أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - El Houssein CHAABAN, La presencia noble, ausente o presente















المزيد.....


El Houssein CHAABAN, La presencia noble, ausente o presente


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 22:18
المحور: قضايا ثقافية
    


عبد السلام بوطيب
فاعل سياسي وحقوقي مغربي
كاتب وروائي
رئيس مركز الذاكرة المشتركة للديمقراطية والسلام


عن العنوان:
ارتأيت أن أضع لشهادتي هذه عنواناً باللغة الاسبانية، فقط لأنها اللغة التي قرأت بها الأشعار في بداياتي الأولى، قبل أن أكتشف جمال اللغة العربية وعمقها، والتي جعلتني أن أكون اليوم ما أنا عليه، صديقاً للحسين، ومن سار على دربه من النساء والرجال من المدافعات والمدافعين عن كرامة الناس، كل الناس.
رجاء لا تحاولوا ترجمته قبل الانتهاء من قراءة الشهادة، لأنكم لن تفلحوا في ترجمته ترجمة أمينة، لأنه عنوانٌ كُتِب من محبرة التقدير والمحبة، وما كُتِب من هذه المحبرة، يمكن أن يُعبَّر عنه بكل لغات البشرية، لكنه لا يترجم إلا بإدراك المقاصد واستكناه المظان.
عنّي كتب يوماً الدكتور الحسين شعبان وهو يقدم روايتي ما قبل الأخيرة المعنونة بـ»الشجرة الهلامية»: بعد ساعتين، ومن أول لقاء لي معه اكتشفتُ أنه صديق عتيق، جرّب الحب مثلي، وامتلأ رأسه بالأحلام، وفاض كأسه الذي ظل مترعاً.. هكذا تخطت علاقتنا بسرعة فائقة الشكليات، والبعد الجغرافي، والسنين، فوجدنا أنفسنا دفعةً واحدة بجذور متشابكة وممتدة عميقاً مثل «الشجرة الهلامية».
وأنتم تقرؤون هذه الشهادة ستتعرفون كذلك على «الشجرة الهلامية»، وامتداد جذورها فينا: الحسين، أنا، وجميع أصدقائنا من المدافعات والمدافعين عن عالم يتسع لنا جميعاً. فكتابتي لهذه الرواية جعلتني أفهم أكثر طبيعة علاقاتي مع كثير من الأصدقاء، ومنهم الدكتور الحسين شعبان.
التقيت بالدكتور الحسين شعبان أول مرة في البدايات الأولى لمسلسل الإنصاف والمصالحة في بلدي المغرب، آنذاك كنت نائب رئيس المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، أي نقابة ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفها المغرب من تاريخ إعلان استقلاله إلى غاية تولى الملك محمد السادس الحكم بالبلد، أنا المنحدر من إحدى المناطق الأكثر تضرراً من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أنزف ألماً وحزناً من جراء بشاعة ما عشته من عذاب خلال سنوات الاعتقال التعسفي الطويلة.
عندما التقيت بالحسين كنت مستعداً لأتحول إلى الحطب النبيل من أجل الديمقراطية ودولة الحق في بلدي، عازماً على جعل كل الألم الذي كان ينخرني من أجل خدمة ذلك. وكنت متعطشاً لمزيد من المعرفة الحقوقية، ولاسيما في مجال العدالة الانتقالية. أي منهجية المعالجة الحقوقية والسياسية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وكان الحسين شعبان، الذي رافقنا في المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف خبيراً، من خيرة معلمينا في مجال العدالة الانتقالية، ومن كبار موجهينا في حركة الضحايا للمساهمة في إنجاح تجربة الإنصاف والمصالحة بوضوح حقوقي وسياسي تام. مما ساعدنا في الانتصار على المشككين في التجربة، وبخاصة الذين كانوا يرددون أن هيئة الإنصاف والمصالحة ما هي إلا خدعة من الدولة لاستمرار النظام في الحكم وللإيقاع بالحقوقيين ومعارضيه.
