أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - عبد الحسين شعبان: زمن فلسطين والثقافة العربية















المزيد.....



عبد الحسين شعبان: زمن فلسطين والثقافة العربية


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 16:11
المحور: قضايا ثقافية
    


احتفاءً بمنجزه الأكاديمي والفكري، أقامت مجلّة تحوّلات ندوة تكريمية للمفكّر العربي الكبير عبد الحسين شعبان، شارك فيها نخبة متميّزة من المثقفات والمثقفين وكوكبة لامعة من الباحثات والباحثين والأكاديميات والأكاديميين، تمحورت حول كُتبه ودراساته وأنشطته الفلسطينية والثقافية حملت عنوان "زمن فلسطين والثقافة العربية" في 6 شباط / فبراير 2024 (بيروت - مبنى جريدة السفير)


كلمة الشاعرة والإعلامية الدكتورة نوال الحوار
في تقديم الندوة الفكرية الاحتفالية بالدكتور عبد الحسين شعبان

السيدات والسادة الحضور
السلام عليكم ورحمة الله..
في هذا المساء الشتوي البارد، الدافئ بحضوركم يسعدنا أن نلتقي معاً في هذا الجمع الكريم بمناسبة جمعتنا في فضاءاتها الفكرية والانسانية وتجمعنا اليوم في دفئها وغناها، في الامها واحلامها.
مرّ اربعة شهور على عملية "طوفان الأقصى" وعلى إطلاق الحرب التدميرية من قبل الجيش الاسرائيلي على غزة واهلها.
تابعنا واياكم ملاحم البطولة والفخر التي سطّرها أهل غزة، كما تابعنا بألم وحزن اداة القتل والتدمير التي حصدت عشرات الألاف من الأرواح البريئة وجلُّهم من نساء واطفال غزة وفلسطين.
ولايسعنا الا أن نكرر ما يقوله اهل الثغور في غزة هاشم، ألا إن النصر أت وقريب بإذن الله.
ولأن غزة هي الحدث والبوصلة فجلّ أنشطتنا الفكرية والثقافية تتمحور حولها، واليوم نحتفي بمفكر موسوعي، ومناضل كبير عمل حثيثا من أجل تحقيق العدالة، بكل ابعادها وشروطها الإجتماعية والسياسية والانسانية وفي المقدمة حق تقرير مصير الشعوب، وحق الشعب الذي ينتزعه بيده لا بيد من يصادر قراراه.
من أبرز مراحل حياة هذا المناضل هو البعد الفلسطيني، الذي أعطى له جزءً كبيراً من حياته ولايزال يعطي إلى الأن وأقصد الدكتور عبد الحسين شعبان الذي، نحتفي بحضوره بيننا اليوم، بكل ما حمل ويحمل من رصيد فكري ووجدان عربي، وتجربة يسارية، وعمق نجفي، وشخصية عراقية، وبعد حقوقي انساني، عبد الحسين شعبان بلا تكلف هو بيت العرب بمنازل شتى، مشرعة ابوابها لنسيم الشام وارز لبنان، ولنشامة الاردن، وفضاء مصر والسودان، من المغرب الى المشرق بيت عبد الحسين شعبان المطل على فضاء عالمي، يأنس هذا الرجل بفضاء انساني غني، كانت فلسطين جذره ونجمته التي لا صباح بدونها، يطول الكلام وتتشعب المسارات في الطريق الى من تحيطونه اليوم بإلفتكم علّها تنجح في اختصار الطريق والمسافة الى جوهرة شعبان التي تشع وتضيئ، وكلما اشتد الظلام تزداد حضورا، وتشدُّ الأبصار اليها بلا كلل ولا ملل.
يغري الحديث عن صديقنا الكبير بالمزيد، لكثرة ما لديه من ابواب الكلام والمعنى، لكن ما يدفعني الى الاقتضاب هي المرايا التي تحملونها، وحبرُ اللغة والفكر الذي تخطونه. لذا نتشوق لسماع انغامه في ليلنا هذا، وعلى طريق الفجر الذي نكابده. عبد الحسين شعبان نجمتنا فهللو لفلسطين، وهاتو الينا بضوء الحسين في زحمة السواد.
ولا بد قبل وبعد أن أوجه الشكر للأستاذ سركيس أبو زيد مؤسس مجلة تحولات الفكرية الذي نلتقي برعايته اليوم علّنا نلتقط بعضا من التحولات التي لا بد ان تختصر الطريق الى المحتفى به.





كلمة العلامة سماحة الشيخ حسين شحادة
الدكتور عبد الحسين شعبان: قديس حريّة الكلمة
وصانع اللوبيات القانونية والحقوقية من أجل فلسطين


يوم كتب المفكر العربي الكبير، الدكتور عبد الحسين شعبان عن فقه التسامح، كنا سيادة المطران جورج خضر وأنا وآخرين من المتابعين لأعماله الفكرية من يساريين وقوميين وعلمانيين، قد انتبهنا إلى سنّ قلمه المضيء، في منعطف الأسئلة الحرجة من تحولات الفكر السياسي العربي المضطرب، تحت لعلعة البنادق، التي سبقتنا وسبقت محابرنا، فكانت وفق الروزنامة الفلسطينية هي الزمن الفلسطيني.
كان الفجر العربي داكنًا، لم يكن العقل سيّد التنوير، وقد التبس النهوض العربي بالشروط والشروط المضادة بالتخوين والتخوين المضاد، إلى أن انتهى المشهد الظلامي عن الكوارث الدامية، التي أصابت الجميع ومن دون استثناء، في واقع ملتهب وبائس، امتلأت فيه أقبية السجون.. بسجناء الرأي وسجناء الجهل المقدّس، فيما الأحزمة الإرهابية الناسفة، كانت، إذا فرغت من جنون انتحاري إلى انتحار حضاري، تسأل عن دم البعوض، أطاهر هو؟ أم نجس؟!
وأمام هذا التحدي، اتّجه الدكتور شعبان إلى لملمة شظايانا ومراجعة تجاربنا بروح انتقادية منفتحة وجامعة، وفي باله سؤال المستقبل الجارح والمجروح، وكان لابدّ من البوصلة، وكانت بوصلته كل فلسطين، من النهر إلى البحر، ولا ابالغ إن قلت:
أن الدكتور عبد الحسين شعبان، الأكاديمي الثوري، واليساري الصوفي، والإنساني الشاهد والشهيد على العصر الفلسطيني، والمحب للحياة أيضًا، هو صانع اللوبيات القانونية والحقوقية من أجل فلسطين على المستويين العربي والدولي.
فخاض معاركه الفكرية والثقافية والنهضوية، وهو يرى بأحزانه، ومن عمق قلبه وفؤاده، كيف انهار البيت العربي، وكيف سقط سقفه على رؤوس الجميع، ورأى بآلامه كيف لوينا عنق الزمن الفلسطيني، وأدخلناه في جدل انقساماتنا حول الحريّة والهويّة وبناء الدولة الحديثة وأولويات النهوض، واحتدم السجال عميقًا، هذه المرّة ليصبح، ويا للأسف حول أي فلسطين نريد؟ هل نريد فلسطين الدينية أم فلسطين العلمانية؟
أقول، أمام هذه التراكمات المتصحّرة والمتكلّسة، كان لا بدّ للدكتور شعبان أن يخوض معاركه على أكثر من جبهة، بدءًا من جبهة الوعي بالذات، مرورًا بجبهة تصحيح المفاهيم والمصطلحات وصولًا إلى جبهة الخندق الفلسطيني الأمامي المتقدّم، ويسعني القول أن:


