أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - ما جدوى الكتابة؟














المزيد.....

ما جدوى الكتابة؟


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 23:54
المحور: قضايا ثقافية
    


في الكثير من الأحيان، وفي خلوتي أسأل نفسي ما جدوى الكتابة؟ ومثل هذا السؤال ظلّ يواجهني في المقابلات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي تُجرى معي، فماذا تعني الكتابة لي بعد عشرات المؤلفات التي اشتغلت عليها عقودًا من الزمن؟ وهل ثمة تغيير ملموس نحو الأفضل؟ أم ثمة تقهقر وتراجع وانكفاء؟
ويتفرّع عن السؤال المحوري العديد من الأسئلة والتساؤلات؛ لماذا نكتب؟ وماذا بعد الكتابة؟ وإلى أين؟ وهل ثمة علاقة بين الكاتب ونصّه؟ وهل النصّ وجه آخر من وجوه الكاتب؟ أم أن النص سيرة كتابية للكاتب؟ وماذا تعني الكتابة؟ وما موقع الكتابة من الحقيقة؟ وما هو دورها في التغيير؟
وتلك الحزمة من الأسئلة والتساؤلات هي خلاصات لبعض الرسائل الإلكترونية التي تصلني من العديد من القرّاء والمتابعين شهريًا، ناهيك عن الحوارات الشخصية والصداقية التي غالبًا ما تكون ملح جلساتنا.
وأستذكر حوارًا دار بين شاعر العرب الأكبر الجواهري وبيني في ثمانينيات القرن المنصرم، إثر قراءته لمقالة كتبتها في مجلة الهدف الفلسطينية عن العدوان الإسرائيلي، فسألني: وماذا يفيد ما نكتب في حين أن العدو يتوغّل فينا وينتشر بيننا، في الوقت الذي ترتفع الأصوات وتلعلع وتتوعّد بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ وماذا بعد؟ وتوقّف عند قصة الأعرابي الذي صادفه قطّاع طرق، فصادروا ما عنده وما كان يحمله من متاع، ثم عاد إلى مرابعه بخفيْ حنين، وحين سُئل عن الذي حصل، فروى لهم ما حدث، وختم بالقول: أشبعتهم شتمًا وراحوا بالإبل؛ وهكذا ذهبت مثلًا يُقال ولا يُقاس.
فهل الكتابة ذات جدوى حين يغيب الفعل الملموس؟ وهذا سؤال قلق وليس سؤال طمأنينة لأنه ناجم عن أزمة، إذْ يمكنني القول إن الكتابة هي أول الطريق، فلا تغيير حقيقي دونها. فقد كانت الكتابة الممهّد الأول للثورة الفرنسية، وقد ساهمت مؤلفات فولتير "رسالة التسامح" ومونتيسكيو "روح الشرائع" وروسو "العقد الاجتماعي" في توفير البيئة الثقافية لنجاحها.
وبالطبع ثمة دوافع للكتابة:
أولها – إثبات الذات، وقد يكون ذلك أقوى الدوافع. وسبق أن قلت إن الكتابة دفاع عن النفس، ولا يوجد كاتب حقيقي لا يريد تأكيد ذاته وشخصيته بين الآخرين؛
ثانيها – إحساسه بالجمال، أي إدراكه قيمة الجمال، وعكسه إظهار القبح، ولعلّ لكلّ كاتب وجهة نظره بالجمال والقبح، مثلما هي بالخير والشر والعدل والظلم.
ثالثها – القدرة على التخيّل، وذلك بما له علاقة بصورة الواقع المتخيّلة إزاء الواقع المعيش؛
رابعها – الرغبة في رؤية الوقائع التاريخية وفحصها بما يخدم الحقيقة لتقديمها للآخرين، وفقًا للخلفيات الاجتماعية والثقافية لكل كاتب ورؤاه الفكرية؛
وخامسها – لكل كاتب دوافع فكرية وسياسية يستهدف من خلالها تغيير عادات الناس وأفكارهم وقيمهم، سواء على صُعد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الأدب والفن.
ووفقًا لجان بول سارتر: الكتابة وسيلة للتعبير عن الأفكار والمشاعر، وهي شكل من العمل للتأثير على العالم، في حين يعتبرها ألبير كامو واجبًا ومسؤولية، ويذهب فريدريك نيتشه لاعتبارها وسيلة للتعبير عن الذات وتحرير النفس. وهي عند غابريل غارسيا ماركيز تُدخل الفرح لدى الأصدقاء، أما الروائي جورج أرويل فيعتبر الكتابة الجيدة مثل زجاج النافذة، أي واضحة وشفافة تتيح للقارئ رؤية الأفكار بسهولة.
لذلك ينبغي أن تكون الكتابة واضحة وبسيطة ودقيقة، وتمتلك حسًا جماليًا، سواء بالسرديات أو الأدب والفن بشكل عام، فضلًا عن التاريخ والاجتماع والسياسة والاقتصاد والإدارة وعلم النفس وغيرها، وهذا ما أعتقده؛ وفوق كل ذلك لا بدّ من تميّزها بعنصر الامتاع والفائدة والجدوى، على الرغم من المشاكل التي تعترضها والمعاناة التي تصاحبها والمكابدات التي يواجهها الكاتب مثل اللغة والبناء والنشر والرقابة والتلقّي والقبول والتأثير، فضلًا عن المعنى والدلالة.
الجدوى من الكتابة حسب وجهة نظري هي التواصل الفعّال مع الآخر، القارئ، المختلف، المتفّق، القريب، البعيد، ومع جميع فئات المجتمع، إذا كان الكاتب يكتب للجميع، عابرًا للفئوية والمناطقية والإثنية والأديان، فبقدر عراقيتي، فأنا عربي ومشرقي ومسلم وإنسان كوني، وبهذا المعنى تكون الكتابة أيضًا رسالة إلى العالم ورحلة تعارف وتفاهم مع الآخر.
ولذلك أرى أن الكتابة النقدية ضرورة للتنوير والتغيير والحداثة، ولا قيمة للكتابة دون نقد بنّاء ومتعدّد الأبعاد وخال من الغرض، حيث تُعرف قيمة التجارب بنقدها، وإلّا ستكون مثل الطبخة دون ملح. وينبغي على الكاتب الجيد أن يمتاز بالنقد والصدق والجرأة لخدمة هدف موضوعي، ولنشر القيم الإنسانية.
والكتابة بالنسبة لي روح، والكتب مفتاحها، إذْ لا كاتب مبدع إلّا إذا كان قارئًا مواظبًا، وإذا وجدت بيتًا يخلو من الكتب فتأكد أنه منزل بلا روح، والكتابة صلاة وبوح وموسيقى لتطهير النفس وتحريرها من الكراهية والحسد والضغينة والعنف، خصوصًا حين يتشبّع الكاتب بقيم السلام والتسامح والعدل.



