أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - عبد الحسين شعبان: المفكر العربي















المزيد.....


عبد الحسين شعبان: المفكر العربي


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 15:11
المحور: قضايا ثقافية
    


د. فرهاد محمد
رئيس تحرير مجلة گولان - Gulan وعضو قسم الثقافة والإعلام للحزب الديمقراطي الكردستاني.

أسلوب القراءة النقدية هو أفضل أسلوب للحديث عن الفكر والمفكرين وتقييمهم، وهو ما يعادل الورقة النقدية التي تحدد قيمة الشيء وكرامته، وينبغي أن أعترف من البداية بأنني لا أملك ذلك النقد لتحديد القيمة الفكرية للمفكر الكبير عبد الحسين شعبان الذي تبرع بمكتبته الخاصة لجامعة اللاعنف اللبنانية، لذا فإنني أقرؤها فقط من وجهة نظر الصحافة الكردية، ويتمتع كاتب هذه السطور بتجربة ثلاثين عاماً من المعرفة مع هذا المفكر والعديد من المفكرين العرب الآخرين الذين عملوا فعلاً من أجل الحوار الكردي - العربي، وبذلوا جهوداً مضنية في هذا المجال، ونحن كشعب كردي نكنّ لهم كل الاحترام ونفتخر بهم.
بعد انتفاضة عام 1991 التي شارك فيها عموم الشعوب العراقية بما في ذلك إقليم كردستان، فقد أعاد نظام البعث السابق وللأسف السيطرة بالقوة على المحافظات الوسطى والجنوبية، كما احتل جيش البعث مرة أخرى محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، وبسبب قيام معظم مواطني هذه المحافظات الثلاث بمغادرة مدنهم ووصلوا إلى حدود الدول المجاورة، وعددهم أكثر من مليون نسمة، أحدث ذلك كارثة إنسانية كبيرة هزت الرأي العام العالمي، واضطر المجتمع الدولي إلى إصدار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688، ووفق هذا القرار فقد تم تحديد منطقتي حظر الطيران، الأولى تمتد من الشمال ومن حدود الدول الثلاث «تركيا، سورية، إيران» إلى خط 36، وتم تحديد منطقة حظر الطيران لمحافظات إقليم كردستان، أما في الجنوب فلاحقاً تم تحديد منطقة حظر الطيران من خط 32 للمحافظات الجنوبية حتى حدود الخليج، ولم يتم تنفيذ منطقة حظر الطيران للمحافظات الجنوبية، وبسبب قيام نظام البعث السابق بسحب مؤسساته من المحافظات المذكورة، لذا قررت الجبهة الكردستانية إجراء انتخابات حرة لسد هذه الثغرات الإدارية، وكان ذلك عاملاً لتشكيل إقليم باسم «إقليم كردستان» كأمر واقع، وأصبح له برلمانه الخاص وحكومته المحلية، وبصيغة أكثر تحديداً فقد تم تحرير جزء من العراق من الدكتاتورية وحكم نظام البعث السابق، ويعتبر ذلك تحولاً كبيراً في تاريخ تأسيس الدولة العراقية على مستوى العراق والمنطقة.
أصبح تأسيس إقليم كردستان كجزء من «العراق الحر» مكاناً آمناً لعموم قوى المعارضة العراقية وجميع المفكرين والمثقفين داخل العراق وخارجه، وفي هذه البيئة الجديدة، طُرحت مرة أخرى عام 1992 فكرة إعادة تفعيل «الحوار العربي - الكردي»، يُذكر أنّ الزعيم الكردي مصطفى بارزاني دعا عام 1943 وفي بداية ثورة بارزاني الثانية، إلى «حوار كردي - عربي» جاء ذلك في رسالة تاريخية بعثها إلى السياسي العربي المصري عبدالرحمن عزام باشا، ومن ثم وخلال ثورة أيلول تواصلت الجهود لتعزيز هذا الحوار، وبخاصة مع العرب الشيعة، بين الزعيم مصطفى بارزاني وسماحة آية الله محسن الحكيم، وبعد اتفاقية آذار 1970، أُعيد رفع الشعار المعروف الذي نصفه كردي ونصفه عربي: «هەربژی كرد وعەرەب رمز النضال» (وهي أغنية من شعر زاهد محمد وألحان وغناء أحمد الخليلي - 1959).