وبعد تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، استمر الدكتور الحسين في الاشتغال معنا في حركة الضحايا، ورافق كذلك هيئة الإنصاف والمصالحة، والحركة الحقوقية المغربية التي تفاعلت مع التجربة، كأحد الخبراء الكبار في مجال العدالة الانتقالية وبناء الديمقراطية، مُلحّاً على تعميق المعرفة التاريخية والمعرفة الحقوقية، ولاسيما في مجال أخلاقيات حقوق الإنسان، والاطلاع الواسع على التجارب العالمية في مجال العدالة الانتقالية، ولاسيما الأفريقية منها والأمريكية اللاتينية، واضعاً كل علاقاته ومعارفه رهن إشارتنا. لذا فهو بالنسبة لنا في الحركة الحقوقية المغربية ممن أسدوا خدمات جليلة للتجربة المغربية، وجعلوا منها تجربة رائدة عالمياً في مجال الإنصاف والمصالحة، ومعالجة ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وكان الحسين، طيلة مدة اشتغال هيئة الإنصاف والمصالحة، يوصي، وهو العارف بكنه العدالة الانتقالية، وهشاشة الأطراف المشاركة في مسارات الإنصاف والمصالحة بضرورة التسلح بالصدق تجاه كل المتدخلين في التجربة، ولاسيما تجاه المؤسسة الملكية، المبدعة للتجربة المغربية رفقة قيادات من الضحايا، والراعية لها، والضحايا، الذين يأملون بمعالجة جراحهم، ورد الاعتبار لهم، وتصحيح وضعياتهم الاجتماعية والمهنية والمادية والإدارية.
وعند انتهاء هيئة الإنصاف والمصالحة بإصدار توصياتها التاريخية، المؤسسة فعلاً للمغرب الديمقراطي الذي كنا نحلم به ونحن شباب، كان الحسين يلح بالقول، وهو الخبير بعمق التناقضات التي يمكن أن تخترق أية دولة تشجعت واشتغلت على منوال العدالة الانتقالية: «الآن بدأتْ معركتكم الحقيقية من أجل دمقرطة بلدكم».. إذ كان يعرف بالتجربة، وبذكاء الباحث المنصت بعمق للمخاض المجتمعي المغربي، أن انتكاسة المسلسل واردة في كل لحظة وحين، وهذا الأمر طبيعي جداً في كل مسلسلات المصالحة. لذا كان يوصي بالهدوء السياسي الضروري، وجعل اللحظة لحظة انتصار الجميع، وبضرورة تعميم ثقافة الحوار، ونشر الثقافة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان في المدارس والثانويات والجامعات وفي الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية، كما ظل يوصي بضرورة التفكير بمؤسسة لتحصين مكتسبات المصالحة لصالح صيرورة البناء الديمقراطي. ومن أجل ذلك لم يبخل أبداً لا بوقته، ولا بأي شيء يمكن أن يساهم به من أجل تنوير المجتمع، ولاسيما الفاعلين فيه بضرورة بقاء الحوار مفتوحاً بين جميع المتدخلين في الشأن السياسي بالبلد، لذا تراه صديقاً للسياسيين والحقوقيين الرسميين، وصديقاً للفاعلين المدنيين، وصديقاً لأشرس المعارضين، وغاضباً غير مقاطع لكل من يسيء إلى انفتاح الأطراف بعضها على بعض من أجل المساهمة الهادئة لبناء الديمقراطية.
وما دام مسلسل المصالحة، بطبيعته، صيرورة معقدة وطويلة، مازال الحسين على نفس النهج، مساهماً فعالاً من أجل أن يرى أبناء بلده الثاني، المغرب، يساهمون في بناء البلد الذي يتسع لهم جميعاً.
