|
|
(ثلاث حلقات) أين مشروع اليسار العربي؟
عبد الحسين شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 17:12
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
(الحلقة الأولى) تمهيد حمل اليسار العربي منذ مطلع القرن العشرين، وبالتحديد بعد ربع القرن الأول منه، مشروعًا تاريخيًا أقرب إلى التكامل، فهو من جهة ظهر بالضد من الاستعمار والتبعيّة والتخلّف، ومن جهة أخرى حمل راية التحرّر والاستقلال والعدالة الاجتماعية. وانصهر فيه ما هو وطني بما هو اجتماعي، حيث اندفعت النخب من الطبقة الوسطى لترفع مشروع اليسار وأحلامه الكبيرة إلى درجة امتزاج الواقع بالمخيال الشعبي أحيانًا، في إطار سردية ثقافية وآمال عظيمة ووعود ضخمة. لكن هذا المشروع الكبير تعرّض إلى التراجع والانكسار لاحقًا، وخصوصًا بعد مرحلة الاستقلال، ليس بفعل ما لحقه من تنكيل وبطش وتحريم وتجريم، بل بفعل عوامل داخلية أيضًا، وليس بفعل العامل الخارجي وحده. ويعود جزء منها إلى الاتكالية الفكريّة والتعويل على ما يصدر من المركز الأممي، وأحيانًا أخرى إلى الجمود العقائدي والنصوصية المدرسية وعدم مواكبة التطوّر، وليس بعيدًا عن ذلك بعض المواقف ذات الطفولة اليسارية، لاسيّما الموقف من الدين والقضيّة القومية، فيما يتعلّق بفلسطين والوحدة العربية، وهو ما حاول خصومه وأعداءه تضخيمه وإلصاق تهم شتّى به بهدف النيل منه. أستطيع القول أن مشروع اليسار العربي توقّف عند الشعارات الكبرى التي كانت تصلح لمرحلة معيّنة، ولم يتمكّن من قراءة الواقع الجديد الذي ظهر بعد مرحلة الاستقلال وما أعقبها، الأمر الذي جعله يتأرجح بين خيارين كل منهما كان مرًّا؛ الأول - الانخراط في مشاريع سلطوية لم تمنحه الحد الأدنى من حريّة العمل والتنظيم حتى لو كان لتأييدها. والثاني - الابتعاد عنها لدرجة الانغلاق والتقوقع في انعزالية وانطواء، دون التمكّن من تقديم بديل عمّا هو قائم، وتسبّب ذلك في اتّساع الهوّة بينه وبين الجمهور وبينه وبين الكتل البشرية التي يزعم تمثيلها. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي تعمّقت هذه العزلة، حتى أن الأنظمة لم تعد تُعير اهتمامًا له، كما أنه خرج من معادلة الناس وهمومهم ومعاناتهم وتطلّعاتهم.
اليسار والربيع العربي مع انتفاضات ما سميّ بالربيع العربي العام 2011، انفتح الفضاء العام أمام مطالب الحريّة والعدالة والكرامة، لكنّ اليسار لم يكن في صلبها لا في اللغة ولا في الأدوات ولا في التعبير ولا في المسار، وبالطبع فإنه لم يستطع أن يقرأ على نحو سليم مآلات الصراع، وازداد تأرجحًا بين التشكيك بحركة التغيير، بل واتهامها أحيانًا أنها من صنع الخارج، على الرغم من الملاحظات السلبية العديدة التي عليها، وبين النظر إلى السلطات القائمة بمنظار قديم باعتبارها معادية للإمبريالية، أو أن الإطاحة بها سيؤدّي إلى صعود قوى لا يُؤتمن إليها. وبالطبع فإن الانتقاضات الجديدة لم تخضع للنمط الكلاسيكي للانتفاضات السابقة، فلم يكن لها قيادات مسبقة وأيديولوجيات محدّدة وسرديات معروفة، مع أنها