إحدى الشخصيات البارزة في تفعيل الحوار العربي - الكردي المفكر العربي الكبير عبد الحسين شعبان، الذي مهّد لعقد أول «مؤتمر للحوار العربي-الكردي» في لندن (1992)، ثم شارك بفاعلية في المؤتمر الثاني الذي انعقد بالقاهرة (1998)، واستمر عقد تلك المؤتمرات فيما بعد في الأردن وتونس وغيرها، إضافة إلى إقليم كردستان.
تتجاوز دائرة هذا الاهتمام في فكر عبد الحسين شعبان بـ»الحوار العربي - الكردي» أكثر من أنه مجرد الحوار بين العرب والكرد، فقد تم استخدام كلمة «كردي» في هذا العنوان كمرادف لإقليم كردستان العراق، هذا الحوار هو مع كافة القوميات والديانات المختلفة في كردستان، بما في ذلك الكرد والتركمان والكلدان والسريان والآشوريون، بالإضافة إلى الديانات مثل الإسلام بمذهبيه الشيعي والسني والنصارى والأزديين وغيرهم.
وكما رأينا فإن هذا المفكر دافع عن حقوق جميع ضحايا إرهابيي داعش بشكل عام والإخوة النصارى بشكل خاص، وهنا أحاول تقسيم هذا الموضوع إلى عدة محاور:
الحوار العربي-الكردي كعامل لبناء سلام دائم:
منذ قيام الدولة العراقية في العشرينيات من القرن الماضي، لم تكن هناك صراعات قومية ودينية بين الشعبين الكردي والعربي وجميع مكونات الشعوب العراقية، وفي عام 1943 أوضح الزعيم مصطفى بارزاني هذه الحقيقة لعبدالرحمن عزام باشا وكتب له: «إن ثورتنا ليست حرباً ضد الأمة العربية، بل هي ثورة ضد النظام الذي يضطهد الكرد والعرب معاً»، إن هذه السطور تحولت بعد اندلاع ثورة أيلول 1961 إلى شعار الثورة «الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان».
وكان من بين النخبة والمثقفين العرب العراقيين وفي الوطن العربي العديد من الشخصيات البارزة التي كان لها نفس القناعة بعدم وجود تعصب ديني أو قومي بين المكونات العراقية، ولكن ما هو موجود ومنذ قرن هو أنه لم يشهد العراق استقراراً وسلاماً، وكل ثروات هذا البلد ذهبت للسلاح ودُمر به الوطن في حروب أهلية، هذه هي سياسة ورغبة الأطراف والقوى السياسية، التي تسعى للبقاء في السلطة بالقوة والقمع.
نفهم من خلال فهم الأستاذ شعبان لأهمية الحوار العربي-الكردي من وجهة نظرنا «الصحافة الكردية»، أنه لا وجود لأية مشكلة بين عموم الشعوب العراقية في فكر هذا المفكر، وبخاصة بين الشعبين الكردي والعربي، إذا أردنا حلها عن طريق الحوار، بل هو في الأساس وكما تم إنشاء العراق بالقوة وبإرادة الإنجليز، وتم إنشاؤه بطريقة لا يشهد معها الاستقرار والسلام، وعلى نفس المنوال فقد نشأت مشكلة بين مكونات المجتمع العراقي وبخاصة بين الكرد والعرب.
