر الموثوق". الثقة اليوم تُمنح للأفراد أكثر مما تُمنح للعلامات التجارية، وللخبرة الشخصية أكثر مما تُمنح للشعارات المؤسسية. وإذا كانت المؤسسات التقليدية تملك القوة المالية، فإن الصحفيين المستقلين يملكون قوة الثقة، وهي شكل لا يقل تأثيرا من رأس المال في العصر الرقمي. قد تستمر المؤسسات الكبرى، لكنها لن تبقى مهيمنة بلا منازع؛ وستضطر في نهاية المطاف إلى مراجعة نماذجها التحريرية وعلاقاتها بموظفيها وجمهورها.
غير أن توسع الصحافة الشخصية كشف جانبا أكثر إشكالية في هذا التحول: تراجع الضوابط المهنية التي كانت (ولو نظريا) تحكم العمل داخل غرف الأخبار. فالصحافة الشخصية تضع الفرد في المركز، لا المؤسسة التحريرية، وغالبا ما يعني ذلك العمل دون تدقيق منهجي للحقائق، أو مراجعة زملاء، أو آليات مساءلة داخلية. كثير من الصحفيين المستقلين يعملون بنزاهة ويقدمون أعمالا مؤثرة، لكن غياب الإشراف التحريري يفتح المجال للأخطاء والانحياز والتسرع في النشر، لا سيما في بيئة رقمية تكافئ السرعة والإثارة والانتشار أكثر مما تكافئ الدقة.
والأكثر إثارة للقلق هو أن بعض الفاعلين تحت شعار الصحافة الشخصية يتجاوزون حدود تقديم وجهات نظر بديلة إلى تشويه الأحداث وطمس الفاصل بين الرأي والحقيقة. هذا السلوك لا يربك الجمهور فحسب، بل يضعف الثقة بالصحافة ككل. فبدلا من مساءلة السلطة أو كشف السرديات المهيمنة، تتحول بعض المنصات إلى أدوات تسجيل نقاط أيديولوجية أو شعبوية، يُدافع فيها عن التضليل بوصفه "حرية تعبير". والضرر هنا لا يقتصر على مصداقية الإعلام التقليدي (حتى عندما يحافظ على معاييره المهنية) بل يمتد إلى إيمان الجمهور بفكرة الصحافة ذاتها. وهنا تكمن المفارقة الجوهرية للصحافة الشخصية: فهي قادرة على كسر احتكارات المعلومات وإبراز حقائق مهمّشة، لكنها—من دون انضباط أخلاقي ومسؤولية مهنية—قد تعمّق فوضى المعلومات بدلا من أن تتحداها.
في المحصلة، ما نشهده ليس هجرة عابرة، بل إعادة هيكلة جذرية للبيئة الإعلامية. الصحفي الذي يهرب من البيروقراطية يبحث عن الحرية؛ والجمهور الذي يتبعه يبحث عن الصدق؛ والمؤسسة التي تخسر الاثنين مطالبة بمواجهة نقاط ضعفها. قد لا يكون الاستقلال الاقتصادي مضمونا للجميع، وقد تواصل المنصات الكبرى التأثير في ديناميات السوق، لكن الصحافة الشخصية أصبحت واقعا لا يمكن إنكاره—واقعا سيشكل مستقبل الإعلام، سواء كبديل جزئي أو كقوة ضغط تدفع المؤسسات إلى الإصلاح.
#نبهان_خريشه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