خلقت فراغًا لم يتمكّن اليسار من إملائه كليًا أو جزئيًا، ناهيك عن التحرّك الفعلي، وذلك لأن أزمته عميقة وبنيوية في الآن، أي أنها لم تكن عرضيّة، بل كانت أزمة في الفكر والممارسة والتنظيم والقيادة والإدارة تعتّقت مع مرور الأيام. وقد ظهرت بعض التململات اليسارية، لكنها كانت مختلفة عن اليسار التقليدي المعروف، فهذا اليسار الجديد هو يسار بلا تنظيم حزبي، وبلا أيديولوجيات مغلقة. يسار في إطار المجتمع المدني، وإن كان الأخير هلاميًا ومخترقًا في الكثير من الأحيان، لكن ثمة مبادرات اجتماعية ومطالب شعبية عامة وحركات نسويّة اشتغلت في هامش حركة التغيير بوسائل تكنولوجية ورقمية حديثة بعيدة عن تجارب الماضي، مستفيدةً من كون العالم يمرّ في الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي. اليسار الجديد ظل هو الآخر هامشيًا، فهو يسار معولم وفرداني، يتحدث بلغة البيئة أو المناخ أو الجندر، وإن كان يعبّر عن بعض التطلّعات العامة، لكنه كان بعيدًا عن الناس والفئات الكادحة، وبالتالي يصعب أن يتحوّل إلى قوة فاعلة ومؤثّرة، أي قوّة اقتراح يُحسب لها حساب. ومثل هذا اليسار سرعان ما تمّ تدجين الكثير من فاعليته واحتوائه، وبالتالي سيكون من الصعب أن يقدّم بديلًا مناسبًا.
مشروع تنوير وحداثة انطلق اليسار العربي في مرحلته الأولى من مواجهة محمومة مع الاستعمار، وكان بمثابة مشروع تنوير وحداثة وتحرّر. صحيح أنه لم يتحوّل إلى تيار عريض باستثناء اليسار العراقي واليسار السوداني، لكنه لم يصبح حركة اجتماعية واسعة وجامعة، بل ظلّ يمثّل طموحات نخب مثقفة من الطبقة الوسطى صاغت خطابًا معتدلًا في إطار الدولة بمراعاة الفئات الفقيرة، وتلك إحدى ميزات اليسار التي افتقدها لاحقًا. وقد تجسد مثل هذا التوجّه في التأثير على أطراف أخرى، ويمكن هنا احتساب بعض التجارب العروبية عليه أو بحكم تأثيراته عليها مثل اليسار الناصري واليسار البعثي السوري والعراقي واليسار الجزائري واليمني والسوداني والفلسطيني والليبي الذي صاغ شعارات راديكالية مثل التحرّر من الاستعمار وإجلاء القواعد العسكرية وإقامة العلاقات مع المعسكر الاشتراكي والتوجه نحو التعليم المجاني والإصلاح الزراعي والـتأميم، وكل هذه المشاريع حملتها أجهزة الدولة ما بعد مرحلة الاستقلال، وهي وإن أحدثت نموًا اقتصاديًا، لكنها لم تستطع أن تحقّق التنمية الإنسانية المستدامة والشاملة، لذلك ظّلت فوقية وسرعان ما تبخّرت.
اليسار والدولة ظل مشروع اليسار مرتبطًا بالدولة، ولم يستطع أن يتجاوز أجهزتها البيروقراطية والأمنية. وهو ما غرق به اليسار الماركسي في تجارب الأصل في الدول الاشتراكية السابقة، وإن كان من ضحاياه في تجارب الفرع (حركة التحرّر الوطني)، علمًا بأن الدولة العربية كانت في الغالب دولة القمع والريع، وظلت المسألة التناوبية والتداولية في السلطة غائبة، والديمقراطية السياسية مؤجلة أو مرتهنة، بزعم أن العدو الإسرائيلي يدقّ على الأبواب، وبالتالي تمّت مقايضة التنمية بالعسكرة، ومقايضة الإصلاح بالتفرّد بالسلطة، وهكذا ضاعت فرص