إن هذه المشكلة المصطنعة تتطلب أن يتحول مستوى الحوار «من المستوى السياسي ويتوسع إلى مستوى نخب ومثقفي كل العراق»، هذا التفكير للأستاذ شعبان هو الذي يقصد به «المشكلة الكردية في العراق»، علماً بأنه يشير إلى حقيقة هي أن لا وجود لهذه المشكلة على المستوى الشعبي لدى القوميتين «الكردية والعربية»، لذلك يجب أن يكون هناك حوار صريح ومستمر بين النخبة والمثقفين من الجانبين، من أجل أن تتحول «إدارة الأزمة -conflict management الى تحول الأزمة- conflict transformation»، وهاتان العمليتان مختلفتان كثيراً من حيث الآلية والمضمون، ففي العملية الأولى «إدارة الأزمة»، ميزان القوى يحدد الحل، وهذا يعني أن المشكلة تبقى كما هي، ولكن ميزان القوى يفرض نوعاً من وقف إطلاق النار، أما في الطريقة الثانية، فإن «تحول الأزمة»، أي التفاهم والحوار الصريح بين مختلف المكونات في الوطن، يخلق أرضية متينة للمصالحة والسلام الدائم الذي لن يفكر فيه أي طرف بالعنف والتعصب الديني والقومي ضد الطرف الآخر.
الأستاذ شعبان يريد أن يقول لنا وبنفس أسلوب فلسفة إيمانويل كانت: إنه «لن يكون هناك سلام واستقرار في هذا الوطن الذي يسمى العراق إلا إذا وضعنا حداً لعقلية التعصب والتطرف، ولن يكون هناك تعايش في هذا الوطن إذا لم نؤمن بوجود الآخرين وحقوقهم، ولن تتم حماية كرامة الإنسان في هذا الوطن إذا تم التعامل مع الديانات والمذاهب المختلفة خارج نطاق العقل».
هذا الفهم الكبير للتعايش بين مختلف الشعوب والديانات، والتسامح تجاه الآخر يعيدنا إلى فهم فولتير الكبير للتسامح الذي يقول: «التسامح يعني الاعتراف بأنني كنت مخطئاً، وليس المقابل».
وفي هذا السياق فإن رسالة الأستاذ شعبان ليست فقط للكرد والعرب على أن يكونوا قادرين على التسامح بعضهم مع بعض، بل موجهة إلى جميع المكونات المختلفة في العراق، حيث لا توجد في الأساس أية مشكلة، بل هناك مشكلة مصطنعة منذ عقود، تتطلب منا التسامح بيننا، حيث لم يتم فهم السبب الرئيس للمشكلة حتى الآن، وهو التعصب القومي والديني التي خلقتها الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة.
الوجود في هذا الوطن.. إعادة تعريف القومية والدين:
عندما نتصفح تاريخ الدولة العراقية، نجد أن تاريخها كباقي دول العالم، يحتوي على عدد من «الصفحات السوداء والدموية»، ومن ثم لا يمكن الادعاء بـ»أن ما حدث قد حدث وعفا اللە عمّا سلف»، وذلك لأن أحداث التاريخ لا تفنى وتبقى حية إذا لم نحدد من الأساس أسباب هذه المشكلات ولم نحاول حلها معاً، فمنذ 85 عاماً ترفض الولايات المتحدة بعد إعلان بيان الاستقلال جميع أشكال العبودية، والعبودية كانت موجودة فعلاً، اكتشف أبراهام لنكولن أعظم جريمة في التاريخ الأمريكي وعمل عليها، بمعنى «الكفر الأساس لأمريكا: العبودية وإرث تفوق البيض الكبيرة»، وأنهى نظام العبودية، وهكذا أعاد للعبيد معنى «الوجود».
وفي تاريخ الدولة العراقية، إذا كانت هناك محاولة لتصحيح صفحات التاريخ السوداء، فإنها لم تنجح، لأن الجهود كانت «سياسية»، وكانوا يبحثون عن حلول سياسية وليس عن حلول جذرية، وإضفاء المعنى بوجود هذا الوطن كوطن للجميع، وإضفاء المعنى بوجود الشعب العراقي كصاحب لهذا الوطن.
لقد كانت جهود الأستاذ شعبان وتفكيره في المفاهيم التي تصبح أساساً لقبول البعض الآخر، هي من وجهة نظر هذا الموضوع البحث عن إجابة سؤال «كيف للوجود معنى؟». هذا السؤال كما يقول هايدكر موجه إلى كل شيء، أي «السؤال عن الشيء»، وفي فكر الأستاذ شعبان فإن هذا السؤال موجه إلى كافة جوانب المجتمع وإلى معنى وجود الوطن.
