|
|
من أوراق نوري عبد الرزاق: المطرود من بريطانيا لاجئًا في مصر
عبد الحسين شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 21:21
المحور:
الارشيف الماركسي
يواصل د. عبد الحسين شعبان تقليبه وتنقيبه في أوراق نوري عبد الرزاق المثقّف الرؤيوي الكبير والمجدّد المستنير كما يسمّيه، وهو أحد الشخصيات الشيوعية البارزة، التي احتّلت مواقع دولية عليا بجدارة كبيرة في ظروف الصراع الدولي المحتدم بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، ونال في العام 1974 وسام لينين. وتحتوي المذكرات على معلومات مهمة مثلما تكشف عن رؤية قيمية وإنسانية، يحاول صديقه شعبان إبرازها في مسعى منه لقراءة تاريخنا المعاصر بروح منفتحة ومنهج موضوعي، من خلال المساهمين في صنعه أو المشاركين فيه أو الشاهدين عليه. ويمثّل هذا الجهد الأكاديمي الثقافي المعرفي التاريخي الذي يقوم به شعبان، وهو مفكّر مرموق وباحث رصين منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن، زادًا غنيًا للباحثين ومادةً مهمة للدارسين لتحويل الذاكرة الشفوية إلى إحدى مصادر التاريخ بعد تدقيقها وتأطيرها وتنسيقها وإبعادها عن الغرض لتتواءم مع الوقائع والوثائق التاريخية. هيئة تحرير الوطن الجديد
وصل نوري إلى القاهرة في أيلول / سبتمبر 1956، بعد أن تمّ طرده من بريطانيا بسبب معارضته لحلف بغداد، وبعد فترة قصيرة حدث العدوان الثلاثي الإنكلو – فرنسي الإسرائيلي (29 تشرين الأول / أكتوبر 1956) على مصر، بحجة تأميم قناة السويس، أما الهدف الحقيقي فهو إسقاط النظام التحرّري في مصر. ويقول نوري أن قيادة عبد الناصر ساهمت في إلهام الشعب المصري ومقاومته للعدوان، وخصوصًا بعد الإنزال البريطاني – الفرنسي في بور سعيد؛ وهكذا تغيّر المشهد السياسي بعد أن وجّه بولغانين، رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي في حينها، إنذارًا بضرب المدن البريطانية بالصواريخ إذا لم يتوقّف العدوان خلال إثني عشر ساعة، بالإضافة إلى موقف الرئيس الأمريكي أيزنهاور المعارض للعدوان، وتدريجيًا بدأت الأمور تتّخذ منحىً آخر، فانسحبت القوّات المعتدية، واضطّرت إسرائيل تحت الضغط الأمريكي إلى سحب قوّاتها من سيناء إلى الحدود الدولية.