تنموية مهمة، مثلما قضم العدو الأرض بالتدرّج وعلى مراحل، وصولًا إلى مأساة غزّة. منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي انهارت الدولة التنموية مع أزمة النفط العام 1973، وتراجع الريع التنموي، وحين حلّت الثمانينيات لم يتبقّ من الوعود بالعدالة الاجتماعية سوى اللّافتات المهلهلة، ودخلنا في حروب ونزاعات إقليمية وأهلية، وتوسعّت طموحات البعض بفرض الهيمنة، فسوريا استحوذت على لبنان، والعراق غزا الكويت بعد حرب ضروس مع إيران دامت 8 سنوات، ونسى هذا اليسار القومي تحرير فلسطين وانشغل بحبك الدسائس والمؤامرات ضدّ بعضه البعض وإزاء الدول العربية الأخرى، وهذه الدول الأخرى لم تقصّر هي كذلك في السعي للإطاحة به وتبهيت شعاراته، وما زاد في انهيار اليسار تراجع الطبقة الوسطى وتهميشها لصالح بيروقراطية الدولة، إضافة إلى تفكّك الكتلة الاشتراكية بعد انهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني / نوفمبر 1989. وأصبحت لغة اليسار، في معالجة الإشكاليات القديمة – الجديدة، أقرب إلى لغة أرستقراطية سياسية لا يصغي إليها أحد، لأن إداراتها تمارس السياسة كوظيفة وليس كفعل تغيير. وتحوّل فريق من الماركسيين والشيوعيين إلى مجرد محلّلين سياسيين لإصدار تنظيرات لواقع متغيّر، لكنهم ظلوا متشبّثين بسردية مغلقة عن صراع الطبقات وإلغاء الاستغلال، في حين كان هناك فريق آخر يبشّر بالليبرالية الجديدة واقتصاد السوق، ولا يتورّع أحيانًا عن تبرير بعض ما تقوم به الدوائر الإمبريالية من احتلال وغزو بزعم تشييد صروح الديمقراطية، في الوقت الذي كانت الحركات الإسلامية تتمدّد مستغلةّ انهيار اليسار القومي، ولا سيّما بعد هزيمة العام 1967، التي قوضت شرعيته، وفشل اليسار الماركسي، فضلّا عن نجاح الثورة الإيرانية العام 1979، وانتشار الجمعيات الخيرية التي شكّلت دعائم اجتماعية فعّاله لتغلغل التيار الإسلامي.
(الحلقة الثانية) اللغة الخشبية ظل اليسار حبيس لغته الخشبية القديمة، في حين كان الواقع يتغير سريعًا، واستغل الإسلاميون التديّن الشعبي ليحولوه إلى تديّن أيديولوجي، والتديّن الفردي إلى تديّن اجتماعي، مستفيدين من وسائل الاتصال الحديثة والأموال التي يمتلكونها والقنوات التي يستخدمونها بما فيها الجوامع والمساجد وأوقات الصلوات الخمسة ومجاملات الدولة لهم، وكذلك استغلوا الأعياد والمناسبات الدينية للترويج ضدّ الحكومات من جهة وضد اليسار العربي بمدرستيه المختلفتين من جهة أخرى، الماركسية والقومية، اللتان شهدتا صراعًا إقصائيًا لا حدود له. كما بقيت لغة اليسار عالقة بالماضي وليس بالمستقبل، ولغة من هذا القبيل لا تستطيع استعادة الجمهور القديم، وليس بإمكانها كسب جمهور جديد، وهكذا تقلّص اليسار إلى حلقات حزبوية مغلقة تسمع صدى ما تقول وما تردّد وما تعتقد به، وتصدر بيانات باردة ليست فيها حرارة تلك الأيام الثورية الطافحة بالأمل، وإن حاول بعضها ابتداع لغة جديدة، لكنها بدت دخيلة وغريبة على تاريخ اليسار، تلك التي حاولت أن تقتفي أثر الليبرالية الجديدة المعولمة.