إذا نظرنا إلى وطننا العراق، نجد أنه موجود كعضو في منظمة الأمم المتحدة، لكنه ليس موجوداً كدولة قومية «Nation State» حديثة ذات سيادة، وعلى سبيل المثال، كنا رسمياً خاضعين للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حتى عام 2010، ومنذ عام 2003 توجد في العراق بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (اليونامي)، ويتم تجديد مهامها كل عام، لأن الوضع في العراق لم يعد إلى طبيعته بعد، وهذا يعني أن «العراق موجود كدولة ولكنه ليس له وجود».
وعلى صعيد الوطن العربي من «المحيط إلى الخليج» والذي سمي الوطن العربي وتُعرّف جغرافيته بأنها قلب كوكب الأرض، فهو موجود كجغرافيا، ولكنه ليس له وجود كوطن عربي، فنحن نشهد الهجمات الإسرائيلية الوحشية على غزة، والتي تدمّر المستشفيات والمدارس على الأطفال، لكن لا توجد قوة تسمى الوطن العربي.
ويحاول الأستاذ شعبان إعادة تعريف وجود العرب كأمة في خضم هذا الواقع المرير، ويثير تساؤلاً: «لماذا أصبحت الأمة العربية غريبة عن تراثها ودينها؟ لماذا نشعر الآن بأن هذه الأمة العظيمة، التي كانت لديها حضارة وإمبراطورية منذ آلاف السنين، معزولة بشكل من الأشكال عن بقية العالم؟ ما الذي جعل الأمة العربية تتراجع يوماً بعد يوم؟». وفي محاولاته للإجابة عن هذه الأسئلة، فقد عمل بشكل مكثف على «الهوية»، وحاول في هذا المشروع أن تكون للأمة العربية هويّتها، بحيث تكون قادرة على التكيّف مع شعوب العالم الأخرى ومع الوضع الجديد للتقدم التكنولوجي وأن تتّمتع بالابتكار والتقدم.
وعلى صعيد التعصب الديني والمذهبي الذي يسود المنطقة كلها والوطن العربي، وصل إلى حد تطهير بعضهم البعض على الهويّة الدينية والمذهبية، وأدت كذلك إلى «الإبادة الجماعية»، ويتساءل الأستاذ شعبان: لماذا يجب أن تصل الاختلافات الدينية والمذهبية إلى درجة يقوم فيها طرف بتطهير الطرف الآخر؟ ما العوامل التي تنتج الفكر المتطرف والإرهابي مثل داعش؟ كيف يطرأ التغيير على هذا الوضع وإعادة بناء ثقافة اللاعنف؟
في الإجابة عن تلك الأسئلة إلى جانب كونه أستاذاً في جامعة اللّاعنف، يعمل على نشر ثقافة اللاعنف والتسامح والسلام على الصعيد العربي، بل على الصعيد العالمي أيضاً، وكان قد قرر وضع مكتبته الكبيرة في خدمة الباحثين والطلبة للاستفادة منها.
ونحن الصحفيين كيف نقرأ هذا الفكر السامي للأستاذ شعبان وماذا ننهل منه؟
رداً على هذا السؤال نقول:
يعلّمنا أن بداية حل أي مشكلة تبدأ بحسن نية السلام والتخلي عن نوايا الحرب.
يعلّمنا أنه لا توجد أمة تتفوق على أخرى، ولذلك فهو يصنف الأمم جنباً إلى جنب، وليس من الأعلى إلى الأسفل.
يعلّمنا أن الدين «كل الأديان»، والمذاهب داخل الأديان «أي دين»، هي الأساس الأخلاقي لتنظيم المجتمع، فلا يرفضها العقل ولا يفضّل ديناً على آخر، ولذلك فإن الاختلاف الديني والمذهبي يمكن أن يكون سبباً لقوة المجتمع، وليس سبباً للحرب والدمار.