عندما قررت، بمعية نخبة من الأصدقاء الحقوقيين والسياسيين، تأسيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، بغية تكييف آليات العدالة الانتقالية للاشتغال بها لمعالجة الدَّين التاريخي الاستعماري، ولاسيما معالجة الجرائم غير القابلة للتقادم التي قام بها الاستعمار ببلدي، كان الحسين شعبان حاضراً بقوة في كل نقاشات التأسيس، حذراً من المنزلقات المنهجية والسياسية والحقوقية، حريصاً على أن لا نسقط فيما يمكن أن يثير البغض والكراهية بيننا نحن المغاربة، وأبناء شعوب البلدان التي استعمرتنا، وهم لا يتحملون أي نصيب مما اقترفه أجدادهم الاستعماريون، منبهاً لنا إلى الطرق المثلى التي علينا استعمالها لاستمالة الحقوقيين، والإنسانيين منهم، وبخاصة أن أثر الجرائم الاستعمارية التي مارسها المستعمر في حقنا مازالت قائمة، وإذا كان علي أن أذكر هنا واحدة فقط، فأفظع ما مورس ضدنا من قبل مستعمرينا هو قصفنا بقنابل كيماوية لمدة طويلة، مما تسبب لأهالينا بأمراض سرطانية كثيرة مازلنا نعاني منها اليوم.
لم يكن بإمكاننا في مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم إيصال رسالتنا الإنسانية الحقوقية إلى أبناء مستعمرينا القدامى، ولا إلى الأوروبيين عامة، ولا إلى العالم، ولا حتى إلى أبناء شعبنا بالنظر إلى أن ما نشتغل عليه في مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية ليس سهلاً، ويتطلب تكويناً كبيراً وعميقاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ولا سيما في السياسة والتاريخ وحقوق الإنسان، ذلك أننا أول تجربة في العالم تحاول تكييف آليات العدالة الانتقالية للاشتغال بها على سؤال الدَّين التاريخي الاستعماري. لذا عندما استشرنا في الأمر مع الدكتور الحسين شعبان وافقنا الرأي على أن ننقل جزءاً من هذه الإشكالات التي نطرحها إلى مهرجان سينمائي حقوقي سياسي دولي، يبتغي الحفاظ على دور السينما كفن نبيل، وينشر عبرها وعياً حقوقياً بثقافة العدالة الانتقالية وثقافة المصالحة بين الشعب الواحد، وكذلك بين شعوب مختلفة ورثت مشكلات سياسية وحقوقية من فترات مضت، ولاسيما الفترة الاستعمارية، هكذا أسسنا معاً، ومنذ ثلاث عشرة سنة، تجربة المهرجان الدولي لسينما الذاكرة المشتركة الذي ينعقد كل خريف بمدينة الناضور، شمال المغرب، وهو المهرجان الذي حضره الدكتور شعبان منذ تأسيسه إلى آخر دورة، ولم يغب عنه إلا خلال دورتين أو ثلاث دورات، وعندما كان يغيب فإنه يكون أكثر حضوراً، حيث إن كل الضيوف يبدؤون بالسؤال عن صديقهم اللبناني، قبل أن يصحح لهم آخر: إنه عراقي، وثالث: إنه فلسطيني، ورابع: إنه سوري.. وخامس: إنه كويتي، وسادس: إنه عماني، وفي العادة ما كان يحسم هذا السؤال صديق إسباني مشترك لنا بالقول:
- El Houssein CHAABAN, La presencia noble, ausente o presente.
- الحسين شعبان، الحضور النبيل، غائباً أو حاضراً.
هكذا كان الحسين يؤشر بحب نبيل عن حضوره، حاضراً كان أم غائباً.