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التويجري بنّاء الجسور
- فخاخ إبستين الكوموتراجيدية
- عبد الحسين شعبان: زمن فلسطين والثقافة العربية
- الإعلام في عالم يتشكّل
- حسن عوينه - نجم شيوعي يضيء عبوس الأيام
- من أوراق نوري عبد الرازق - مع الزعيم عبد الكريم قاسم
- إنسانية وفكر
- خبراء استراتيجيون: معركة إيران وأمريكا تكسير عظام
- أعمدة الأمة الأربعة
- من أوراق نوري عبد الرزّاق: -التاجر- سلام عادل في لندن
- عبد الحسين شعبان: «هسهسات الضوء»
- عدسة عن قرب على هسهسات عبد الحسين شعبان
- مقدمة كتاب الأستاذ بسام ضو -غليان استراتيجي-
- شعبان والماركسية النقدية العربية
- مستعمرات الضوء بقلم عبد الحسين شعبان
- كرد سوريا القديم والجديد: أثمة عِبرة؟
- صوماليلاند صوماليلاند...حان الوقت
- وصايا شمس الدين
- El Houssein CHAABAN, La presencia noble, ausente o presente
- وفاءٌ للشاعرة الحرة وللقصيدة… وامتنانٌ للإنسان


المزيد.....




- بزشكيان يؤكد استعداد إيران لـ-أي سيناريو- وسط الحشد العسكري ...
- أزمة خرائط حول الحدود تشتعل بين العراق والكويت.. إلى أين تتج ...
- تهديد أمريكي ورد إيراني حاد.. حرب تصريحات مفتوحة
- بين النار والماء.. فلسفة التطهر في فكر الحكماء
- ممداني يغلق شبكة مواصلات نيويورك استعدادا لعاصفة ثلجية كبرى ...
- مهرجان برلين.. مخرج فلسطيني يتهم ألمانيا بالمساهمة في إبادة ...
- -الحلو مر-.. أول إفطار جماعي في شوارع الخرطوم منذ الحرب
- -أيام الله- يستعرض فقه الدعاء من قلب غزة الأبية
- على بعد أسبوع واحد.. هل هي ذريعة أمريكية جديدة لضرب إيران؟
- -مائدة المدينة المنورة- ترياق للإنسانية المنهكة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - ما جدوى الكتابة؟