الجبهة الأولى - على الصعيد الفكري، التي فتحت أمامه الأفق ليكون من فرسان الحوار، فنادى بوجوب ردّ الاعتبار لحوار التكامل، لا بين العروبة والإسلام فحسب، ولا بين الماركسية والإسلام وعموم الأديان، بل بين ثلاثية الدين والسلطة والمجتمع من منطلق إيمانه، أن الحوار هو الوسيلة الوحيدة لشرف الدخول إلى الزمن الفلسطيني بأفقه العربي - الإنساني، القائم على الحق والعدل والتعدّدية والتنوّع وقبول الآخر.
والجبهة الثانية، كانت على الصعيد العملي، فقد بذل جهودًا حفظتها لنا وثائق المؤتمرات والندوات والمحاضرات، ليلفتنا جميعًا إلى قدسية الاهتمام بتنقية الذاكرة من دواحس العلمانية ومن غبراوات السلفية التكفيرية ومن أوهام التغريب والانبهار بأمركة العالم وعولمته، كذلك أرادنا الدكتور شعبان، بوصفه قديسًا لحريّة الكلمة، أن ندخل إلى الزمن الفلسطيني بثياب نظيفة وصلاة طاهرة وبنادق تتّقي الله بسفك الدماء وتتقي الله بجاهليات العنف والتطرّف وصنميات العقول، التي لم تدرك مغزى أن نخلع نعالنا الحزبوية والسياسية والطائفية في حضرة فلسطين.
الجبهة الثالثة - نقض السردية الصهيونية، ونقض السرديات المنبهرة بأوهام التطبيع مع العدو "الإسرائيلي"، هكذا حفر الدكتور شعبان رؤيته الصادقة بين الحفرتين، وقارب بموضوعية عميقة أسئلة النهضة ذاتها، ولكن من وجهة مغايرة ومختلفة، قوامها:
أولًا - تحرير الحوار من الأدلجة
ثانيًا - تحرير المعرفة من المخيلة الموروثة
ثالثًا - تحرير الشموليات من نزعة التفوّق وذهنية الإقصاء ولوثة الهويّات القاتلة.
ولأن قلم الدكتور عبد الحسين شعبان، هو القلم المعافي الخالص من الشوائب، شوائب الفتن وشوائب الانقسام وشوائب التنظير للتسويات المهينة والمذلّة بشهادة الأوسمة والدروع، التي منحته إيّاها بغداد وبيروت ودمشق وعمّان والقاهرة وتونس والخليج، وسواها من العواصم الأوروبية وغير الأوروبية، فقد أصبح الدكتور شعبان، من بيننا، قدوةً للمثقف العربي المناضل، ومثالًا يحتذى للذين جاهدوا ويجاهدون بالقلم.
إنه ربيب النجف، ربيب الكلمة الروحية، وبكامل أوصافه العلمية والأخلاقية، لم يُصب شعبان بالوهن ولا أخذته العزّة بالغرور.
قبّل شعبان الخريطة العربية وقبّل ترابها وأخذنا إلى "دين العقل وفقه الواقع"، واستراح، لكنه لم يهدأ وكمثل عصفور الشرق، حطّ على أغصان كرمته، واعدًا بأن نهاية التاريخ لم تُكتب بعد، وبأن الزمن الفلسطيني قد بدأ، وبأن فضّ الاشتباكات الفلسفية والدينية والسياسية، تبدأ من سؤال الحريّة قبل سؤال التحرير، وبأن الزمن الفلسطيني الواعد بالحق والخير والعدل والكرامة والجمال والعنفوان، هو للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، وهو للقابضين على مفاتيح العودة الكاملة إلى فلسطين الكاملة.
وتلك هي فرادة الاستثناء، وفرادة المفكر والفيلسوف السياسي عبد الحسين شعبان، وتلك هي فرادة أصحاب القيم وأصحاب الرسالات من جيل إلى جيل.



كلمة د. محمد الحوراني

عبدُ الحُسَين شعبان... حربُ الوثائق في تعريةِ الاحتلال الصّهيونيّ

من الصعوبة بمكان أن تجدَ أديباً بارعاً في السياسة، ومن النادر أن ينجحَ مُثقَّفٌ في الإمساكِ بخيوط الاقتصاد والقانون، وأن يُناقِشَكَ فيهما نِقاشَ الخبيرِ العارفِ بتفاصيلِهما على اختلافِ مدارسِهما، بعدَ تقديمِه مُرافَعاتٍ عاليةَ المُستوى في الدِّفاعِ عن حقوق المظلومينَ في أصقاعِ المعمورة، بل إنّ قِراءَتَهُ المُعمَّقةَ وسَبْرَهُ أغوارَ القضيّةِ الفلسطينية جَعَلاهُ أحدَ أبناءِ هذه القضيّةِ المُخلِصينَ لها، والمُدافِعينَ عنها في المحافل العربيّة والدولية، وهو الذي انتقدَ بقسوةٍ آراءَ كثيرٍ من المُثقَّفين الغربيّين المُتَحامِلينَ عليها، والراغبينَ في تدنيسِ طُهْرِها، تماماً كما فضحَ المُحاولاتِ الصهيونيَّةَ في تهجير الشعب الفلسطينيّ من غزّةَ وغيرِها من المناطقِ الفلسطينيَّةِ بعدَ عمليّةِ طُوفانِ الأقصى، التي أثبتَتْ هشاشةَ القُوّةِ العسكريّةِ الصهيونيّةِ وتَهالُكَ أجْهِزَتِها الأمنيَّةِ أمامَ إرادةِ المُقاوِمينَ من أصحابِ الأرض والحقِّ المُغتصَب.
إنّهُ الباحثُ المُفكِّرُ الأديبُ الأستاذُ الدكتور عبدُ الحُسَين شعبان، أحدُ أهمِّ البارعينَ في فَضْحِ الرواية الصهيونية القائمةِ على التزييفِ والتَّدْلِيسِ في وَجْهِ الروايةِ الفلسطينية القائمةِ على التَّمسُّكِ بالحقِّ، والتصميمِ على استعادةِ الأرض، ولأنَّهُ كذلكَ فقد قضى جُلَّ حياتِهِ مُدافِعاً عن مظلوميّةِ الشعب الفلسطينيّ في وجهِ آلةِ القتلِ والإبادة الصهيونيّة.
للوَهْلَةِ الأولى، وللأرقِ الفكريِّ الذي أصابَ القارئَ العربيَّ، وأيَّ قارئٍ أُمَمِيٍّ آخَرَ، وَصَلَتْهُ (سرديّاتُ الإرهاب) بكُلِّ ما تَحمِلُهُ من خفايا مُتعلِّقةٍ جُذورُها بالحركةِ الصهيونية على وجهِ العُموم، وزيفِ الفِكْرِ الصّهيونيّ على وَجْهِ الخُصوص، سيحسبُ المُتلقّي عبرَ تلك الوهلة؛ أنَّ هذه الإضافةَ، وتحديداً ما يخصُّ هذا الموضوعَ، سينتهي مَلَفُّها معَ بقيّةِ مُكدَّساتِ الرُّفوفِ بينَ الصَّمْتِ والغُبار، خلالَ أكثرَ من سبعينَ سنةً من وهمِ التجميع وضبابيّةِ السَّرْدِ والكلامِ العابر.
لكنَّ قِراءةَ سرديّاتِ عبدِ الحُسَين شعبان المُؤرِّخِ العربيِّ العراقيِّ ووثائقِهِ تجاهَ ما خَطَّهُ عن الحركة الصهيونيةِ وزيفِ الفِكرِ الصهيونيِّ؛ تَجْعَلُكَ تَتَحَسَّسُ كُلَّ حرفٍ وكلمةٍ وجُملةٍ حفرَها الكاتبُ في ملفِّهِ المُوجِعِ حَدَّ الأرَقِ، وفي سرديّاتِهِ الدامِغَةِ للسَّرْدِيّاتِ الصهيونيّةِ الزائفةِ الزاهِقَة، كما أنَّ القارئَ العربيَّ، أو أيَّ قارئٍ آخرَ في العالم وَصَلَتْهُ تلكَ الوثائقُ، سيُدرِكُ أنَّها مِنْ أهمِّ وأخطرِ ما كُتِبَ ووُثِّقَ في هذا الموضوعِ المُربِكِ والشّائِكِ، إضافةً إلى أنَّ مُتابعةَ القراءةِ وسَبْرَ أغوارِ تلكَ الوثائقِ المُهِمَّةِ ستَنقُلُ القارئَ مِنْ عينِ البصرِ إلى عينِ البصيرة، ليَقِفَ على حقيقةِ ما وراءَ السُّطور، لتَكُونَ عملاً مُميَّزاً مُقارَبَةً، أو ما يُضاهيه قِيمةً وكَشْفاً وحقيقةً.
إنَّ كُلَّ إصدارٍ مِنْ مجموعةِ الإصداراتِ /الوثائق/ التي أعدَّها الباحثُ د.عبدُ الحُسَين شعبان، يُمثِّلُ وثيقةً للسّرديّةِ الصّهيونيَّةِ المُزيَّفةِ وللإرهاب المدعوم صهيونياً، ولا سيّما بما حَملَتْهُ "الغُرفةُ 46" سرديّات الإرهاب... خفايا وخبايا، وكتابُهُ: [عُصْبَةُ مُكافحةِ الصهيونيّة ونقض الرواية الإسرائيلية]، الذي يُمثِّلُ امتداداً للكِتابِ التوثيقيِّ الكاشف: [مُذكّرات صهيونيّ... يوميّات إيجون ريدليخ في مُعَسْكَر تيريزين]؛ هذه الكتبُ والوثائقُ أثبتَت القُدرةَ والبراعةَ في التأريخِ وفي التَّنْقِيبِ الفكريِّ والتَّوغُّلِ في عُمْقِ التفاصيل لدى المُفكِّرِ عبدِ الحُسَين شعبان، ما عدا كَشْفَها القِيمةَ العاليةَ لعملِهِ، والفَضْحَ القائمَ على أُسُسٍ تاريخيةٍ وعلميةٍ للمُمارَساتِ الصهيونيةِ بحقِّ أبناءِ الأرضِ منذُ النكبةِ حتّى يومِنا هذا.