أسئلة ساخنة هل انقضى زمن اليسار وتبدّد وعده وطارت أحلامه وأصبح مجرّد ذكريات يستمع إليها شابات وشبان اليوم عن عهود مضت، على الرغم من أن البعض لا يريد لها أن تمضي؟ ولعلّ هؤلاء يتساءلون اليوم، أين هو اليسار العربي الذي امتاز بالعمل الدائم والنشاط الحيوي والمبادرات المتجدّدة؟ والسؤال يبدأ من تونس ويَكبُر في مصر ويعلو الصوت في العراق ويتردّد الصدى في سوريا ولبنان والجزائر والمغرب واليمن والسودان وفلسطين والأردن وغيرها، والسؤال ينسحب على اليسار الكردي أيضًا في البلدان التي يتوّزع فيها، ويمتدّ بالطبع إلى اليسار الإقليمي لدول الجوار العربي. وثمة سؤال آخر، هل هذا اليسار هو وريث لليسار القديم؟ ففي حين تنسحب المواجهات الاجتماعية الكبرى، يتم التحوّل إلى معارك صغرى، لأن الأولى أكثر تكلفةً، أما الثانية فهي أقرب إلى نشاط منظمات المجتمع المدني. في تونس صعدت حركة النهضة "الإسلامية"، واحتلّت المواقع الأولى، ولم يكن زحزحتها ممكنًا لولا حماقاتها الكبرى، وفي مصر فازت حركة الإخوان المسلمين في الانتخابات، والذي قطع خط استيلائها على مقاليد الأمور كاملةً وأخونة الدولة، هو الجيش، وفي العراق كان الانقسام الطائفي الذي هيّأ له المحتل الأمريكي هو الواقع الجديد، ابتداءً من مجلس الحكم الانتقالي والدستور الملغوم والمعاهدة الأمريكية - العراقية غير المتكافئة، وهكذا استحكم حزب الدعوة والإسلاميون في مفاصل الدولة التي جرى تطييفها وأثننتها. وما يزال العراق منقسمًا نصفه إلى إيران، التي تتغلغل بواسطة أذرعها المسلّحة وغير المسلّحة، ونصفه الآخر إلى الولايات المتحدة، التي لديها خمس قواعد عسكرية فيه، وما تموضعها الجديد في قواعد في كردستان سوى الاستعداد لمرحلة جديدة، يتداخل فيها الاحتلال العسكري بالاحتلال التعاقدي. لم يستطع اليسار اللبناني التقليدي أن يكون جامعًا لانتفاضة العام 2019، وحتى اليسار الجديد لم يُنتج تجربة جديدة أفضل من تجارب اليسار التقليدي، والأمر ينسحب على السودان واليمن وسوريا والمغرب وفلسطين وغيرها.
الذات المشظّاة وفي الغالب أصبح اليسار يسارًا فيسبوكيًا يحتفل بنفسه في ساحات مغلقة، يستعيد فيها بعض أمجاد الماضي ويُنزل معارضيه أو منافسيه إلى الحضيض تعويضًا عن الفعل الحقيقي، ناهيك عن الانقسامات التي يعاني منها. لقد فقد اليسار الرمزية السياسية والوسط الاجتماعي الذي كان يمكن أن يؤثّر فيه فكرًا وثقافةً وخطابًا وميدانًا. أصبح اليسار التقليدي اليوم يبحث عن هويّة لذات مشظّاة، لا تأثير لها في معادلة السلطة ومعادلة الناس، أما اليسار الجديد فهو يسار ثقافوي ينطق بالتغيير ويتحدث بلغة من يدعمه بما فيها بعض جهات التمويل الأجنبية لمنظمات المجتمع المدني، وبعضه يتوقف في اليوم الثاني عند وقف التمويل الأجنبي.
مُفترق طُرق لعلّ عتق مفاتيح التحليل لفهم طبيعة الدولة والسلطة التي كانت سائدة لغاية الستينيات من القرن المنصرم، وكذلك انتهاء عهد السرديات القديمة، وضع اليسار أمام مُفترق طُرق، فلم يعد الصراع يُختزل بين برجوازية/ بروليتارية، يمين/ يسار، تقدّمية / رجعيّة، خصوصًا وقد تحوّلت الأنظمة الجديدة لتُصبح مزيجًا من الليبرالية والتديّن في اتحاد هجين، فهل يكتفي اليسار بتصدير خطاب تكتيكي ليكون محل الاستراتيجية، أو يُصدر بيانًا ليكون بديلًا عن الفعل الجماهيري، أو يوزّع منشورًا رقميًا بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي ليعوّض عن فقر البنية التنظيمية؟ إنه مفترق طرق حقيقي، فاليسار لا يستطيع العودة إلى العزّ النضالي، وليس بإمكانه احتلال موقع جديد ومتقدّم اليوم وفي المستقبل دون توفّر مستلزمات أساسية ما تزال غائبة، لذلك ظلّ تائهًا ومتخبطًا في تحالفات لا تنتقص من هيبته فحسب، بل تثير علامات استفهام حول هويّته، خصوصًا بضعف تأثيره وتشبثّه بماضِ مجيد مضى لا يمكن استعادته، وحاضر بائس مهيمن، لاسيّما في ظلّ غياب هويّة موحّدة تُعبّر عن الواقع المعيش. تلك إشكالية تحتاج إلى مراجعة تجارب اليسار، وتقديم النقد الذاتي الذي هو نقطة الانطلاق لإعادة البناء في قراءة واقعية للواقع، وليس اسقاط الرغبات عليه، وهذه الأخيرة مهما علت نبرتها، فإنها لا تستطيع أن تتحوّل إلى رؤية إستراتيجية واضحة، بل تبقى ممارسة داخلية مغلقة. والمراجعة يجب أن تكون فعلًا عامًا يشارك فيه من تعنيه قضيّة اليسار، فالأزمة ليست بضعف التنظيم أو تراجع الفعالية، بل بغياب سردية جامعة تربط ما هو خاص بما هو عام، وما هو محلي بما هو كوني، وما هو نظري بما هو عملي، وما هو وطني بما هو اجتماعي، وأظنّ أن ذلك هو المأزق الكبير.