كان الهم الأكبر للأستاذ شعبان في مجمل هذه الأفكار حول أهمية معنى «الوجود»، هو حب وطنه، وهو العراق، ويرى أنّ العراق بلد نموذجي على صعيد الشرق الأوسط والمنطقة، فهو مهد الحضارة وفسيفساء التعايش بين القوميات والديانات المختلفة، ولذلك فإنّ الطريقة الوحيدة أمام العراق لكي يعيد معنى «الوجود» كدولة يجب أن تحترم حقوق الكرد كأمة تعيش فوق أرضها أيضاً، وأنْ يكون لمكونات العراق المختلفة وجود في مناطقها، فعندما يتم خلق هذا الوجود، سيكون لهوية الشراكة الوطنية وجود حقيقي، وسيكون للعراق الوجود كدولة نفتخر بها جميعاً.
المصير المشترك ومستقبل هذا الوطن:
كما قال ميشيل فوكو، لو جمعنا الفكر الإنساني كله في جملة واحدة، يصبح ذلك إجابة عن هذا السؤال البسيط: «كيف يمكننا أن نجعل من الفلسفة فن إدارة الحياة؟»، أو بعبارة أخرى يسأل: «لماذا تعتبر الشجرة، أو المصباح، أو الكرسي موضوعاً للفن، لماذا لا نحوّل الفلسفة إلى فن للحياة؟».
إنّ هذه البداية تقودنا إلى القول إن «الفكر أو المفكر» في أفكاره ومشاريعه هدف واحد: كيف يحوّل هذا الفكر إلى فن وينظم به حياة أمته ووطنه.
وفي هذا الإطار، كرّس الأستاذ شعبان كل تفكيره ومشاريعه الفكرية وحضوره في المؤتمرات الفكرية والسياسية لجعل «الفكر» أساساً لإعطاء معنى لـ»الحياة»، وكذلك لجعل «الفكر» أساساً لحل المشكلات، ومع أن إطار هذا التفكير واسع وينبع من الإنسانية، إلا أن الهدف هو إحلال الأمن والاستقرار في العراق والشرق الأوسط والوطن العربي وإنهاء الحروب والصراعات ليحلّ فيها السلام، ولكننا سنؤكد هنا فقط جانب «فكر» الأستاذ شعبان الذي يريد أن يصبح الفكر هو الأساس لحل كافة المشكلات في العراق والتعايش السلمي الأخوي بين كافة الشعوب والديانات المختلفة.
النقطة الأساسية في فكر الأستاذ شعبان بالنسبة لـ»الوطن» هي أن الوطن قدر لجميع مكونات العراق المختلفة، مما يعني أننا ككرد وعرب وعموم المكونات المختلفة لا نعرف لماذا نعيش في وطن يسمى العراق، على سبيل المثال لو سقطت الموصل في أيدي فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى بموجب اتفاقية سايكس بيكو وأصبحت جزءاً من سورية، لكنّا سوريين أو لم نكن عراقيين، وعلى نفس المنوال لو كانت الموصل تمنح إلى تركيا، لأصبحنا ككرد أتراكاً، ولسنا عراقيين. وبينما الجغرافية هي نفسها، ولكن الأسماء ستتغير، وينطبق الشيء ذاته على العرب السنة والشيعة.
إذن عندما يكون الوطن «قدراً» للمكونات المختلفة في الوطن الواحد، فإن هذا القدر يجمعهم في مصير مشترك، هذا تماماً مثل ركّاب السفينة الذين قد يحملون هويّات قومية مختلفة، لكن لهم نفس المصير في السفينة، وإذا غرقت السفينة فسيغرقون جميعاً ولا يُنقذون.
يرى البروفيسور شعبان في هذا الإطار أنه يجب أن تكون سلامة السفينة همنا جميعاً، عندما يقع العراق كدولة في زوبعة بحر السياسة الدولية، ولا تسأل الزوبعة هذا كردي أو عربي، سني أو شيعي، وعلى سبيل المثال، عندما احتل نظام صدام حسين الكويت، قصف التحالف الدولي العراق بأكمله، وقتل من جميع القوميات والديانات على حد سواء، بعد ذلك عندما فُرض الحصار على العراق، تم فرضه على جميع مواطني العراق بمن فيهم مواطنو إقليم كردستان، الذين لم يكونوا تحت سيطرة نظام البعث، ولكن كجزء من العراق، كان الحصار الدولي يلاحقه أيضاً.