الوثائقُ والتفاصيل:
أقِفُ هنا، بعدَ قراءاتٍ عدّةٍ لمضامينِ كُتُبِ د.عبدِ الحُسَين واسترجاعِ مُحتوياتِها، على أخطرِ النقاطِ والوثائقِ وأهمِّها، الّتي وردَتْ في تصنيفاتِ كاتبِها لتكونَ أمامَ قُرّائها: بَلْوَرَةً لوقائعِ قِلّةٍ مِنَ المُؤرِّخينَ وأحداثِهم وسرديّاتِهم.
آ ـ النُّقطةُ الأولى والأهمُّ تتعلّقُ بما كشفَهُ الكاتبُ في كتابِهِ "عُصبة مُكافحة الصهيونية ـ ونقض الرّواية الصهيونية ـ الإسرائيلية"، ولعلّهُ سبقَ غيرَهُ في ما قدَّمَهُ في هذا البحثِ من جُهدٍ مُتميِّز ورصينٍ لدحضِ الصهيونية وزيفِ تلفيقاتها التاريخية عبرَ إضاءةِ فصلٍ كاملٍ ومُهمّ، فصلٍ منسيٍّ أو مُهْمَلٍ من تاريخِ الكفاح الوطنيِّ العراقيِّ، الذي أسْهَمَ فيهِ: [يهودٌ تقدُّميُّونَ مُعادُونَ للصهيونية]، إذ شكَّلُوا: "عُصبةً لمُكافحتِها بتوجيهٍ من: "فهد ـ الأمينِ العامِّ للحزبِ الشيوعيِّ، الذي أُعْدِمَ عامَ 1949م، وهو أحدُ المُفكّرينَ الذينَ أنجَزُوا عناوينَهُمُ المُهمّةَ في القانونِ والسياسة والفلسفة والتاريخ والاقتصاد والمجتمع المدنيّ والفكر الدينيّ. قدّمَ اجتهاداتِهِ الجريئةَ وآراءَهُ النقديَّةَ، لتَقُودَهُ إلى ساحةِ الإعدام.
ب ـ النُّقطةُ الثانيةُ تتعلّقُ بكتاب شعبان: [من ناحيةِ علاقتِهِ بالمُقاوَمَةِ تاريخياً، والقضيّةِ الفلسطينية بُوصلةِ العرب والعروبةِ والمُسلمينَ في العالم، وقِبْلَةِ كُلِّ مُنْحازٍ إلى عدالةِ القضيّةِ الفلسطينية، ومظلوميّةِ شعبِها، والنِّضالِ الفلسطينيِّ ضدَّ الإرهاب والاستيطان الصّهيوني.
ج ـ النُّقطةُ الثالثة: ما كشفَهُ الكتابُ الأخطرُ عن [موقف الحركة الشيوعيّة بقيادة: يوسف سلمان يوسف /الحركي فهد/ من القضية الفلسطينية، والمُلابَسات التي قادَتْ إلى تغيُّرها لاحقاً.
د ـ النُّقطةُ الرابعة: الكشفُ عن برنامج الحركةِ الصهيونية [من المهد]: البدايات وما حملَتْهُ، وهي:
1- الحركةُ الصهيونيةُ القائمةُ على أُسُسِ السَّلام عُنصُرِيّةٌ دينيّةٌ رجعيّة.
2- الهجرةُ اليهوديّةُ لا تحلُّ مُشكلاتِ اليهودِ المُقْتَلَعِينَ من أورُوبّا، بل إنّ ذاكَ العملَ ما هو سوى غَزْوٍ مُنظَّمٍ تُدِيرُهُ الوكالةُ اليهوديّة.
3- تقسيمُ فلسطين مشروعٌ إمبرياليٌّ قديمٌ يستندُ إلى استحالةٍ مُفْتَرَضَةٍ للتَّفاهُمِ بينَ اليهودِ والعرب، وهذه نقطةٌ بالغةُ الأهميّة، ولا سيّما أنّها تُؤكِّدُ إخفاقَ حلِّ الدولتَينِ، الذي نُوْدِيَ بهِ مُدَّةً طويلةً من الزمن، وعادَ اليومَ ليُطِلَّ برأسِهِ مِنْ جديد، وهو ما يُؤكِّدُ استحالةَ تَحقُّقِ الفكرةِ البائدةِ القائمةِ على قيامِ دولتَينِ هما دولةُ الحقِّ التي يُمكِنُ أن تقومَ جنباً إلى جنبٍ معَ دولةِ الباطل، وهو أمرٌ لا يُمكِنُ أن يتحقَّقَ في حالٍ من الأحوال.
4- لا يُحدِّدُ شَكْلَ حُكومَةِ فلسطينَ إلّا الشَّعبُ الفلسطينيُّ، شعبُ فلسطينَ الأصيل.
5- سيُؤدِّي تقسيمُ فلسطينَ إلى خُضوعِ الأكثريّةِ العربيَّةِ للأقليّةِ الصهيونيّة.
تكشفُ سرديّاتُ /الغُرفة 46/ وخفايا شهادتها عن: [قنوات سرّيَّة طاولت شُكوك بعضها، لتظهرَ الحقيقة من مصادرها، وهي شهادةٌ تَمسُّ صميمَ الحقيقة، وتكتسبُ قيمةً أُخرى عن سواها من الشّهادات، أو الكتابات التي تناولَت التنظيماتِ الّتي تعتمدُ على أسلوبِ العُنفِ فلسفةَ عملٍ ومنهجَ حياةٍ، من دُونِ اكتراثٍ بما سَتَؤُولُ لهُ المُمارسةُ، للاعتقاد، أو للزّعْم، أو لتبريرِ بعضِ الشِّعارات الجذّابةِ لقضيّةٍ عادلة؛ حتَّى لو استلزمَ الأمرُ اللُّجوءَ إلى أساليبَ مُلتويةٍ لتحقيقِ الأهداف].
وتكشفُ الشهادةُ خبايا الإرهابِ وخفاياهُ، ليس بتصديراته الخارجية، بل بعلاقاتهِ الدّاخلية أيضاً، وتُحلِّلُ، وتُدقِّقُ، وتُضِيفُ جوانبَ أُخرى، بعيداً عن دائرة الضوء، ولا سيّما: أبعادها، وارتباطاتها، وأسبابها الحقيقية.
من خلالِ هذا كُلِّهِ، وما وردَ من خفايا حربِ الوثائق، ومُلابسات فكرِ الجيتو، وزيف الخُرافات، فإنَّ مُؤَرَّخاتِ د.عبدِ الحُسَين شعبان وقِيمَتَها التاريخيةَ تَكْمُنُ في أهمّيّتِها، قياساً بغيرها، فقد غاصَتْ عميقاً، فكشفَتْ بجدّيّة تعامُلِها واستنباطها كُلَّ ما خَفِيَ من تلك البلايا والخفايا، في وثائقها الخَطِرَة، التي ستحملُ اسمَها [حرب الوثائق على الدَّوام].
أخيراً، يُمكِنُني القولُ: إذا كانتْ دمشقُ قد زادَتْ أُستاذَنا ومُفكِّرَنا الكبيرَ "فلسطنةً" على الرَّغمِ من انتمائِهِ الوجدانيِّ إلى فلسطينَ وتعلُّقِهِ بها من باب الحقوق والعدالة بقضيّتها، فإنَّ عبدَ الحُسَين شعبان من خلالِ أفكارِهِ وكتاباتِهِ جَعلَنا أكثرَ يقيناً باقترابِ بُزوغِ الفجرِ الفلسطينيِّ، ولا سيّما بعدَ البُطولاتِ الكبيرةِ الّتي قدَّمَها الشعبُ الفلسطينيُّ على مذبحِ الحُرّيّةِ والخلاص من دَنَسِ الاحتلال الصهيونيّ.