تأثير باندونغ يقول نوري: كانت هزيمة العدوان الثلاثي سببًا في نهوض جماهيري في عموم العالم العربي، وكان انتصار مصر بدايةً لأفول الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وساهم كذلك في انتعاش الحركة التحرريّة في آسيا وأفريقيا، خصوصًا وأنه جاء بعد مؤتمر باندونغ (إندونيسيا – 1955)، حيث وقفت الدول الأعضاء في المؤتمر خلف عبد الناصر معنويًا وسياسيًا، وخصوصًا في الأمم المتحدة، وانفتح المعسكر الاشتراكي على مصر، وبرزت القومية العربية كقوّة معنوية تُلهم الشعوب العربية وتمنحها الثقة بنفسها وبإمكانية تحقيق الانتصار على قوى الاستعمار والعدوان. ومن ذكرياته مع المثقفين المصريين يقول نوري: في تلك الأثناء صدرت جريدة المساء، وهي منبر جمع عددًا من الشخصيات الوطنية والتقدمية واليسارية، وكان رئيسًا لتحريرها المناضل اليساري عضو مجلس قيادة الثورة خالد محي الدين، ومن محرريها الأساسيين د. عبد العظيم أنيس (صديق نوري من لندن وعاد بعد العدوان مباشرة) ولطفي الخولي ومحمد عودة وسعد تايه وفتحي عبد الفتاح وفيليب جلاب واسماعيل المهدوي وأمير إسكندر وليلى الجبالي وأنور عبد الملك وفاروق منيب ومحمود أمين العالم وحسن حاكم، وفي الوقت نفسه ترأس تحرير جريدة الشعب عبد الرحمن الشرقاوي، الذي سيصبح لاحقًا سكرتيرًا عامًا لمنظمة تضامن الشعوب الإفريقية الآسيوية. ويبدي نوري إعجابه الشديد بقاهرة الخمسينيات فيقول: كانت القاهرة مدينة تجمع ما بين الأصالة الشرقية والتمدّن العربي، وكان وجود الجاليات اليونانية والإيطالية يُضفي عليها لمسة جمالية خاصة، وكنّا نلتقي في مقهى ريش مع العديد من الشخصيات اليسارية والشيوعية، حيث تدور العديد من المناقشات بيننا، بخصوص توحيد الحركة الشيوعية المصرية، وقد حضر عامر عبد الله من العراق وهو عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي لمساعدتها في تسوية خلافاتها، وعلى الرغم من تليين المواقف والاتفاقات الأولية، إلّا أنها سرعان ما كانت تخبو وتستمر الانقسامات المؤسفة.
تأسيس منظمة التضامن يقول نوري: توطّدت علاقة قيادة عبد الناصر مع حركة التضامن الأفرو – آسيوي، وعُقد في العام 1956 اجتماع ضمّ كلّ من جوزيف تيتو وجواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر، ووضع الاجتماع أسس حركة عدم الانحياز، وبدأت الأنظار تتّجه إلى تأسيس منظمة شعبية أفريقية آسيوية تعكس نهج باندونغ على المستوى الشعبي، وجرت اتصالات مع القيادة المصرية لكي تكون القاهرة مركزًا لهذه المنظمة، ووافق عبد الناصر على تشكيل لجنة تحضيرية مصرية برئاسة محمد أنور السادات في العام 1957، ضمّت شخصيات ثقافية وأدبية وفنيّة من مختلف الاتجاهات. وكان خالد محي الدين نائبًا لرئيس اللجنة والسكرتير العام لها يوسف السباعي (اغتيل في 18 شباط / فبراير 1978 في قبرص وكان حينها وزيرًا للثقافة، بسبب مرافقته للرئيس السادات في رحلته المشهورة إلى القدس 19 تشرين الثاني / نوفمبر 1977، وقد اتُهمت جماعة أبو نضال "صبري البنّا" باغتياله، وقد رويت ذلك بالتفصيل في كتابي الموسوم "الغرفة 46 – سرديات الإرهاب: خفايا وخبايا"، دار الرافدين، بيروت، 2022، وفي حواراتي مع نوري عبد الرزاق المنشورة في جريدة الزمان (العراقية) على ثلاث حلقات: الحلقة الأولى العدد 6545- 30/12/2019، الحلقة الثانية العدد 6546 - 31/12/2019 والحلقة الثالثة العدد 6547-6548 - 1-2/1/2020 )، كما ضمّت اللجنة كتّابًا كبارًا مثل نجيب محفوظ وطه حسين وإحسان عبد القدوس، ومن الفنانات والفنانين فاتن حمامة وأم كلثوم وصلاح ذو الفقار، ومن السياسيين فؤاد جلال الذي كان مسؤولًا من الاتحاد القومي، التنظيم الوحيد المرخّص له، بالإضافة إلى سكرتارية دولية تعمل جنبًا إلى جنب اللجنة التحضيرية، وفي 25 كانون الأول / ديسمبر 1957 ولغاية 1 كانون الثاني / يناير 1958 التأم المؤتمر الأفرو – آسيوي الدولي في القاهرة.
