|
|
كأن الحياة قصيدة والكون لوحة
عبد الحسين شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 14:01
المحور:
قضايا ثقافية
"كلّ مكان لا يؤنّث لا يعوّل عليه"، وجدت في هذا الاقتباس من محي الدين بن عربي المدخل المناسب إلى عوالم سعاد الصباح، الشاعرة المبدعة التي تكتب بحروف نازفة حتى لكأنك ترى حبر الفلسفة يسيل من قلمها فيضيء أوراقها ويطرّزها بالألوان احتفاءً وزهوًا بالجمال والحب والصداقة والعدل والخير. الشعر والرسم جناحان طارت بهما سعاد إلى عالم الإبداع، ذلك البحر الشاسع الذي لا يمكن خوض عبابه، وظلّت سفينتها تتنقّل من ميناء إلى آخر دون كلل أو ملل، ولكنها حيثما تكون فثمة قمر أزرق مشع فوقها يرسل ضوءه بحنو بالغ وكأنه يدرك ما هي فيه من حالة دهشة أو حالة شعر. ثمة مكامن جمال خفيّة تختبئ في القصيدة "السعادية"، لا يمكن اكتشافها بسهولة، لكنّك بعد القراءة الثانية والثالثة ستعرفها من رسم حروفها ونبرتها الحزينة وجرأتها الأنثوية الباهرة، وحساسيتها الإنسانية الفائقة، فتلك الامرأة الخليجية العربية السمراء أظهرت ميلًا مبكرًا للأدب بعامّة والشعر بخاصّة، وهي لم تتجاوز الثالثة عشر من عمرها، وطبعت أول مجموعة لها في العام 1964 بعد أن نشرت عددًا من قصائدها في الصحف والمجلات، وكما تقول: تعلّمت على يد والدي وصديقي، كما علّمتها والدتها أن تكون سيّدة نفسها، وهكذا كانت حديقة البيت الأولى التي ازدانت بالحنان والرحمة، ثم كان لبستانها الأكبر الشيخ عبد الله مبارك زوجها الذي عمّق شخصيتها ورعاها وحماها وغمرها ببحر فروسيته ومروءته وفكره الحر. الكلمات والألوان التي في قاموس سعاد غالبًا ما تدهشك، ولا شعر ولا رسم دون دهشة، مثلما لا شعر دون روح، لأن الشعر يأتي من أفق بعيد ليواصل مشواره إلى أفق لا محدود، إنه سؤال، وأول الفلسفة سؤال كما يقال، وهكذا يكون الشعر فلسفة، رؤية، صورة، إحساس، دهشة، حلم ومخيّلة. وشاعرية سعاد تعني روح الشعر، أي الإحساس الرفيع الذي يلامس الروح ويعبّر عن جوهر الشعر حسب غوستاف باشلار، وذلك لتميّزها بالحساسية والجمال، مثلما هي لغتها، بقدر ما فيها من بساطة ففيها عمق، فاللغة هي بمثابة وطن، بل إنها المفتاح للهويّة، واللغة هي نسق من الرموز والإشارات تُستخدم للتواصل ونقل الأفكار والمشاعر والانفعالات، وهي وسيلة إنسانية للتعبير وأداة معرفية واجتماعية ونفسية للتفاهم بين الأفراد والجماعات والشعوب بتفاعل الحضارات وتلاقح الثقافات. للشعر صوت مثلما هي الحروف ناطقة، واللوحة كذلك تُصدر أصواتًا نسمع موسيقاها حتى وإن كانت غير ناطقة عبر الأذن، وإن كانت الصورة بصرية تراها بالعين، لكنها أقرب إلى معزوفة حتى وإن كانت بالتنقيط، وكل نقطة تضعها سعاد في قصيدتها أو لوحتها لها معنى ومكان ودلالة وامتلاء، وكما يقول الحلّاج: النقطة أصل كل خط، والخط كله نقاط مجتمعة، فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط، وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرّك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين، وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد، وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا قلت: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه. ماذا يعني صوت سعاد في الشعر وفي الرسم... إنه موسيقى ناطقة هي أقرب إلى ديالوغ داخلي، حوار بينها وبين نفسها وبينها وبين الخارج أيضًا، حتى وإن كانت صامتة، ولكنها تصدر أصواتًا داخلية، وحسب الروائي الغواتيمالي أستورياس الحائز على جائزة نوبل للأدب العام 1967 "الإنسان إله بسبب من صوته". وتتداخل في العمل الإبداعي عدّة روافد مثل اللسان