رافقنا الدكتور الحسين متطوعاً في المهرجان الدولي لسينما الذاكرة المشتركة محاضراً في ندوات المهرجان، مكوناً للشباب في ثقافة العيش المشترك الإنساني، رئيساً للجنة تحكيم الأفلام الوثائقية، منسقاً للأنشطة الفكرية للمهرجان، ورافقنا غيابياً خير سفير للمهرجان، مساهماً في أن يكون أول تجربة سينمائية تشتغل على ثيمة الذاكرة في علاقتها بالعدالة الانتقالية.
لم يكن الحسين يدفع ثمن بطاقة سفره للحضور إلينا من ماله الخاص فقط، بل كان في العادة ما يكون محملاً بهدايا لبعض ساكنة المدينة ولجل ضيوف المهرجان ممن تعرّف إليهم في الدورات السابقة، لذا كان يشكو دائماً من الوزن الزائد الذي كلفه كثيراً، ويقول: الكتب، عزيزي، تزن كثيراً.
اشتغل الحسين معنا طويلاً في مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم رئيساً للجنة العلمية، وداخل هذه اللجنة بلورنا معاً، ولا سيما مع الوزير عبد السلام الصديقي، الأب الروحي لتجربة مركز الذاكرة المشتركة، والطبيب الدكتور محمد النشناش، الأب الروحي للحركة الحقوقية المغربية، فكرة إبداع جائزة حقوقية – سياسية نكرم من خلالها النساء والرجال الذين ساهموا في ترسيخ قيم العيش المشترك الإنساني بين الأفراد والدول والثقافات؛ والمدافعين عن حقوق الإنسان وكرامة البشر والقضايا العادلة للأمم والشعوب، ومبدعي الممارسات الفضلى في مجال بناء دول الحق والمؤسسات.
وعندما كلفني الإخوة صياغة مقدمة للورقة التي نشرح فيها إقدامنا على هذه الخطوة، كنت، على الرغم من أنني رئيس للمؤسسة، كتلميذ نجيب، لكنه لا يثق بمؤهلاته، وعكفت على كتابة مقدمة الورقة لليلتين مستمرتين، حتى أنتجت هذا النص:
«اقتناعاً من مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم بأهمية الاشتغال على إشاعة قيم الديمقراطية والسلم وثقافتهما؛ وتأكيداً منه على ضرورة نشر ثقافة حقوق الإنسان والثقافة الديمقراطية وثقافة الاعتراف لترسيخ القيم الإنسانية الإيجابية في أبعادها الكونية؛ ودفاعاً منه عن أهمية التعايش بين الشعوب والثقافات والأفراد، وتجاوز الاختلافات الدينية واللغوية والهوياتية، وتسوية الاختلافات بواسطة الحوار والتواصل والتفاعل؛ وتقديراً منه للدور الإيجابي الذي يلعبه المدافعون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والعاملون على نشر ثقافتها (أفراداً، وجمعيات، ومؤسسات)؛ واعترافاً منه بالأدوار الإيجابية التي تساهم بها شخصيات اعتبارية، ومؤسسات رسمية ومدنية في ترسيخ قيم العيش المشترك بين الأفراد والدول والثقافات؛ وتكريماً منه للمدافعين عن القضايا العادلة للأمم والشعوب، ولاسيما المتعلقة منها بوحدتها الترابية، وبالإنهاء مع الإرث الاستعماري بالاعتماد على القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، والممارسات الفضلى في مجال بناء دولة الحق والمؤسسات، وبالاعتماد على الأدوار التي يلعبها المغرب من أجل إعلاء القيم الإنسانية النبيلة باعتباره أرض الوحدة، والمصالحة، والإنصاف، والحوار، والمساواة بين بني البشر..».
وعندما بعثته إلى الحسين قبل أي عضو آخر في المركز أو لجنته العلمية، أجابني: لهذا النص فقط لن يرفض أيٌّ كان جائزتنا.