كلمة سعد الله مزرعاني*
شهادة على النزاهة الفكرية والأخلاقية

آثرت في هذه الشهادة، أن اقتصر على جانب قد أكون معنياً به، أو مطالباً، بالحديث عنه أكثر من الآخرين. لقد تعرفت إلى الدكتور شعبان في دمشق أواخر عام 7198 حين كنت مديراً لمكتب الحزب الشيوعي اللبناني هناك. زارنا فرحبت واستمعت. كان ذلك على خلاف تقليد سيء شائع بين الأحزاب الشيوعية. ذاك التقليد يجعل مجرد الاستماع إلى شكوى أو انتقاد لحزب ما أمراً محرَّماً يسيء إلى قيادة الحزب المعني، ويعد تدخلاً في أموره الداخلية... بمجرًد أن تستمع، فهذا يعني أنك تشجع الانقسام. وهكذا يصبح التعسف محمياً بقوة التواطؤ والتضامن "الأخوي" والجامع الرفاقي الأممي، الذي عوض عن أن يكون أداة لتنظيم الحملات، ولتبادل الخبرات، ولتعميم النجاحات وتفادي السلبيات والإخفاقات، يصبح وسيلة فظة للتستر والقمع والإمعان في الخطأ ومنع المساءلة والنقد!!. هل قلنا النقد: لن يرضى أبداً، الرفيق "أبو عمار" كبير الشيوعيين والمفوض السوفياتي الأعلى في المنطقة. لن يرضى أيضاً لفيف الأمناء العامين المؤصلين في تقاليد المدرسة الستالينية السوفياتية التي استمرت بعد وفاة صاحبها عام 1953، وحتى، بعد إنتفاضة خروتشيف علىيه(ومع خروتشيف نفسه) في المؤتمر ال20 عام 1956!!
كان على الرفيق شعبان، عضو الحزب الشيوعي العراقي، الشاب آنذاك، أن يواجه أسباب الخلل، من وجهة نظره، في المنطلقات، حتى الفكرية منها، وكذلك في بعض التوجهات والعلاقات والسياسات والممارسات..والواقع أنه انصرف إلى هذه المهمة، مباشرة، أو بشكل غير مباشر. وضمن مسار ومخاض فكري وسياسي وكفاحي جاد وجدي، وبعيد عن ردود الفعل الصغيرة المعتادة، فكان "تحطيم المرايا" أحد أهم انجازاته الفكرية والنقدية والتصحيحية في هذا الحقل. وهو استند في ذلك، إلى ما ارتاده من آفاق واسعة، وما راكمه من ثقافة موسوعية، ومعرفة وعلاقات عامة متنوعة ومساهمات وتفاعلات فكرية وأدبية وسياسية وقانونية ( خصوصاً في الموضوع الفلسطيني.
هاكم، على سبيل المثال، استنتاجاته وبعضها في غاية الأهمية، بشأن التعامل مع التراث كجزء من مشروع التغيير في شروط وظروف ملموسة. كتب: "هنا أدون رأي الذي تبلور خلال العقود الثلاثة ونيف الماضية والذي مفاده أننا تركنا خزانة الكتب التاريخية والدينية للأحزاب الإسلامية أو الإسلاموية، وأدرنا ظهورنا للتراث العربي الإسلامي... كما أهملنا الإنتماء التاريخي لشعوبنا واعتبرناه من اختصاص قوى وأحزاب قومية أو قوموية...". الزمن والنخب" ص 197.
إذن، لم يكرر "د. شعبان ما مارسه آخرون من ردود فعل على الخلاف، ومن ثم على الفصل، ومن أخطرها التخلي عن المبادىء والقيم، خصوصاً بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، بل هو ثابر على مواصلة رحلة بحث ومعرفة ونشاط وفعًال، استغرقت كل عمرة وأثمرت الكثير مما يصح معه القول: "رب ضارة نافعة". لكن هذا القول ذو حدين: أحدهما تكلس المؤسسات الحزبية وتحولها بيئة طاردة للإبتكار والإبداع. ثانهما، أن يحفز على مراجعة، لم تحصل، بشكل جدي، حتى الآن، رغم الانهيارات الكارثية التي كشفت أن الخلل لم يقتصر على جانب واحد فقط( رغم صدق النوايا غالباً، ورغم الكثير من الإنجازات التي كانت ذروتها هزيمة النازية والفاشية بتضحيات هائلة وبأثمان باهظة!). كتب الشهيد مهدي عامل: محاوراً ومحذراً : "يتكون فكرنا الماركسي بنقد الفكر الماركسي المتكون". هذه المعادلة الجدلية هي فقط، بإنتمائها إلى المنهج الجدلي الماركسي، كان من شأنها أن تعيد تصويب البوصلة والحياة إلى عقائدية مراوِحة، باتت أشبهه بدين جديد يحرسه المقدس وكهنة الهيكل وعبادة الفرد...
هل كان ينبغي أن ينخرط الفرد في مخاض معرفي وفكري، خارج أسر القيود والإلتزام الشائع، لكي يبدع؟ هذا سؤال خطير يُطرح على كل مشاريع التغيير وأساسها الأيديولوجي وصيغها التنظيمية. لا بد من مأسسة النقد لإطلاق التصحيح والابتكار والمبادرة. إذا غاب النقد، غابت هذه وحضر الصراع والتآمر والخواء... مأسسة النقد هو ترجمة لمبدأ لينيني شهير وثمين أدخله صاحبه في صلب التنظيم والحياة الداخليين للحزب الطليعي: النقد والنقد الذاتي. لم يؤمن ستالين بذلك أبداً. وهو طبع المرحلة التأسيسية الأولى للتطبيق بكاملها حين "جمع في يده سلطات" لا ينبغي جمعها ولاقدرة له على ضبط وحسن إدارتها، كما لاحظ لينين وهو على فراش المرض فالموت . تأسيس أو إعادة تأسيس مشروع التغيير التحرري العام، يجب أن ينطوي على عملية إبداع وابتكار شبه متكاملة، تستند إلى إعادة تقييم جدية وجذرية لكل تجاربنا التحررية السابقة، في المنطلقات والممارسات والنجاحات والإخفاقات..هذا حكماً، دون الإخلال بالأساسيات في الأفكار والمباديء والمواقف، وخصوصاً من امبراطورية الهيمنة والإستعمار والتسلط والإستغلال... على ما يدور في غزة الملحمة والبطولة والمقاومة والصمود وعظيم التضحيات.
تحية متجددة لصديقنا ورفيقنا د. عبد الحسين، الأكاديمي والمفكر والمجتهد والمناضل، وهو يواصل رحلة عطائه، بكثير من الدأب والإصرار والإنجاز.
*سعد الله مزرعاني نائب الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني.


كلمة الدكتورة أوغاريت يونان

شجاعة اللّاعنف

يسرّني أن أكون هنا في تكريمكَ.
شكرًا العزيز الأستاذ سركيس أبو زيد ومجلّة "تحوّلات"؛ لبّيتُ الدعوة من أجل د. شعبان ومن أجل فلسطين.
ورأيت أنّنا ثمانية متكلّمين! قلتُ، أختصر ما عندي في القلب، منّي ومن وليد، وعلى طريقتي.

شعبان. فلسطين. الثقافة: ثلاثة عناوين في ندوة.

لكَ العزيز حسين شعبان،
الأنيق المحبّ للفرح المنصرف إلى أسلوبه في الحياة بنجوميّة وديناميّة وكرم وثقافة ومرونة... ليس سهلاً على مَن انخرط في إيديولوجيّات مُحكَمة، باكرًا، أن يعود ويخرج إلى ضوء المرونة والتجدّد. خلال معرفتي بك، رأيتُ هذا الصحافي، الكاتب، المحلّل، المنتشر شرقًا وغربًا، المثقف، الباحث والمنجذب إلى أكثر وأكثر، الراوي الحافِظ لذاكرة بإبهارٍ كأنّ في نصوصك رزنامة زمن ودفتر أسماء وعناوين وحكايات وسردٍ بكلّ الأحرف والأرقام، ومعها هذا الربط الشاغل بالك بين السياسة والتاريخ والسوسيولوجيا والدين والنضال من النجف إلى الماركسيّة إلى القوميّة إلى حقوق الإنسان والحرّيات إلى اللاعنف...
سأحرص، بصداقتي لك ومعك، أن تستقرّ هنا في اللاعنف في هذه الخاتمة الفكريّة الإنسانيّة السعيدة، وفيها تغربل أنت بأسلوبك، ممّا سبق في مسيرتك، من جذورٍ متجانسة لفكر الخير والعدالة.

التقينا بدايةً في مؤتمرات حقوق الإنسان العربيّة، وكنتَ رمزًا للآتي من العراق. ثمّ مرّت سنوات... وحين أسّسنا جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان، عام 2009، أول جامعة من نوعها في المنطقة والعالم لاختصاصات أكاديميّة ودراسات عليا غير مسبوقة، اتصلتُ بكَ وقلتُ: هذا مكانك، وهذه إضافة في تلك المسيرة. وجئتَ أنتَ بكلّ اندفاعٍ وسرور، وغدوتَ من أسرة الجامعة. وعرّفتُك على وليد صلَيبي، المفكِّر المؤسِّس، وحلّ الانسجام الودّي بينكما من ’أول نظرة‘. أقول لكَ اليوم، أنّني حينها تأثرتُ جدًا بهذا الفرح بينكما. وليد، يقول عنه أصدقاؤه، إنّه كطفل لا يتفاعل إلاّ متى أحسّ بشيء حقيقي يلامسه من الداخل، يعبّر بصدق عمّا يشعر به وحسب، وبذكاءٍ فائق لا يوهمه شيئًا من أوهام الدنيا أو البشر... فعلاً أحبَّك وأحبَّ شخصيّتك.
إصرارُكَ على الشباب والحبّ والتنوّع والسلام، يكفي لي كي أعرف من أنتَ، بدون أن أقرأ كتبك. شخصيّتُك تسير أمامك. وحتّى بعد أن أقرأ، وحتّى لو كتبتَ أنتَ أمرًا آخر، لن أصدّقك. صفاتُك هذه التي تطلّ بها علينا هي أنت. خلّيك هيك...
الصديق حسين شعبان،
في الحياة، ليس هناك من أصدقاء، بل لحظات صداقة؛ لا سعادة شاملة، بل لحظات سعادة. لحظاتٌ لديها نعمةُ الوردة بدون أشواك. نعمةُ الوردة، ربّما عنوان مقال جديد لك، ما رأيك؟
وليد كان يقول لي، "نحبّه كما هو". من جهّتي، أقول، لا نفكر لا في الماضي ولا في المستقبل، بل نعطي الحاضر للصداقة. أنتَ صديق.