والأذن والعين والدماغ والقلب، فاللسان يصدر الأصوات والأذن أول من تلتقطها وتسمع موسيقاها، مثلما تبصر العين الحروف والألوان، وكلّ ذلك يذهب إلى الدماغ، ومن هذا الأخير إلى القلب، فيعطي الإحساس الذي يغذّي الروح، وعند سعاد يكون شديد الإحساس والتأثير الحسّي، لاسيّما وهي تسعى للمحسوس من الأشياء حتى تمتزج أوتار صوتها بالروح التي تتفجّر فيها عناصر التمرّد والرفض وعدم الاستكانة. وإذا أردنا إخضاع شعر سعاد الصباح لنظرية الأنثروبولوجي الألماني لودفيك فيورباخ، الذي تأثّر به ماركس وأنجلز وفاغنر ونيتشه، فإن ما يميّزه هو تلك الصورة والأصوات الحسيّة من شعر ورسم وإبداع، والمبدع الحسّي يفرّق بين الحقيقة الحسيّة والحقيقة الفكرية، كلّ ذلك يمكن تلمّسه والشعور به منذ أول وهلة وأنت تقرأ سعاد الصباح، ويزداد لديك مثل هذا الشعور حين تلتقيها وتجتمع بها على مائدة حقوق الإنسان في ظرف عسير كان يمرّ به العالم العربي، حتى لتدرك تكامل الصورة مع المخيّلة. وعلى الصعيد الشخصي يمكنني القول إن ثمة شخصيات مبدعة ممن تلتقيها كنت تتمنّى ألّا تتعرّف عليها لكان ذلك أحسن، وشخصيات أخرى تلتقيها فتتمنى لو أنك كنت تعرفها كلّ حياتك، وسعاد من هذا النوع النادر والمحبّب، الذي كلّما ازددت معرفة به ازددت محبة واحترامًا له. يوم غنّت الفنّانة ماجدة الرومي "كن صديقي"، قصيدة سعاد الصباح، امتزجت الكلمة بالصورة والصوت، فأعادتنا إلى مفهوم الصداقة المنزهة بما فيها بين المرأة والرجل، فحسب أفلاطون "الصديق هو أنت ولكن بجسد آخر"، ووفقًا لأبو حيان التوحيدي "الصديق هو أنت إلّا أنه بالشخص غيرك"، ذلك هو الخيط الحريري المنسوج بلغة شفيفة الذي يربط الإنسان بفضاء الأماني، ويستحضر فقه الصداقة. سعاد ليست امرأة اعتيادية أو شاعرة مبدعة وحسب، فهي بقدر ما تمنحك المتعة الجمالية عند قراءة قصائدها أو الاستمتاع بمشاهدة لوحاتها، فإن صوتها يقطر عذوبة وهي تتجوّل في فضاء الحريّة متجرّدة من قيود العبودية الذكورية أو لغيرها من العادات الاجتماعية التي تحطّ من قدر المرأة أو تنتقص منها. وإذا كانت قصائد سعاد تغنّي للحريّة، فإن لوحاتها وألوانها تعطي هذه الفسحة الكبيرة للشعور بالتحرّر وكسر القيود، ولعلّها تعبّر بشكل أو بآخر عن نقد ما هو سائد من عادات وتقاليد وكلّ ما يكبّل حريّة الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص. وأستطيع القول: الكتابة دون نقد لا قيمة لها، وهي أشبه بخطبة روتينية لإمام جامع اعتاد على إلقائها بحكم المهنة، دون أي إحساس أو انفعال. لقد تمرّدت سعاد على التقاليد وعلى الفكر السائد وعلى المجتمع، ولذلك جاءت قصائدها طازجة وشهية مطعّمة بإيحاءات صوفية بما فيها من كشف وبوح وفضاء. لقد سبحت سعاد ضدّ التيّار، وكانت مسلّحة بوعي معرفي، فمنحت قارئها فسحة للتفكير والتأمل، ليس في الشعر والرسم وحسب، بل بما احتويا من بصر وسمع وحس وفكر وانفعال، وبمتعة جمالية لا متناهية، فقد قضت عمرها مع الحروف والألوان، وسكبته على الورق، فرسمت بالكلمات ولوّنت بالحروف، وسقت كلّ ذلك بماء المحبة. لم تهادن أو تتراجع أو تتردّد، ظلّت ماضية في طريقها الإبداعي، على الرغم من القسوة ومحاولات الإساءة والتشويه، وكم يظلم النقاد أحيانًا مبدعين كبار وهو ما يردّده الجهلة من ورائهم، ولكن سعاد لم تستسلم أو تلين. "أنا امرأة من فضاء بعيد ونجم بعيد فلا بالوعود ألين ولا بالوعيد"