وهكذا كان، وكان لنا الشرف في منح هذه الجائزة حضورياً لقادة من كل بقاع العالم، من رئيس الحكومة الإسبانية خوسي لويس رودريغيس ساباتيرو، إلى الرئيس الكولومبي الأسبق خوان مانويل سانتوس الحائز على جائزة نوبل، إلى الزعيم النقابي التونسي الحسين العباسي الحائز كذلك على جائزة نوبل، إلى الوزيرة الفرنسية ذات الأصول المغربية السيدة نجاة بلقاسم، إلى وزير خارجية البيرو الأسبق ميغيل أنخيل مكاي، وإلى مؤسسة الثقافات الثلاث المغربية الإسبانية لاشتغالها على التقارب الثقافي بين المؤمنين من الشرائع السماوية الثلاث.
لكن المشكلة لدينا اليوم هي كيف يمكن لنا أن نقنع الحسين، الزاهد، بقبول جائزتنا، التي يستحقها بجدارة، وهو الذي أشرف على ولادتها؟
للحسين كذلك بصمة واضحة فيما أنجزناه في مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم من طروحات في مجال بناء العيش الإنساني المشترك، إذ لم يغب الرجل عن أي لقاء سنوي من اللقاءات التي كنا، ومازلنا نعقدها بمناسبة حلول السنة الأمازيغية على أمازيغيي المغرب والعالم وعلى كل الإنسانية كل سنة في الثاني عشر من يناير، وهي اللقاءات الثقافية – الحقوقية - السياسية المعروفة بمنتدى مكناس، إذ عمل منذ اللقاءات الأولى على دفعي لدعوة وجوه متنورة من منطقتنا، وهي وجوه، وعقول مسكونة ببناء العيش المشترك الإنساني على قواعد الاعتراف المتبادل، وعلى قواعد حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها بين حقوقيي العالم، وعند تقدمنا في منتدى مكناس لاحظت أن أصدقاء المنتدى هم من الأعمدة الفكرية والسياسية لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وهم من العرب والأمازيغ والأتراك والأكراد والأقباط.. ينتمون إلى مختلف الموجات البشرية القاطنة اليوم في المنطقة، وباستطاعتهم المشاركة في بناء حلم جميع أبناء المنطقة، أي بناء وطن سياسي كبير يحضنهم جميعاً تحت سماء الكرامة والاعتراف الثقافي واللغوي المتبادل، دون إعلاء جنس منهم على آخر، أو طمس هوية لحساب أخرى.
ويحق لنا اليوم في مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم أن نفتخر بالاشتغال جنباً إلى جنب مع الحسين، ومع كافة أصدقاء الحسين الذين يحملون قضايا الإنسانية بنفَس حقوقي تقدمي. كما يحق لنا أن نفتخر بأننا جميعاً ساهمنا في الوثيقة المرجعية المعروفة اليوم بـ»إعلان مكناس» التي توجت عن ندوة «حوار الثقافات وسؤال الهوية»، التي انعقدت بمناسبة احتفال المغاربة وكل أمازيغيي العالم بحلول السنة الأمازيغية الجديدة 2968.
وقد تم تصدير الإعلان، الذي أشرف الحسين على صياغته باعتباره رئيساً للجنة العلمية للمركز رفقة نخبة من المفكرين والأكاديميين، من المنطقة، بالتأكيد على أنّ حوار الثقافات حاجة مجتمعية ومطلب حقوقي، وضرورة حضارية للمجتمع الواحد، والمجتمعات المتقاطعة ثقافياً، وتلك المختلفة ثقافياً.
وأوصى الإعلان باستحضار التجارب البشرية التي تعتبر الحوار نقيضاً للصدام ومانعاً للتعصب، وداعماً للإقرار بالحق في الاختلاف، ورافضاً للهويات المنغلقة، بهدف تحقيق التعايش.