تقول في كتابك "مذكّرات صهيوني" في الصفحة 14-15: «...طريقة التفكير الصهيونية...من وسائل ماكيافيلّية يتمّ فيها تبرير الوسيلة بزعم الوصول إلى الغاية، علمًا أنّ الغاية هي من شرف الوسيلة، ولا غاية شريفة إنْ لم تكن الوسائل شريفة، وحسب المهاتما غاندي، فالوسيلة إلى الغاية هي مثل البذرة إلى الشجرة، فهما مترابطتان عضويًّا...».

من هذا الركن أذهب معك إلى فلسطين. مع محبّتي وتضامني مع أهل فلسطين في كلّ مكان، وفي غزة اليوم والضفة اليوم والقدس اليوم... لن أقول أكثر اليوم، فالندوة تكريميّة.
من البديهي أن تكون هذه قضيّتك، وأن تكتب لها وعنها. هذا بديهي. قضيّة فلسطين النبيلة لا تستحقّ إلاّ غايات ووسائل نبيلة، أي ما نسمّيه نحنُ مقاومة لاعنفيّة. إنّها "نعم للمقاومة لا للعنف"، عنوان كتاب وليد صلَيبي، الذي أطلق أسُسَه في منتصف التسعينات، ثمّ أصدر الكتاب كاملاً عام 2005 وأعيدت طباعته عام 2015، واعتُبِر في فلسطين هديّة استراتيجيّة لا مثيل لها، وكان أطلق أولى التدريبات على "انتفاضة الحجارة" منذ العام 1988 وهي في عزّها في فلسطين...
كتبُك عزيزي الدكتور شعبان التي صدرت مؤخرًا، وقد أهديتني إيّاها، وفي توقيعك كتبتَ "إلى جامعة اللاعنف هديّتي مع الاعتزاز بزمالة الفكر ورفقة العمل والإخلاص للّاعنف"، فيها كشفٌ لأسرار ومعلومات من مصادرها أعطيتَ لها الكثير من وقتك وجهدك وحسّك البحثي وتنوّع علاقاتك وأسفارك ومقابلاتك مع الشخصيّات الصانعة تلك الأحداث، ومن كلّ هذا استخلصتَ مواقف تدين عنف الخارج وتشير إلى هلاك الداخل، تميّز بين المقاومة لغاية نبيلة والعمل السلطوي المشوِّه لها، تضيف توضيحات (كتابك "عصبة مكافحة الصهيونيّة") عن الصهيونيّة وزيف تمثيلها اليهود في العالم، وعن الصهيونيّة والنازيّة في لحظةٍ مصلحيّة واحدة، تساعد على الوعي ونشر الوقائع، وتتيح الحُجج بوجه السياسات المهيمِنة والقرارات المضلِّلة...
أنت تناضل في ميدانك، ميدان البحث وكشف المعطيات، ببراعة.
فشكرًا على توثيق التاريخ للعدالة ولبناء تاريخٍ آخر.

أمّا عن الثقافة، العنوان الثالث في موضوع هذه الندوة، واختصارًا، فألتقي معك في عنوانٍ ورد في كتابك "الغرفة 46 سرديّات الإرهاب"، وسؤالك: "العنف والثقافة هل يلتقيان؟ الضفّتان هل تلتقيان؟" وجوابنا معًا، على ما أعتقد، أنّه بالطبع لا. فالثقافة هي زرعٌ، بينما العنف تدمير. الثقافة بناءٌ وتواصل، أمّا العنف فأذىً وقطع صِلات... برأيي، إنّ من أولويّات المثقّف، بالأخصّ المثقّف العضوي المناضل المحبّ للحياة، إعادة النظر في العنف. إنّها المهمَّة التي على عاتق كلّ منّا. قلّةٌ قامت بإعادة النظر هذه، في ظلّ تنشئة ومفاهيم وتقاليد وإيديولوجيّات وتبعيّات دينيّة وسياسيّة إلخ، مجّدت العنف أو جمّلته أو حتّى جعلته نهجًا لا مجرّد وسيلة ظرفيّة. ما من شيء اسمه الضرورة إلاّ بارتباطه بالخير. هذا ما نعرفه منذ أفلاطون الذي بحث عميقًا في ماهيّة الضرورة وماهيّة الخير. من جهّتي، أخلص هنا إلى القول، إنّه حين نضع في قلب كلمة الضرورة أو بدلاً منها، اللجوء إلى العنف على أنّه ضرورة، يصبح إذذاك العنف في خطٍّ مستقيم موصول بالغاية التي هي الخير، وهنا تكون الواقعة قد وقعت وعطّلت المفاهيم في أذهاننا، إذ إنّ العنف والخير خطّان لا يلتقيان، فكلّ منهما من طينة نقيضة للآخر. القضايا المحقّة تحتاج إلى القوة والشجاعة، إلى جرأة المقاومة. والقوة ليست العنف. نحن نحتاج أن نكن أقوياء لكن ليس عنيفين. وإذا كنّا لا نعرف كيف أو لم نتعوّد على ذلك، فالتواضع أمام معرفة جديدة كفيلٌ بمعالجة هذه الهوّة في ثقافتنا. وهذا بالتحديد أحد أهداف جامعتنا، جامعتك دكتور شعبان. إنّه دور الثقافة أولاً في أن تعود وتساعدنا في إعادة النظر بين القوة والعنف، في سائر مجالات الحياة. لقد شوّهوا القوّة حين دمجوها بمعاني العنف. لقد جمّلوا العنف حين أضفوا عليه معاني القوّة. وها نحن نرتكب الإعدام ونقول "عدالة"، نرتكب جريمة عائليّة وعاطفيّة ونقول "شرف"، نعلن "السلام" ونرتكب الحرب، نعلن "اللجوء إلى القوّة" ونرتكب العسكرة، نقول "ثورة" ونرتكب القتل، نقول "تربية" ونرتكب صفع الطفل والطفلة... إنّ مسؤوليتنا الثقافيّة الأولى هي في إعادة معاني شجاعة اللاعنف إلى القوّة، وجعل العنف مكشوف الاسم والمعنى كما هو.

دمتُم بخير،
ومبروك للعزيز الدكتور المفكِّر عبدالحسين شعبان،

أوغاريت يونان
مؤسِّسة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان AUNOHR


كلمة د. شيرزاد النجار

المفكر شعبان يحلق عالياً فوق زمن فلسطين والثقافة العربية

أيها الحفل الكريم!
بعد صداقة ومودّة ومحبّة تمتد لستة عقود مضت، أتسأل كيف ليّ أن أكتب عن صديق العمر المفكر الدكتور عبدالحسين شعبان؟ ومن أين أبدأ؟ وبماذا أساهم في هذه الاحتفالية التكريمية؟
أعتقد أنه من الأفضل تقديم لمحة عن أفكاره المتّسمة بالجرأة والنقد الموضوعي وبعض الإضاءات الفكرية السريعة، حيث أن المفكر شعبان انطلاقاً من أرضية فكرية عميقة تبدأ من بيئته العائلية مروراً بالحياة الجامعية ووصولاً إلى الفكر الماركسي، أطل على عالم الفكر باحثاً ومراجعاً ومجدداً وناقداً ومفككاً للأفكار لأجل إعادة ترتيبها وتركيبها.

(I)
البيئة والوعي الأولي
أول تساؤل مهم يتبادر إلى الذهن هو: من أين بدأ المفكر شعبان وعيه الأولي وانفتاحه للحياة؟
يجيب بنفسه على التساؤل ويقول:
"بدأ وعيي الأول ينفتح في أجواء العائلة ومحيطها، وكانت هذه الأجواء شيوعية ويسارية وثقافية وأدبية... لقد عشت في بيت، وقُلْ بيوت من الكتب والمجلات والصحف، وكل ما حولي كان له علاقة بالكتاب موضوعاته ومحتواه".
وهذه البيئة دفعته مبكّراً للانخراط في العمل السياسي الذي كان، بحكم صغر سنّه، يجهل دروبه الوعرة وبنائه الفكري المعقّد، المتمثل بالفلسفة الماركسية، لذا نراه يقول:
"لم يكن أحد منّا قد قرأ حينها الماركسية لكي يقول إنه اهتدى إليها، كان إحساساً سليقياً وجدانياً بالظلم من جهة، وبالرغبة في تحقيق العدالة والمساواة والرفاه والتطلّع العصرنة والحداثة من جهة أخرى، هو ما دفعنا للانخراط في العمل السياسي الماركسي”.
وهكذا وجد عبد الحسين شعبان نفسه وهو ينخرط في العمل الجماهيري ويشارك في المظاهرات ويلقي أشعاراً وهتافات ثورية معبّراً فيها عن آلام الشعب ومعاناته ومطالبه بـ"إسقاط النظام"، وهكذا أخذت هويّته الخاصة تتكوّن بالتدريج.