خلاف بعثي - شيوعي في تلك الأجواء المفعمة بالتفاؤل التي نتجت عن هزيمة العدوان الثلاثي على مصر، يقول نوري: كثّف البعثيون نشاطهم بإثارة خلافات جانبية، في حين كان الأمر يستوجب المزيد من التعاون والتنسيق والبحث عن المشتركات، حيث تمّ توزيع وثيقةً داخل أروقة المؤتمر مذيّلةً باسم ميشيل عفلق وجمال الأتاسي، اللذان حضرا المؤتمر، بعنوان "معركتنا مع الشيوعية المحليّة"، وحدث نوع من الاحتكاك والتصادم، وارتفعت شعارات "لا روبل ولا دولار"، وذلك في المؤتمر الافتتاحي الذي انعقد في جامعة القاهرة، في الوقت الذي كان الميل الأساسي إلى جبهة عدم الانحياز والحياد الإيجابي وأهداف مؤتمر باندونغ، وخصوصًا تحرير شعوب آسيا وأفريقيا.
الوفد العراقي كان الوفد العراقي إلى المؤتمر كبيرًا، وهو معارض للحكومة العراقية التي يترأسها نوري السعيد، وكان رئيس الوفد محمد حديد (الحزب الوطني الديمقراطي)، ومن أعضائه البارزين صدّيق شنشل (حزب الاستقلال) وحسين جميل (الحزب الوطني الديمقراطي) وعزيز شريف (الحزب الشيوعي)، والشاعر عبد الوهّاب البياتي (اليساري) وآخرين، وصادف وجود عامر عبد الله لتوحيد الحركة الشيوعية المصرية كما تمّت الإشارة إليه. وقابل الوفد الرئيس جمال عبد الناصر وشرح له أوضاع العراق، واقترح عبد الناصر قناة للصلة بالمعارضة العراقية، وأوكلت هذه المهمّة إلى عزيز شريف، الذي طلب من نوري مساعدته بها كما يقول، حيث كان مقيمًا بالقاهرة. يقول نوري: في هذه الفترة توطّدت علاقتي بالطلبة العرب، خصوصًا بصلاح خلف (أبو إياد)، ونُظّمت فعاليات مختلفة على هامش قيام الوحدة المصرية – السورية وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة (22 شباط / فبراير 1958)، لكن الخلاف بدأ يبرز رويدًا رويدًا بين الحركة الشيوعية وقيادة الجمهورية العربية المتحدة، بشأن قضية الحرّيات، ولاسيّما موضوع حلّ الأحزاب، وأخذ شكلًا عدائيًا بالتدرّج، خصوصًا بعد موقف الحزب الشيوعي السوري، الذي تحفّظ على بعض شروطها، أما غربيًا، وفي المعسكر الآخر، فقد تم إعلان قيام الاتحاد العربي الهاشمي العراقي الأردني في 14 شباط / فبراير 1958، كاتحاد كونفدرالي عشية قيام الوحدة المصرية – السورية واستباقًا لها. أما في العراق فبدأت الأوضاع تنضج ذاتيًا وموضوعيًا لتغيير النظام، حيث تشكّلت جبهة الاتحاد الوطني في 8 آذار / مارس 1957، وضمّت أربعة أحزاب هي: حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث والحزب الشيوعي، الذي عقد تحالفًا ثنائيًا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بسبب موقف حزب الاستقلال وحزب البعث الرافض لانضمامه إلى الجبهة. وعلى الرغم من أن ميثاق الجبهة لم يتطرّق إلى العلاقة مع الجمهورية العربية المتحدة، إلّا أن الحزب الشيوعي رفع شعار الاتحاد الفيدرالي حتى قبل ثورة 14 تموز / يوليو العام 1958، وهو ما جاء في خطاب سلام عادل (أمين عام الحزب) في ألمانيا الديمقراطية، وفي خطاب عامر عبد الله في مؤتمر الحزب الشيوعي البلغاري (قبل الثورة أيضًا). وكما نقل لي عامر عبد الله أنه وسلام عادل بلورا هذا التوجّه استنادًا إلى قراءتهما للتجربة المصرية – السورية، واحتمال انسداد آفاقها مستقبلًا، على الرغم من النهوض الذي أحدثته الوحدة ضدّ الإمبريالية ومشاريعها الاستعمارية.