وقد ركز الإعلان آنذاك بنفَس مستقبلي على الإصلاح الديني في منطقتنا، وعلى إعادة كتابة تاريخها، إذ تم التأكيد في المجال الأول على أن ثمّة حاجة ماسة إلى إنجاز إصلاح في المجال الديني، تساهم فيه النخب المتنورة بجرأة وشجاعة، وفق منظور يخوض في الإشكاليات الكبرى التي يمكنها المساهمة في الدفع بالتصورات إلى حدها العقلاني المتنور. وفي مجال إعادة كتابة التاريخ تم التأكيد على أهمّية إعادة النظر في التاريخ بروح علمية منصفة لا تخدم فئة أو جهة أو طائفة أو عرْقاً، والتأسيس لهوية جامعة ومنفتحة، كما أكد اعتبار التعدد الثقافي مصدر غنى ينبغي استثماره إيجابياً مع جعل قيم المواطنة معياراً للحكم بين الثقافات في ظل رؤية ديمقراطية عادلة وتوافقية.
إلا أن هذا الاشتغال حول اختلافاتنا في منطقتنا بشمال أفريقيا والشرق الأوسط لم ترق كثيراً من رفاقي القدامى من «التقدميين القوميين»، وبخاصة الذين لم يستوعبوا التطورات السريعة التي عرفها العالم بعد انهيار كثير من الأيديولوجيات، ولم يستوعبوا تشبثنا بخصوصياتنا الثقافية والحضارية، والاشتغال على ذاكرتنا، والتفكير في إعادة كتابة تاريخنا بعيداً عن المؤثرات العرقية والدينية والعقدية، ولانحيازنا إلى حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دولياً على حساب الأيديولوجيا، وتخلينا عن وهم الثورة لفائدة الإنصاف والمصالحة والإصلاح، فاجتهدوا بالبحث في اشتغالنا على تناقضات، لعلهم يجدون فيها ما يترافعون به من أجل إخراجنا من «زمرة» المشيعين للقضايا العادلة في منطقتنا، ولا سيما القضية الفلسطينية، وقضية الوحدة على أساس عرقي، أو ديني. إلا أن الحسين الذي عرف كيف يبقي على المسافات القديمة مع كل من اشتغل معه في تاريخه النضالي على الرغم من تبدل شروط النضال وتغيرها الذي كاد يكون تغيراً جذرياً، لم ير فيما نشتغل عليه، ولا في طريقة اشتغالنا أي تناقض مع مبادئنا وقيمنا المشتركة، ولا أي تنكر للقضايا العادلة التي اشتغلنا عليها سابقاً، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تظل بالنسبة لي شخصياً، ولنا في مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم، قضية محورية وعادلة، لكنها تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى كثير من العقل والذكاء والشجاعة لحلها حلاً عادلاً ودائماً.
وقد كشف لي الحسين عن موقفه مما يقال عنا هنا وهناك حول تبدلنا، وتغيير مواقفنا غداة قراءته لروايتي ما قبل الأخيرة رواية «الشجرة الهلامية» التي طرحت فيها القضايا التي أشتغل عليها بنفَس روائي، عبر حديث مطول مع شجرة نبتت مصادفة بشارع جون جوريس بالعاصمة الفرنسية باريس، إذ قال: «عالَم عبد السلام بوطيب لا ينفتح بسهولة على الرغم من بساطته، ولكنه يبقى غامضاً ومبهماً وهو بحاجة إلى جهود استثنائية وإلى محفّزات، فأقفاله مصنوعة بدقة لأن خزانته تحتوي على أسرار وخفايا وخبايا ومشاريع وتكوينات بصرية وسمعية وطموحات سياسية ومساومات وتحالفات مختلفة، وقد تبدو متناقضة، فهذا هو عبد السلام، وعلينا أن نأخذه كما هو بتناقضاته وتضاداته واجتهاداته.
وكما يقول الجواهري شاعر العرب الأكبر:
ولم أر في الضدائد من نقيضٍ
إلى ضدٍّ نقيضٍ من ضريبِ».