إشكاليات جديدة وثمة إشكالية أكبر من جميع تلك الإشكاليات وهي: كيف سيتم التعامل مع محاولات تفتيت الدول وتقسيم المجتمعات العربية في إطار خطط جديدة لا تستهدف اليسار حسب، وإنما تستهدف كيان الأمة العربية وأمم المشرق؟ والإجابة هنا لا بدّ أن تكون بعيدةً عن الانغلاق النخبوي والحتميات التاريخية، فمأزق اليسار في هذه الحالة لا ينفصل عن السياق الجيوسياسي المتصدّع الذي يطوقه، فالدولة، وليس اليسار لوحده، تواجه أزمات حادة وتحدّيات كبرى ونزاعات طائفية وانقسامات هويّاتية وتدخلات خارجية، بل هيمنة فعلية من جانب القوى المتسيّدة في العالم. كلّ ذلك يجعل من مشروع اليسار اليوم هو جزء من مشروع التحرّر الوطني الجديد بمواجهة صفقة العصر ومعاهدة سايكس- بيكو الثانية، فهل سيتمكن اليسار من مواجهة هذا الواقع الجديد بالتعاون مع القوى الوطنية الأخرى؟ إنها لحظة اختبار تاريخي بالتحوّل من شعبوية إلى مشروع جامع ليس لليسار وحسب، بل لجميع من تهمّه مصائر مجتمعه وأمّته، خصوصًا حين يستمع إلى نبض الناس العاديين وهمومهم ومعاناتهم، ويكفّ عن الزعم أنه يمثّلهم أو يتحدّث باسمهم.
(الحلقة الثالثة) كنت قد اكتفيت بحلقتين من مقالتي الموسومة "أين مشروع اليسار العربي؟"، لكن ورود الكثير من التعليقات والتساؤلات حولها، بل المطالبات بتوضيح ما جاء فيهما، جعلني أخصّص حلقة ثالثة، علمًا بأنني سبق أن عالجت الموضوع من زوايا مختلفة، سواءً في كتابي "تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف"، أم في كتابي "الحبر الأسود والحبر الأحمر – من ماركس إلى الماركسية"، أم في محاضرتي في جامعة النهرين – بغداد الموسومة "اليسار: أزمة الفكر ومعضلة السياسة"، وأحلت العديد من الأصدقاء إلى كتابات سابقة، خصوصًا كتابي "المثقف وفقه الأزمة"، وكذلك مقابلات كان قد أجراها معي الصحفي المختفي قسريًا توفيق التميمي، ونشرها في كتاب عنوانه "المثقف في وعيه الشقي"، فضلًا عن سلسلة مقالات سبق أن نشرتها جريدة الزمان العراقية حول فصول من تاريخ الحركة الشيوعية العراقية، وكذلك مقابلات تلفزيونية عديدة تناولت فيها جوانب أخرى من أزمة اليسار العربي. كتبتْ لي إحدى الصديقات اللبنانيات تقول: اليسار العربي لم "يقع" فجأةً بالسكتة القلبية، بل تآكل ببطء حتى صار ظلًّا لفكرة أكثر منه مشروعًا حيويًا، وأضافت: نشأ اليسار كصوت للتحرّر والمساواة (كما جاء في المقالة)، لكنه انتهى إلى تكرار لغته، حتى فقد المعنى. مشكلته لم تكن بالقمع المزمن فقط، بل في عجزه عن تجديد أدواته ومخاطبة مجتمعات تغيّرت جذريًا من حوله. وهكذا تحوّل من حركة تحريضية إلى مشهد ثقافي هامشي، ومن صوت نقدي إلى حنين سياسي في زمن لم يعد موجودًا. وتتفق مع ما جاء في المقالة من أن اليسار أخطأ في قراءته للهويّة والدين، فبدلًا من أن يرى فيهما فضاءً للقيم المشتركة والعدالة، تعامل معهما كخصم فكري، وترك الميدان خاليًا لتيارات أخرى احتكرت اللغة الأخلاقية (تقصد التيارات الإسلامية والإسلاموية والقومية