إذن يخبرنا الأستاذ شعبان في هذا الإطار أن الوطن «في السراء والضراء» يجمعنا «القدر» في مصير مشترك واحد، بل وأكثر من ذلك إذا كانت هناك حروب ومشكلات على المستوى الداخلي، وهذا لا يعني أنه إذا كانت الحرب والمشكلات موجودة في جزء من العراق فإن الأجزاء الأخرى ستكون هادئة ومستقرة، ولن تؤثر على الأماكن الأخرى من العراق، وقد شهدنا التجربة المريرة للحرب بين الأنظمة العراقية والثورات الكردستانية. صحيح أن الجيش العراقي حارب البيشمركة في كردستان، ولكن كان كل أبناء العراق من الكرد والسنة والشيعة جنوداً حيث أصبحوا وقوداً لتلك الحرب.
إن رسالة الأستاذ شعبان لمستقبل هذا الوطن وفق هذه الخلفية التاريخية المريرة للعراق كدولة، هي أنه من المهم أن تغيّر جميع المكونات العراقية «طريقة تفكيرها»، وذلك لأن محاولة خلق حقبة جديدة، يسمونها في أوروبا «الحداثة»، لم تكن شيئاً آخر إلا تغييراً في «طريقة التفكير».
وبعد سقوط النظام السابق في عام 2003، تهيأت أرضية للمعارضة العراقية من أجل التفكير في عراق جديد وإنهاء تاريخ الحرب وسفك الدماء، شاركوا معاً في كتابة دستور وصوّت عليه الشعب العراقي في عام 2005، وللأسف تم اتباع الطريقة القديمة عند تنفيذ الدستور الجديد، ولم يتمكن من تغيير هذه الطريقة، ولذلك فإن نظام البعث قد انتهى منذ أكثر من 20 عاماً، ولكن على الرغم من أن العراق دولة غنية ويبيع حوالي 4 ملايين برميل من النفط يومياً، إلا أنه لا تزال هناك بعض الخدمات الأساسية يحرم منها المواطنون مثل «مياه الشرب والكهرباء». فإذا جعلنا من تفكير ونهج فكر الأستاذ شعبان نبراساً ينير الطريق لاتخاذ الخطوات لحاضرنا وللمستقبل، يتضح لنا:
اتفاق جميع العراقيين، بغض النظر عن القومية والدين والمذهب، على مبدأ «اللّاعنف»، وهو ما يعني طيّ صفحة ونية الحرب وإحلال نية الخير والسلام محلّها.
الإيمان والاعتراف بحقوق ووجود الآخر، وهذا يعني أنّ الآخر: كردي أو تركماني أو كلداني أو سرياني أو آشوري أو عربي أو من مذاهب مختلفة مثل السنة والشيعة، فإنه يجب من منظوره أن تكون حقوقه ووجوده معترفاً بها ومثبتة.
أن تختار جميع القوميات والديانات العراقية المختلفة هويّة مشتركة «للعراقية» ضمن ثقافاتها المتنوعة، وهذا يعني أنه ينبغي أن لا تكون هوية «العراقية» مبنية على هويات فرعية عرقية ودينية أخرى وبالعكس.
إنّ نقطة الخلاف بين مكونات العراق خُلقتْ وهي غير موجودة أساساً، ولذلك يمكن القول إن كل الخلافات بين مكونات العراق المختلفة هي نقاط مشتركة بينها أواصر قوية ومترابطة، وأصبح مثل هذا الترابط نقطة قوّة للعراق كدولة، وللعراق كوطن مشترك، وأرضية متينة لإعادة بناء العراق بسرعة كبيرة.