(II)
الحياة الجامعية
كنّا من الجيل العراقي الجديد الذي أنهى توّاً الدراســــــــــة الإعدادية 1963- 1964 ، وتمّ قبولنا في جامعة بغداد. وفي أول أيام الدراسة الجامعية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- قسم العلوم السياسية (هذه الكلية كانت تقبل فقط أعلى درجات التخرج من الإعدادية) لم يكن الاندماج بهذه الحياة الجامعية الجديدة ” سهلاً “، حيث جئت من مدينة أربيل التاريخية العريقة ذات الطابع المحافظ والديني مع وجود نشاطات وحركات تميل إلى الصبغة اليسارية والوطنية والقومية، وواجهت مجتمعاً منفتحاً حراً وغير متعصّب، واختلطنا مع طلبة أكثرهم من بغداد العاصمة الجميلة الجذابة الراقية وكذلك من مدن عراقية أخرى، سواءً في الوسط أو الجنوب أو الشمال وكان من ضمنهم الطالب النجفي عبدالحسين شعبان، وطلاب من اليمن والجزائر وفلسطين والأردن. ومصر وغيرها من البلدان العربية.
ومن هذا الزمن بدأ شعبان يهتم بالقضية الفلسطينية وأقام علاقات قوية مع الطلبة الفلسطينيين في الجامعة وخارجها. وساعده هنا المعرفة السياسية التي كنا نتلقاها في المحاضرات والتي كانت تُلقى علينا من قِبل أساتذة أجلاء مقتدرين وعن طريق هؤلاء الكبار( الذين درسوا وتخرجوا من جامعات مرموقة في فرنسا، بريطانيا وأمريكا) انفتحت عقولنا على عالم جديد من الأفكار والاتجاهات والتحليلات وزرعت لدينا الشجاعة في قول ما نفكر به بطريقة علمية ومنهجية. كل ما كان يُذكر في المحاضرات جديداً ومثيراً ومحركاً للعقل، تعلمنا كيف نناقش ونطرح آراءنا، ونتقبّل وجهات نظر الآخرين تدريجيّاً.
وفي ربيع عام 1967، جرت انتخابات طلابية في الجامعة بعد انقطاع طويل، حيث كانت آخر انتخابات في العام 1960، ولعب المفكر شعبان دوراً محورياً فيها كممثل للتيار الوطني التقدمي المتمثل في اتحاد الطلبة العام. وفي إحدى مناقشته مع أحد الأساتذة الذي سأله: ماذا أنتم فاعلون؟ قال شعبان له:
" نمدّ أيدينا للتعاون مع الجميع فعسى أن نتمكن من عقد “جبهة طلابية” وكان ذلك شعارنا، لكن الأمر لم يتحقّق لإشكاليات وعُقدٍ سابقة، فضلا عن محاولة تضخيم الحجوم، وفضّل كل فريق أن ينزل الانتخابات بمفرده، وعلى الرغم من تخوّفنا من احتمالات الصِدام إلّا أنّ الأمر تمّ بسلاسةٍ واعتياديةٍ نسبياً باستثناء ما حصل في كليتي الحقوق والتربية الرياضية التي انسحبنا منها بسبب أعمال شقاوة وتهديدات، وفعلنا ذلك احتجاجاً.
وكانت النتائج أن أحرزناها 80% من الأصوات و76 من المقاعد الانتخابية، وهذا ما كان مفاجئاً حتى لنا، بل مفارقة حقيقية، فقد كانت التقديرات التي توصّلنا إليها قبل الانتخابات بأننا يمكن أن نحصل على 20-25 %، وإذا بنا نعبر أكثر الاحتمالات تفاؤلاً، ويعود السبب في ذلك إلى أننا نزلنا بقائمة موّحدة وشعارات مهنية واخترنا أفضل الوجوه الاجتماعية والآخرين كانوا متفرقين ومنقسمين"
هذا ما أراده المفكر شعبان في“ مجلة المستقبل العربي” 2013 في مراجعةٍ للتجربة، وأضاف يقول في تلك اللحظة:
"شعرت إنّ مسؤوليتنا ستصبح أكبر وأننا حتى لو حصلنا على 99% فإننا لن نستطيع أن نقود الاتحاد أو البلاد دون تعاون وطني عام وتلك هي قناعتي التي كانت تتعزّز مع مرور الأيام، فالتعددية والتنوّع من طبيعة المجتمع العراقي التي لا بدّ من أخذها في عين الاعتبار."
(III)
المفكر شعبان والقضية الفلسطينية
إرتبطت القضية الفلسطينية بالثقافة العربية إرتباطاً عضوياً ، وأن الفكر التقدمي العربي كجزء من الفكر التقدمي الإنساني العالمي جعل من فلسطين والقضية الفلسطينية جوهر ومحور أعماله ونشاطه.
المفكر شعبان لم يكن إستثناءً من هذا الإرتباط، لكن ما يميزه عن الآخرين، هو تكريس جزء غير قليل من نشاطه وجهده الفكري والثقافي، النظري والعملي لقضية المقاومة، والذي أنتج نحو 10 كتب وعشرات الأبحاث والدراسات، إضافة إلى مقالات على مدى 5 عقود الماضية للدفاع عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني في المحافل العربية والدولية، كما أنه أسس وشارك في فعاليات وأنشطة ومؤتمرات عديدة.
وكان الهم الفلسطيني حاضرًا معنا في المرحلة الجامعية، حيث كان معنا العديد من الطلبة الفلسطينيين واختلطنا معهم وبدأت ملامح التضامن مع القضية الفلسطينية ومع المنظمات الطلابية الفلسطينية في جامعة بغداد.
يرى المفكر شعبان أن الإنسان الفلسطيني هو النموذج الأممي للاضطهاد على المستوى الكوني، لاسيما أنه قد أُقتلع من أرضه وصودر حقه الإنساني الأول في تقرير مصيره، جماعياً وفردياً، وذلك بإلغاء كيانيته في أكبر عملية سطو على التأريخ، لذا كان وما يزال د. شعبان مع حقوق الشعب العربي الفلسطيني العادلة والمشروعة وغير قابلة للتصرف، ولاسيما مع مبدأ حق تقرير المصير. وعليه فهو منحاز مع قضية فلسطين وحقوق الشعب العربي الفلسطيني. وكما عبّر عنه صديقنا د. إياد البرغوثي في حفل تكريمه بتونس (2016)، بقوله: شعبان مع التعددية والتنوّع في الحياة، بل في كلّ شيء، إلّا باستثناء القضية الفلسطينية والفقراء، فهو أحادي فيهما.
(IV)
المفكر شعبان والقضية الكردية
ولأن شعبان لا يقبل تجزئة الحقيقة أو الانتقاص منها، فقد وقف مع حق تقرير المصير للشعب الكردي، وظلّ ثابتًا على هذا الموقف الفكري المبدئي، بعيدًا عن تقلّبات السياسة وعلاقات القوى مع بعضها.
وإذا كانت نظرة معظم القوى السياسية العراقية نحو القضية الكردية قد تطوّرت، لكن الاختلاف بينها ما زال قائما ويتعاظم أحيانًا، خصوصاً بتعاظم دور الكرد وبعض النزعات التي برزت على السطح بعد الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق حول مضمون هذه الحقوق وحدودها ومستقبلها، فضلاً عن اختلاف زاوية النظر إليها بما فيها ما يتعلق بوحدة العراق أرضًا وشعباً.
وفي رأيه أن المعالجة السليمة للقضية الكردية تحتاج إلى نقاشات علنية وصريحة وواسعة وإلى توفير اقتناعات مشتركة وعامة في ظل ضمانات قانونية ومشروعة لتطور العلاقات العربية الكردية في عراق مستقل وحر ودستوري موحد.
من الضروري إيجاد صياغات دستورية مقبولة فيما يتعلق بالعلاقات بين عرب العراق وكرده لتأسيس علاقات على نحو تعاقدي وفقا لعقد سياسي اجتماعي جديد.
ويعتقد مفكرنا، بأكاديميته المعهودة، أن ما ورد في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية 2004 وفي الدستور العراقي 2005، يثير الكثير من الإشكاليات والتداعيات وربما ستثير المزيد منها في المستقبل، لأنهما احتويا على ألغام يمكن أن تنفجر في أية لحظة، مما يقتضي البحث عن صياغات مقبولة فيما يتعلق بهذه الضمانات أو بغيرها لتأسيس العلاقات والاتحاد الطوعي على نحو تعاقدي وفقا لعقد سياسي اجتماعي جديد وليس بنصوص مشوشة.
يضاف إلى ذلك أن صدور الدستور في وقت وقوع العراق تحت الاحتلال بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1443 الصادر في 22 مايو/أيار 2003 أو القرارات التي تبعته يجعل تلك "الضمانات" غير مضمونة، فضلا عن إمكانية الطعن فيها من الناحية القانونية والسياسية، ولذلك وعلى صعيد الوضع المستقبلي اقتضى الأمر البحث عن ضمانات دستورية لتأمين الشراكة العربية الكردية مع بقية الأقليات وفي ظل أوضاع سليمة وبعيدة عن التداخلات الخارجية التي تجرح السيادة الوطنية العراقية وتعوّمها.