- الحلقة المقبلة مقتل يوسف السباعي
#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عن أية سيادة يتحدثون؟
-
عيون من يوميات نصف قرن
-
ما جدوى الكتابة؟
-
التويجري بنّاء الجسور
-
فخاخ إبستين الكوموتراجيدية
-
عبد الحسين شعبان: زمن فلسطين والثقافة العربية
-
الإعلام في عالم يتشكّل
-
حسن عوينه - نجم شيوعي يضيء عبوس الأيام
-
من أوراق نوري عبد الرازق - مع الزعيم عبد الكريم قاسم
-
إنسانية وفكر
-
خبراء استراتيجيون: معركة إيران وأمريكا تكسير عظام
-
أعمدة الأمة الأربعة
-
من أوراق نوري عبد الرزّاق: -التاجر- سلام عادل في لندن
-
عبد الحسين شعبان: «هسهسات الضوء»
-
عدسة عن قرب على هسهسات عبد الحسين شعبان
-
مقدمة كتاب الأستاذ بسام ضو -غليان استراتيجي-
-
شعبان والماركسية النقدية العربية
-
مستعمرات الضوء بقلم عبد الحسين شعبان
-
كرد سوريا القديم والجديد: أثمة عِبرة؟
-
صوماليلاند صوماليلاند...حان الوقت
المزيد.....
-
تقديري وشكري للمنصات اليسارية والاعلامية: اكثر من 120 مقالا
...
-
الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي تستعد لاتخاذ كافة المبادرات ا
...
-
من أعلام الحركة العمالية المغربية: جرمان عياش
-
معارك العاملات والعمال في قطاع النسيج: التضامن بوجه الاستغلا
...
-
الناعم والمعروك..حلوى الفقراء ورمز رمضاني في دمشق
-
أبرز تطورات اليوم الأول للعدوان الصهيو- أمريكي على إيران
-
النصير الشيوعي العدد 44 السنة الرابعة آذار 2026
-
علي خامنئي.. مرشد إيران الذي صالَح بين عبد الناصر وسيد قطب
-
الولايات المتحدة/إسرائيل، أوقفوا أي تدخل في إيران ! لا تحرير
...
-
اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي: الرفيق حميد مجيد موسى
...
المزيد.....
-
كراسات شيوعية:مشاكل الحزب العالمي للثورة وإعادة بناء الأممية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نص محاضرة(نحوإعادة النظرفي مكانةتروتسكي في تاريخ القرن العشر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المهم هو تغييره .. مقدمة إلي الفلسفة الماركسية - جون مولينو
/ جون مولينو
-
مقالات موضوعية في الفلسفة الماركسية
/ عائد ماجد
-
كراسات شيوعية(الأممية الرابعة والموقف من الحرب ) ليون تروتسك
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الحزب الماركسي والنضال التحرري والديمقراطي الطبقي واهمية عنص
...
/ غازي الصوراني
-
حول أهمية المادية المكافحة
/ فلاديمير لينين
-
مراجعة كتاب (الحزب دائما على حق-تأليف إيدان بيتي) القصة غير
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
مايكل هارينجتون حول الماركسية والديمقراطية (مترجم الي العربي
...
/ أحمد الجوهري
-
وثائق من الارشيف الشيوعى الأممى - الحركة الشيوعية في بلجيكا-
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|