والقوموية)، فاستبدلت خطاب العدالة بخطاب الغلبة، وظلّ اليسار العربي متمترسًا في أبراج عاجية يردّد مقولات ماركسية (وتقصد ماركسوية) عفا عليها الزمن ولم تعد تلقى آذانًا صاغية، خصوصًا من الشابات والشبان. وعلى الرغم من قولها إنها لم تكن في أي يوم من الأيام يسارية أو تُحسب على ملاك اليسار، ولاسيّما الماركسي، لكنها تعترف بالحاجة إلى اليسار، وعلى هذا الأخير ألّا يرفع الشعارات القديمة، بل يصوغ رؤية واقعية جديدة تعيد لقيم الحريّة والمساواة والعدالة الاجتماعية ألقها، بعيدًا عن الأدلجة والانغلاق العقائدي. إنها تدعو إلى يسار يمثّل الضمير الاجتماعي، وليس بديلًا سلطويًا، بل صاحب مشروع تنموي إنساني يتجاوز منطق الخصومة الأيديولوجية (ومثل هذا الرأي ورد على لسان صديق تونسي كان يُحسب على تيار إسلامي أيديولوجي، لكنه تجاوزه إلى تيار انفتاحي غير أيديولوجي). وطالبني صديق تركي بإلحاح أن أستكمل الموضوع بمسلسل حلقات أخرى لتوضيحه وشرحه وتفسيره، وكنت قد أحلته، كما أحلت العديد من الأصدقاء والقرّاء إلى عدد من المصادر والكتب والمقالات والمحاضرات التي سبق أن أدرجت بعضها في مقدمة هذه المقالة، وقد ترجم هذه المقالة إلى اللغة التركية، ونشرها في الصحافة اليسارية التركية. وجاء في سؤال على الإيميل لأحد القرّاء العراقيين: أين اليسار الذي تحدّثت عنه وعن مشروع الثورة الذي كان على الأبواب؟ وكان ردّي أن اليسار الحقيقي ليس الذي يعيش في الماضي أو على ذكرياته العزيزة، بل يحاول استلهام تجاربه الناجحة لصالح الحاضر والمستقبل، ولا بدّ من قراءة الواقع وفقًا لمنظور جديد، كما يحتاج الأمر إلى امتلاك الشجاعة في تقديم نقد ذاتي ومراجعة أخطائه على الصعد الفكرية والعملية والتنظيمية والأخلاقية، والتخلّص من نظرته المسبقة في ادّعاء الأفضليات واحتكار الحقيقة، وعليه أن يبدأ من الإنسان ومن كرامته ومن حاجاته وقدرته على التفكير والمشاركة والمساءلة. وكما تقول صديقتنا في بداية هذه المقالة، المجتمع الذي يستعيد حسّه النقدي يستعيد أيضًا معنى اليسار ذاته، لا كتيار سياسي، بل كفكرة للعدالة والمساواة والكرامة في زمن اختلطت فيه الشعارات بالمصالح. وجاء في رسالة لأحد اليساريين الكرد قوله أنت تتحدّث عن اليسار العربي فأين اليسار الكردي من هذه المعادلة؟ وكيف انشطر حزب اليسار إلى حزبين شيوعيين على أساس قومي؟ وتدريجيًا ضاقت سبلهما، فأحدهما تحالف من أدنى مع التيار القومي الغالب في كردستان، والآخر تنقّل في تحالفات بين إسلاميين وولائيين وموالين لإيران وآخرين مؤيدين لواشنطن واحتلالها للعراق، فأين هذا اليسار الذي تتحدّث عنه؟ ويختتم رسالته بالقول: لعلّك تعيش في عالم مثالي بعيدًا عن الواقع واكتفيت بالتنظير؟ وكان جوابي: على اليسار أن يستعيد هويّته الوطنية وينقّيها ممّا علق بها من شوائب ويصحّح مواقفه بشجاعة، سواء نظرته القاصرة خلال الحرب العراقية – الإيرانية، أو خلال فترة الحصار الدولي الجائر، فضلًا عن تحالفاته ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ومشاركته في مجلس الحكم الانتقالي، وتأييده للدستور القائم على المحاصصة والزبائنية السياسية والحصول على المغانم. إن مثل هذه المراجعة تشكّل مدخلًا مهمًا لمراجعة فكرية أشمل للنصوص القديمة والكليشيهات المترهّلة والنظر إلى الواقع بكلّ ما يختزنه من متغيرات جديدة، فلم تعد الطبقة العاملة الآن حتى في الغرب، مثلما هي في خمسينيات القرن المنصرم، فما بالك في بلدان تعيش على الريع؟ لا بدّ هنا من التوقّف جديًّا عند تحولات العمل والاقتصاد والمعرفة. وعليه أن يبتكر خطابًا مناسبًا لعصر العولمة والذكاء الاصطناعي، ولا يبقى أسيرًا لمفردات الصراع الطبقي الكلاسيكي. لقد كان اليسار جسرًا سالكًا وأمينًا بين مختلف القوميات والأديان والطوائف، أو هكذا يُنظر له، بعيدًا عن الانحيازات الضيقة، مترفعًا عنها، منطلقًا من فكرته الوطنية الصافية ونظرته الجامعة، حيث كان الجميع ينظرون إليه كمرجعية وجدانية، حتى وإن أخطأ. مرّةً أخرى أقول إن أخطاء اليسار ومثالبه لا تُلغي الحاجة إليه اليوم، بل إن هذه الحاجة تزداد أكثر فأكثر في ظلّ تفشّي الطائفية والنزعات العشائرية والاصطفافات القومية الضيقة في مجتمعاتنا. وكما أشرت يحتاج اليسار إلى وعي جديد ليمتلك نظرة جديدة خارج دوائر البرمجة الميكانيكية، خصوصًا حين تتحوّل فكرة النضال إلى برنامج أيديولوجي معطوب التشغيل، إذْ غالبًا ما كانت الأيديولوجيا أداة تفضيل بين الحريّة والخنوع وبين العدالة والظلم، وتحوّلت الأحلام الوردية من عالم خال من الاستغلال إلى المساواة بالقهر لا بالحقوق، وهو ما انتهت إليه تجارب البلدان الاشتراكية السابقة، وتجارب ما أطلقنا عليه بلدان التحرّر الوطني في أنظمة قومية سلطوية بما فيها في بلداننا العربية. وثمة أكثر من رسالة من قراء عراقيين وسوريين وسودانيين مفادها: في لغتكم السياسية المبرمجة لا تتقبّلون تعدّد المبرمجين، إذْ أصبحت الواحدية والإطلاقية والشمولية ديدنكم، لدرجة صار "الكود" code عبارة عن تعليمات صارمة لا تقبل أي رأي غير رأيها، فمن ليس معنا فهو ضدنا، ومن لا يهتف يُلغى، ومن يسأل ويلحّ بالسؤال يُحاسب أو يُعاقب، وكنت قد استذكرت مع رفيق مغربي عتيق رواية جورج أورويل "مملكة الحيوانات" كيف يُحال إلى لجنة التحقيق الثورية. هكذا تحوّلت فكرة العدالة للجميع إلى ملف تنفيذي جديد اسمه "القيادة الحكيمة"، فهي تكتب الدستور والقوانين وتمحوها، وهي تصوغ النظام الداخلي وأول من يقوم بمخالفته، وهو ما ورد أيضًا على لسان الصديقة اللبنانية، وكنت قد اصطدمت بمثل هذا الرأي في السبعينيات. لقد غذّت الأيديولوجيا المتخمة مفهوم السلطة عبر الخوف لا عبر العمل، ولو عاد أرويل اليوم لكتب مزرعة البيانات بدلًا من مزرعة الحيوانات، التي تتحكّم فيها الشركات التقنية بدلًا من إدارات الأحزاب، وتراقبنا الكاميرات بدلًا من الكلاب، وتوزّع المكافآت على من يطيع الخوارزمية لا الحزب القائد. ويقول صديق فلسطيني: لقد انتقل الاستبداد من المكتب