ويمكن القول، يضيف د. شعبان، إن هناك تحديات وتهديدات ومخاوف تعترض طريق العلاقات العربية الكردية ليس على صعيد الوضع الداخلي العراقي فحسب، بل على الصعيد العربي والإقليمي وكذلك على الصعيد الدولي أهمها:
• محاولة عزل الكرد عن المحيط العربي وإضعاف ما هو مشترك وإيجابي في تاريخ العلاقات وتقديم ما هو خلافي وإشكالي. وأن بعض القوى الخارجية والإقليمية التي ظلّت تعزف على هذا الإيقاع لأسباب مصلحية تعود إلى رغبتها في تأمين مصالحها السياسية، التي قد تكون على حساب الكرد والعرب بل إن الوقائع في السابق والحاضر تقودنا إلى القول إن تلك القوى لم تكن بعيدة عن إثارة وتعميق النعرات وتضخيم نقاط الاحتقان والتوتر.
• ويضيف: إن هناك مساعي حثيثة لعزل العرب عن الكرد واتهام الكرد باعتبارهم أحد المسؤولين عن الاحتلال، خصوصا أن الحركة الكردية تعاملت مع نتائجه.
وفي هذا الوضع فإن العرب غير مسؤولين عن الاجتهادات أو المواقف الخاطئة لبعض النّخب العربيّة، مثلما هي اجتهادات بعض النّخب السياسية الكرديّة بخصوص العامل الخارجي والتعويل عليه في الإطاحة بالنظام السابق، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مبرّرًا لاتخاذ مواقف سلبية أو لا مبالية إزاء الكرد ومن حق تقرير المصير أو الفيدرالية أو غير ذلك من الصيغ المناسبة لحل القضية الكردية.
• وينبغي، يؤكد د. شعبان، أن لا يُقدم ما هو طارئ ومؤقت وآنٍ على ما هو إستراتيجي وثابت وبعيد المدى، إذ إن ما يربط الكرد بالعرب سيكون بالتأكيد أكثر بكثير مما يربطهم بالولايات المتحدة، حتى وإن بدت الصورة الحالية غير ذلك، لكنها ستكون بلا أدنى شك مؤقتة وآنيّة وطارئة، بل إنها لا تعكس حقيقة العلاقات بين الشعبين رغم بعض المشكلات. ولا يمكن استبدال العرب بشعب آخر كما لا يمكن استبدال الكرد بشعب آخر، ولهذا اقتضى الأمر التعايش والتفاهم والبحث عن المشترك الإنساني، ومثل هذا الأمر يشمل علاقة الكرد بالفرس وعلاقتهم بالأتراك وغيرهم.
• وفي رأي د. شعبان أنه إذا كان موقف العربي الذي يعتز بقوميّته من حقوق الشعب الكردي ومن قضيّة حقوق الإنسان يشكل محكّاً للموقف الإنساني، فإن موقف الكردي المعتز بقوميته من حقوق شركائه في الوطن العراقي وبشكل خاص عرب العراق وبالتالي من القضية الفلسطينية التي تشكل جوهر الصراع هو الآخر محكّاً للانفتاح القومي والإنساني وبخاصة إزاء الشركاء. ويشكل هذا الموقف العربي والكردي الأساس لعلاقة صحيحة بين عرب وكرد العراق وبين العرب والكرد بشكل عام.
• وحول تحديات تخص العرب والكرد، يؤكد د. شعبان، فإن التحدي الدولي هو التحدي الأول، خصوصا استمرار الوضع العراقي كما هو عليه من وجود قوات محتلة أو متعددة الجنسيات وانفلات أمني وعنف مستمر وغياب مرجعية الدولة وضعف مفهوم ومبدأ المواطنة والقسمة الإثنية الطائفية.
• أما التحدي الثاني فهو التحدي الإقليمي الذي هو إحدى التحديات التي تعيق تطوّر الوضع العراقي بشكل سليم وبحكم التأثير والامتداد الإقليمي، والضغط على بعض القوى الداخلية لاستحقاقات إقليمية بما يعكر الوحدة الوطنية خصوصا بعض دول الجوار مثل تركيا وإيران.
• التحدي الثالث من أهم التحديات هو التحدي الداخلي(الوطني)، فإذا كانت الحرية مقدمة للديمقراطية فإن المواطنة هي التحدي الأول للدولة القانونية، ومن دون مواطنة كاملة ومساواة تامة، لا يمكن تحقيق التعددية وضمان حق المواطن في الانتخاب الحر واختيار الحاكم، وفي ذلك إحدى ضمانات حقوق الإنسان.
• ويحتاج الأمر إلى قدر من العقلانية في التعاطي مع تركة الماضي البغيض وإلى قدر من التسامح لتجاوز هذا الماضي، مع ضرورة إنصاف الضحايا أو عوائلهم في حالة وفاتهم وإدانة المرتكبين وكشف الحقيقة كما هي في الماضي والحاضر لكي لا تتكرر المآسي والآلام، وفي ذلك خطوة مهمة لسيادة مفاهيم حقوق الإنسان، ولكن قبل الحديث عن الديمقراطية وآلياتها لا بدّ من بناء الدولة، إذْ لا ديمقراطية دون وجود دولة لها هيبتها وسلطتها ووحدتها.
• وكلّما ترسخت قاعدة الحريات الفردية والعامة وتمت إعادة النظر في القوانين والأنظمة السائدة وتخليصها من كل ما له علاقة بكبح حقوق الإنسان انتقلت الدولة من الاستبداد والتسلط إلى الحرية والديمقراطية.
• ولأجل تحقيق ما جاء أعلاه، يرى د. شعبان أنه ينبغي الاعتراف على قدر المساواة بحق القوميتين العربية والكردية في الاتحاد الاختياري في العراق على أساس الشراكة ومراعاة التفاهم والعيش المشترك في المناطق الجغرافية المتداخلة.
وكتطبيق لأفكاره، نظم د. شعبان العديد من المؤتمرات والندوات، ومن أهمها
تنظيم أول حوار عربي – كردي 1992، وتنظيم حوارات تونس وحوارات عمان حول الحوار العربي- الكردي وحول حوار الأمم الأربع. كما أسس، في العام 1986، اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379، الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، وكان أمينها العام.
• وفي مقابلة تلفزيونية في شهر حزيران 2023 في أربيل ناقش المفكر شعبان عدة قضايا تتعلق بالعلاقات بين حكومة إقليم كوردستان العراق من جهة والحكومة الاتحادية والدول الاقليمية والعالم من جهة أخرى، لافتاً الى أن هناك تقدماً وتطوراً كبيراً وملحوظاً في تجربة إقليم كوردستان، وعلى الرغم من الضغوط والتحديات التي واجهتها، ويجب أن يُنظر اليها على الاقل بأنها تجربة ناجحة و على الرغم من الأخطاء والنواقص التي عانت منها.
• وأوضح أنه يجب "ان تقدم الحكومة العراقية التنازلات للكورد وكذلك يجب ان يقدّم الكورد تنازلات للحكومة العراقية، بما يمنع اتساع فجوة الصراع لحين التوصل الى اتفاق تاريخي، والذي يتم من خلاله تحقيق كافة مطالب الكورد".
• الجدير بالذكر أن شعبان كان قد كتب أول نص للمعارضة العراقية عام 1992 عن حق تقرير المصير، وكانت هذه المرة الاولى التي تصدر فيها وثيقة سياسية عراقية تضع الحل الاستراتيجي كهدف واضح، بالرغم من تحفظات بعض القوى والشخصيات.
وأشار عبدالحسين شعبان الى أن "وجود كوردستان قوية وعراق ضعيف سيكون العراق بأكمله ضعيفاً، ووجود كوردستان ضعيفة وعراق قوي سيكون العراق ضعيفاً أيضاً، لذلك نحن بحاجة الى إقليم قوي بكافة حقوقه ونحتاج الى دولة عراقية فيدرالية قوية بوحدتها ومواطنتها المتكافئة والمتساوية أيضاً. هنا يمكن حل جميع القضايا العالقة بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، وفقًا لاحترام الخصوصية في إطار العراق الموحّد وبالاختيار الحر، انسجامًا مع مبدأ حق تقرير المصير، علمًا بأن النظام الفيدرالي هو أحد تجلياته، التي تم الاتفاق عليها بعد عام 2003.
وفي الختام أتمنى للمفكر شعبان دوام الصحة والمزيد من التألق في عالم الفكر والثقافة، متمنيًا أن تسود قيم العقلانية والحوار والتسامح واللّاعنف والسلام، التي يدعو لها، الصديق شعبان.