إن كلّ نقد موضوعي هو إعادة كتابة للنص، لكن مثل هذا النقد للأسف الشديد يغيب عن الحضور في مجتمعاتنا العربية، والنقد الموضوعي هو حضور إبداعي في الآن، ولعلّ غياب مثل هذا النقد هو الذي دفعها لنشر مجموعة شعرية بعنوان "والورود تعرف الغضب"، فالورد يغضب أحيانًا مثلما الكلمة، وللقلم أضفار أيضًا، مثلما للورد شوك كما تقول. إنه الغضب النبيل. ولم تغادر سعاد رومنسيتها بقدر ما هي استمرار بحسيّتها، فبعد حياة دامت 32 عامًا مع شريكها وزوجها المبجّل، عثرت على رسائل كانت على مدى هذه الفترة الطويلة ترسلها له واحتفظ بها، فنشرتها في كتاب بعنوان "رسائل من الزمن الجميل". وذلك دليل حنين وشجن وأغنيات وأسرار. عاشت سعاد نصفها للشعر والنصف الآخر للرسم، وفي كلّ منهما تجد نفسها، فكلّ قصيدة هي مشروع لوحة، وكلّ لوحة هي مشروع قصيدة، هكذا تختلط الفرشاة واللون بالكلمة والرمز، والصوت بالصورة لاستنطاق الروح التي في داخلها، وروحها في الألوان والكلمات. وجعل هذا التكامل بين نصّها ولغتها وقلمها وفرشاتها في حالة تعاشق، تختلط فيه المعاني لتنتج حالة جمالية جديدة لا تتوقّف عندها، فتعيد الرسم بالكلمات واللوحة بالأصوات. سعاد تزيّن إطار لوحتها بالشعر وترسم قصيدتها بالكلمات والألوان، وتوسّع مساحة الجمال لتضيء الحياة وتعطيها معنى أكثر بهجة، حتى وإن كان تمشي بين الألغام. سعاد الصباح شاعرة استثنائية في زمن استثنائي، وكم نحتاج فيه إلى الاستثناء ليصبح قاعدة، لأنها تمتلك كلّ مقوّمات الجمال والإبداع والقيم الإنسانية، فهي مثقفة كونية أخلصت للإبداع، وكانت الحقيقة والعدل والخير بوصلتها باستمرار، وهي متصالحة مع نفسها وواثقة من خطواتها ومدركة ما يدور حولها ومواصلة طريقها بإصرار وكبرياء وثقة.
- الكلمة الافتتاحية التي ألقاها الكاتب في الندوة الفكرية التي أدارها وهي بعنوان "سعاد الصباح بين الشعر والهويّة"، والتي شارك فيها نخبة من المثقفين والأدباء العرب والأجانب، بمناسبة تكريم د. سعاد الصباح من جانب "مركز الذاكرة المشتركة للديمقراطية والسلم" في مدينة الناظور في المغرب في 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2025.
#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الفنان مكي حسين: حين يتعتّق الحزن بالجمال
-
الديمقراطية والسلطوية.. هل يجتمعان؟
-
أيقونة اليسار العربي
-
(ثلاث حلقات) أين مشروع اليسار العربي؟
-
أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الثالثة)
-
جامعة القاضي عياض بمراكش تكرّم خمسة مبدعين
-
أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الثانية)
-
وضوح الرؤية وروح الوفاق
-
حقوق الإنسان من منظور متعدّد الأبعاد
-
حين يعاقب الجاني القضاء
-
المثقّف العضوي وهموم الناس
-
حوار مع المفكّر الأديب العراقي الكبير عبد الحسين شعبان/ النا
...
-
أين مشروع اليسار العربي؟ (الحلقة الأولى)
-
حين توجد إرادة توجد طريقة
-
واحة اسمها شعبان
-
جيل الستينيات: رؤية جديدة
-
البارزاني ثلاث مفارقات وثلاثة دروس... وثمة ذاكرة
-
قطر بين فاعلية القانون الدولي وتفعيله
-
الثقافة مزهرة من بغداد إلى بغداد
-
أرادنا نسخة أفضل من أنفسنا
المزيد.....
-
فرق الإنقاذ تهرع إلى موقع حريق مميت في منتجع تزلج بسويسرا خل
...
-
إليك قائمة بالقطارات الأكثر إثارة في العام 2026
-
السعودية.. جملة يوجهها متحدث رئاسة أمن الدولة للشباب
-
البرهان في ذكرى استقلال السودان الـ70: النصر قادم والمصالحة
...
-
التهم حريق كنيسة تاريخية في وسط أمستردام يوم رأس السنة
-
ترامب يعلن سحب قوات الحرس الوطني من بعض المدن الأمريكية
-
كيف مهّدت عمليات -قلوب الأطفال- لاعتراف إسرائيل بأرض الصومال
...
-
السلطات السويسرية ترجح -مقتل العشرات- في حريق بحانة في منتجع
...
-
ماهي أبرز مسلسلات عام 2025؟
-
مصر.. هروب جماعي من مصحة لمعالجة الإدمان!
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|