السياسي والقيادة القُطرية وقيادة هذا الفصيل أو ذاك إلى شاشتنا الصغيرة، وما زلنا نصفّق، لكن بالاعجابات والورود والقلوب الافتراضية وإشارات النصر. إن رواية "مزرعة الحيوانات" ليست عن الشيوعية بقدر ما هي ضدّ الاستبداد، بما فيه الاستبداد الرأسمالي ونموذجه الإمبريالي – الإسرائيلي، وما جرى في حرب الإبادة على غزّة خير دليل على ذلك، إذْ لم يكتف الطغيان بتدمير البشر والشجر والحجر، بل طلب من الضحايا أن يقدّموا الشكر والعرفان له على ما صنعه فيهم من جعل الحياة مستحيلة، وهذا أقسى أنواع الإذلال والظلم. إن مزرعة الحيوانات هي درس في السياسة والأخلاق والقيم الإنسانية، وهي شيفرة جديدة لليسار لرفع درجة الوعي وتقديم رؤية جديدة لما يجري داخله وحوله وفي العالم أجمع.
تنويه نرسل إليكم الحلقات الثلاثة كاملةً، وذلك بناءً على مطالبة العديد من القراء والأصدقاء الذين لم يتمكنوا من الاطلاع عليها في حينها أو فاتهم الاطلاع على إحدى حلقاتها، مع خالص التقدير والاحترام.
#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الثالثة)
-
جامعة القاضي عياض بمراكش تكرّم خمسة مبدعين
-
أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الثانية)
-
وضوح الرؤية وروح الوفاق
-
حقوق الإنسان من منظور متعدّد الأبعاد
-
حين يعاقب الجاني القضاء
-
المثقّف العضوي وهموم الناس
-
حوار مع المفكّر الأديب العراقي الكبير عبد الحسين شعبان/ النا
...
-
أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الأولى)
-
حين توجد إرادة توجد طريقة
-
واحة اسمها شعبان
-
جيل الستينيات: رؤية جديدة
-
البارزاني ثلاث مفارقات وثلاثة دروس... وثمة ذاكرة
-
قطر بين فاعلية القانون الدولي وتفعيله
-
الثقافة مزهرة من بغداد إلى بغداد
-
أرادنا نسخة أفضل من أنفسنا
-
عودة إلى -مزرعة الحيوانات-
-
لا نقول وداعًا إنما نقول اشتياقًا - محمد بن عيسى: للحياة مع
...
-
نموذج المفكر الراقي.. نموذج الفكر النشط
-
داوننغ ستريت ووعد بلفور
المزيد.....
-
مصر..ضجة -إهانة- طلاب لمعلمة ووزير التعليم يعلن عن -قرارات ح
...
-
هجوم روسي على أوكرانيا يوقع قتلى ويقطع الكهرباء.. وزيلينسكي
...
-
ترامب يطعن في توقيعات بايدن -النعسان- عبر -القلم الآلي-.. فم
...
-
فيديو - رحلة في عمق الجنوب اللبناني: مشاهد غير مسبوقة من داخ
...
-
احتجاجات حاشدة بألمانيا تعرقل انطلاق الجناح الشبابي الجديد ل
...
-
قتيل وجرحى جراء قصف روسي ليلي استهدف العاصمة الأوكرانية كييف
...
-
حداد رسمي وتنكيس للأعلام... هونغ كونغ تنعى ضحايا الحريق الذي
...
-
سوريا تندد بانتهاك سيادتها وتعلن: الغرور أعمى إسرائيل
-
ترامب يدعو لاعتبار المجال الجوي فوق فنزويلا -مغلقا-
-
-تمهيدا لعمليات برية-.. ترامب يعلن إغلاق المجال الجوي فوق فن
...
المزيد.....
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
-
نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار
/ ياسين الحاج صالح
المزيد.....
|