أخيراً، أود أن أقول وفي ضوء فكر الأستاذ شعبان: إن هناك قناعة لدى السياسيين من مختلف المكونات في العراق «الشيعة والكرد والسنة» في العملية السياسية الحالية، بأن الطريقة الوحيدة لحل جميع المشكلات والقضايا العالقة هي قبول المبدأ الذي أسماه الأستاذ شعبان مبدأ» اللّاعنف»، لخلق فهم جيد ووعي جديد، في إطار منظومة خطوات وقوانين وإجراءات وأنظمة لوضع حلول للمشكلات المطروحة سلمياً بصورة متدرّجة وأفق مستقبلي على أساس احترام متبادل لحق تقرير المصير والمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، ولاسيّما إذا استخدمنا الفلسفة كفن للحياة، حسب ميشيل فوكو، وهكذا يمكن أن يكون مبدأ «اللاعنف» فناً للعراق، لإعادة بنائه وتنميته وإسعاد مواطنيه وفقاً لقيم المواطنة المتساوية والمتكافئة وأساسها الحريّة والمساواة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية بحدّها الأدنى والشراكة والمشاركة، وكما يقول شعبان: «نحن شركاء في الوطن وينبغي أن نكون مشاركين باتخاذ القرار»، حينذاك نستطيع أن نفتخر بأننا ننتمي للعراق المتعدّد الثقافات والمتنوّع الانتماءات القومية والدينية واللغوية والسلالية، وطناً لنا جميعاً.
هذا ما رصدناه من مساهمات وكتب ودراسات عبد الحسين شعبان في الصحافة الكردية، التي لم يغب عنها منذ أكثر من 3 عقود من الزمن، وهو حاضر معنا في همومنا ومشكلاتنا، وشريك لنا في تطلّعاتنا وآمالنا كصديق وفيّ لشعبنا الكردي نعتزّ بصداقته ونقدّر مواقفه النزيهة حقّ التقدير، فقد كان إلى جانبنا في السرّاء والضرّاء.

- مساهمة الأستاذ فرهاد محمد في كتاب جمر الحروف الذي صدر عن دار سعاد الصباح تكريمًا لدكتور عبد الحسين شعبان في يوم الوفاء 2024.



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يكون الكاتب ضنينًا باسمه
- الأديان: الشجرة والأغصان
- من أوراق نوري عبد الرزاق: البريسترويكا والغلاسنوست
- إسرائيل شاحاك: حين تتحوّل المعاناة إلى معنى
- عن قلمٍ اسمُه عبد الحسين شعبان
- من أوراق نوري عبد الرزاق: الغزو السوفيتي لأفغانستان
- هل استقالت الأمم المتحدة من دورها؟
- المنبع والرؤية .. مقابسات الروح حين تكون المعرفة مُتعة - تقا ...
- مراجعات المثقف النقدي
- من أوراق نوري عبد الرزاق: مقتل يوسف السباعي
- إسرائيل -العُظمى-... ولكن!!
- من أوراق نوري عبد الرزاق: المطرود من بريطانيا لاجئًا في مصر
- عن أية سيادة يتحدثون؟
- عيون من يوميات نصف قرن
- ما جدوى الكتابة؟
- التويجري بنّاء الجسور
- فخاخ إبستين الكوموتراجيدية
- عبد الحسين شعبان: زمن فلسطين والثقافة العربية
- الإعلام في عالم يتشكّل
- حسن عوينه - نجم شيوعي يضيء عبوس الأيام


المزيد.....




- مصور عراقي يستكشف المعالم التاريخية المطبوعة على العملة العر ...
- فيديو متداول لـ-كمين حزب الله لقوات إسرائيلية في جنوب لبنان- ...
- بعد تصريحهم بدعم الاستيطان خلال احتجاز فريق CNN.. الجيش الإس ...
- قطر: موقف الخليج -موحّد- بالدعوة إلى خفض التصعيد وإنهاء الحر ...
- خدمات الطوارئ تستجيب لحريق في وسط إسرائيل بعد هجوم صاروخي إي ...
- الصين تؤكد عبور ثلاث سفن مضيق هرمز.. وبكين تعبّر عن امتنانها ...
- -ليس أمام العالم سوى التفاوض مع الإيرانيين- - مقال في الفينن ...
- ترامب يحث الدول على التوجه إلى مضيق هرمز و-السيطرة عليه-
- القضاء الفرنسي يرفض طلب نادي كارديف سيتي تعويضا بـ 120 مليون ...
- عائلات في غزة تستقبل أطفالها العائدين من مصر بعد غياب لأكثر ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - عبد الحسين شعبان: المفكر العربي