هكذا استمر الحسين شعبان في «تحملي»، مدافعاً عني، وعن «تناقضاتي»، لأنه يعرف بذكائه الخارق، وحسه الإنساني المرهف والرفيع أننا شربنا من ماء نهر واحد؛ ماء نهر الدفاع عن كرامة الإنسان بهدوء، وذكاء، وعلم، ومعرفة، وبأقل الألم، وأقل الأحزان، وأقل الحروب، وأقل الضحايا.
لذا لو كان الحسين شاعراً لسبق بابلو نيرودا إلى كتابة قصيدته الخالدة:
يموت ببطء..
من لا يسافر..
من لا يقرأ..
من لا يسمع الموسيقى..
من لا يعرف كيف يجد شيئاً..
بفضل عينيه..
يموت ببطء..
من يحطم كبرياءه..
وأتخيل أنه لن يغير منها إلا الأسطر الخمسة الأخيرة، قائلاً:
ناضل الآن،
ارفع صوتك عالياً،
انظر إلى العلا،
بادر بقلبك وعقلك،
لا تترك أحلامك تمت ببطء!
لا تحرم نفسك من الدفاع عن كرامة الناس.
وأنا على يقين أنه سيضيف إليها هذين السطرين قائلاً:
بالحب،
وبالهدوء، وبالهدوء، وبالهدوء.
انتهى..

- مساهمة الأستاذ عبد السلام بوطيب في كتاب جمر الحروف الذي صدر عن دار سعاد الصباح تكريمًا لدكتور عبد الحسين شعبان في يوم الوفاء 2024.



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وفاءٌ للشاعرة الحرة وللقصيدة… وامتنانٌ للإنسان
- أنسنة المعرفة
- عبد الحسين شعبان.. وتواضع العلماء
- مثقفون وحقوقيون يدينون العدوان الأمريكي على فنزويلا
- الفنان مكي حسين -الثوري النبيل-
- كأن الحياة قصيدة والكون لوحة
- الفنان مكي حسين: حين يتعتّق الحزن بالجمال
- الديمقراطية والسلطوية.. هل يجتمعان؟
- أيقونة اليسار العربي
- (ثلاث حلقات) أين مشروع اليسار العربي؟
- أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الثالثة)
- جامعة القاضي عياض بمراكش تكرّم خمسة مبدعين
- أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الثانية)
- وضوح الرؤية وروح الوفاق
- حقوق الإنسان من منظور متعدّد الأبعاد
- حين يعاقب الجاني القضاء
- المثقّف العضوي وهموم الناس
- حوار مع المفكّر الأديب العراقي الكبير عبد الحسين شعبان/ النا ...
- أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الأولى)
- حين توجد إرادة توجد طريقة


المزيد.....




- كأس أمم أفريقيا: نيجيريا تحرز -البرونزية- على حساب مصر بعد إ ...
- أخبار اليوم: أخبار اليوم: استنفار أوروبي ضد عزم ترامب فرض رس ...
- وفاة آخر رئيس لجنوب اليمن ـ من رمز للوحدة إلى مهندس للانفصال ...
- وفد أوكراني في واشنطن لبحث إنهاء الحرب مع روسيا وسط أزمة كهر ...
- كأس أمم أفريقيا: نيجيريا تفوز على مصر بركلات الترجيح وتحرز ا ...
- كيف تفاعل المصريون مع مباراة المركز الثالث ضد نيجيريا؟
- رئيسة فنزويلا بالوكالة تقيل وزير الصناعة المقرب من مادورو
- نبض أوروبا: مشروع سفارة الصين في لندن يثير تساؤلات واحتجاجات ...
- ما فرص نجاح الوساطة الأميركية لحل أزمة سد النهضة؟
- الدعم السريع يتجه لحصار الأُبيّض ويقصف سوقا بجنوب كردفان


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - El Houssein CHAABAN, La presencia noble, ausente o presente