كلمة الأستاذ مروان عبد العال

معاً يا رفيق لا نضلّ الطريق

تحية لكم في هذه الأمسية البيروتية ، الحضور الكريم ولهذه الثلةِ الجميلةِ والنخبةِ المميزة والشخصياتِ الفكريةِ والثقافيةِ والسياسيةِ في ندوة :الثقافة العربية وفلسطين و د. عبد الحسين شعبان. ثلاثية في زمنِ فلسطين تستحق أن أبدأ بما قاله درويش الى المبدع اليوناني يانيس ريتسوس:
(آهِ فلسطينُ، يا اُسْمَ الترابِ، ويا اُسْمَ السماءِ، سَتَنْتَصِرين...)
انها معاييرُ النصرِ، وفرضيّة النصر، المُحقّق والمؤجل، ومهما كان فالحربِ تقاسُ بنتائجها وبالقيمة الثقافية ، أي بمدى نهوضِ أو استيقاظِ الوعي الجمعيِ الفلسطينيِ والانتصارِ لسرديةِ الحقِ والحقيقة. وهي مناسبة للتذكيرِ بالسؤالِ البديهي، اين الثقافةُ العربيةُ مما يجري؟ من ينتصرُ لمن؟ الثقافةُ العربيةُ تنتصر لفلسطين أم العكس؟

٢
في خضمِ جدلِ الثقافةِ العربيةِ وفلسطين ولمناسبةِ الإحتفاءِ بالمنجزِ لا بالمديحِ، فالأجدرُ منّي بالإجابة هو المفكرُ المناضلُ الدؤوبُ الذي لا يستسلمُ أبدًا. ولا يكفُ عن المحاولةِ أبدًا، الدكتور عبد الحسين شعبان.
لماذا هو بالذات؟ ليس فقط لأنَه النجفي ابن الرافدين ابن العراقٍ رمحِ العربِ، حيث للمكانِ ذاتٌ أخرى، بعينٍ وعقلٍ وتاريخ ٍونزوعٍ وقلقٍ وفكرةٍ، وهو الاكاديميُ والمثقفُ العضويُ وسليلُ فكرً مزنر بأسئلةٍ ومساءلةٍ وسؤال، عندما درع الثقافة ورمح فلسطين، الذي أضافَ لها بالتِـزامِهِ وبأبداعِهِ وفكرِهِ وقلمِهِ ووقتِهِ وعطاؤِهِ. وإنتاجُها كقضية وحقيقة، في الواقعِ والتاريخِ، فعرفناه جبهة مقاومةً ثقافيةً شاملةً واسعةً ولكنها ترامتْ بين ثنايا شخصٍ واحدٍ.

٣
في قراءة المنهجِ الفكريِ لصاحبُ "تحطيمِ المرايا" الذي وجد من صياغةُ الممارسةِ هي من أنبل السُبلِ للممارسةِ النظريةِ، فكان خياره الانحياز الى شجرةِ المعرفةِ المورقةِ والخضراء دائماً، وبمنهجيتِهِ العلميةِ والنقدية والبحثيةِ لتخترق الخطيئةَ الذهنيةَ لبعضُ المثقفين العرب عندما حقق تجاوزاً لمأزقين:
- مأزق نقطةُ البدايةِ: عندما ينظرُ للأحداثِ من لحظةِ النهايةِ وتصويرُها كأنَّها بداية، بدلَ قراءةِ نتائجِ الصراعِ من خلالِ المقدماتِ التاريخيةِ أساسِ واصلِ الصراعِ للمشروعِ الاستعماري الغربي، من سايكس بيكو الذي قامَ لتفتيتِ المنطقةِ ولتنفيذِ وعدِ بلفور واقامةِ كيانٍ صهيونيٍ في فلسطين، وتأسيسِ نظمٍ رجعيةٍ تابعةٍ وثم مطبعةٍ.. تلبي شروط الاستعمار وتحتجز تقدم ومستقبل وحرية شعوبنا العربيةِ وتبقيها رهينةَ التخلفِ والتجزأةِ والتبعيةِ والنهب.
- ومأزق ذهنيةُ القطعِ: عندما جرى القطع المنهجي بين النظرية والواقع وإخراج ِالحوادثِ عن سياقها واتجهاتِها كي نقرأَ التاريخَ بعدها بصورةٍ مجتزأةٍ وانتقائيةٍ دون تحليلٍ منطقيٍ وتفسيرٍ وتقييمٍ ومراجعةٍ شاملةٍ للوقائعِ، الالتزامُ بمبدأِ التاريخِ الاجتماعيِ وليس التاريخَ الفردي. ليكونَ مكتملاً بروحِ القيمِ العليا التي تحيا بها الامم.

٤

كنتُ قد قرأت وتعلمت تعرفتُ على الخارطةِ الفكريةِ للعزيز الدكتور عبد الحسين شعبان من صفحاتِ مجلةِ الهدف، التي لم يبخلْ عليها بمقالٍ او اضاءةٍ وبحث جاد حتى عددها ال 55 الرقمي الخاصِ الاخير الذي صدرَ بالأمس، واتحفنا بمقاله " طوفان الاقصى: صراعُ الاراداتِ والعقول" .
الحدث العظيم الذي هزّ العالم في السابع من أكتوبر ، أنّما أعادنا الى سؤال البداية، ليسقط معه البديهياتُ العاجزة والمفلسة عن تفسيرِ التاريخِ وقراءةِ التحولاتِ النوعيةِ، ذكرنا ببعض فلاسفةِ اليسارِ، من فسرَّ المراجعةَ بالاستدارةِ من النقيضِ الى النقيضِ. لكن المفكر اليساري حسين شعبان صاحب المنهجية النقدية الثورية الصارمةُ، وقف بالمرصادِ ليمنع ولو نسبياً مخاطرَ الوقوعِ ضحيةَ هذه الفرضيات. وتظهيرُ البديهيات المطلوبة، ان يتحقق تحرير الفكر من العقد التاريخية والتذكيرَ بطبيعةِ وجوهرِ الصراعِ، كونه صراع موضوعي في مواجهة مشروع نقيض يستهدف الجميع .

٥
بعد عملية السابعِ من أكتوبر البطولية وما تبعها من جنونٍ عنصري وحربَ الابادةِ الجماعيةِ لتصحح لنا ولغيرنا الاخطاءَ الفكريةِ القاتلة، حيثُ جرى عبر عقودٍ مضت بإعادةِ صياغةِ الوعيِ الجماعيِ وانتاجِ ايديولوجيةِ الهزيمةِ! بهدفِ تكسيرِ الوعيِ الجمعيِ الى جزئياتٍ متناقضةٍ لطمسِ صورةِ العدوِ الحقيقيِ في الذاكرةِ واحلالِ آخرَ مكانِه. حين اضاء على حقبةٍ من تاريخِ "عصبةُ مكافحةِ الصهيونيةِ ونقضُ الروايةِ الإسرائيلية" وإجلاءِ حقيقةِ الدورِ التضليليِ الديماغوجي للحركةِ الصهيونيةِ، بحقِ اليهودِ قبلَ غيرِهم، وهو ما تكشفُ عنه وثائقُ العصبةِ ذاتُها. والدورُ المشرفُ لقادةٍ دفعوا حياتَهم ثمنَ موقفِهِم ضدَ الصهيونية مثلَ الشيوعي العراقي الرفيق "فهد" من الذين رفضوا موقفَ «الرفاق السوفيات» بشأنِ قرارِ تقسيم فلسطين.

٦
الدكتور عبد الحسين شعبان ايها السادة ، نتشرفُ ونعتزُ أنَّه رفيقُ وحبيب فلسطين والجبهةِ الشعبيةِ لتحريرِ فلسطين ، منذُ انطلاقتِها بعد نكسةِ حزيرانَ عام ١٩٦٧ وهو من صفوة حواريها الخُلّصِ، وأشهد أنه كان بمثابة العقل المدبّر الذي يستشار في مواقفها وقراراتها ووثائقها، وهو الصديق الوفيُ لعددٍ كبيرٍ من قادتِها الأوائل ومنهم تيسير قبعة وغسان كنفاني وأبو علي وصابر محي الدين وليلى خالد وصلاح صلاح وخاصة جورج حبش رفيقُه في الزمن الدمشقي، يومَ كان "الحكيمُ" يلحُ على قراءةٍ جديدةٍ لمعرفةِ ليس من هو العدو فقط، بل ماهيّة هذا العدو؟" فانشغلَ الحكيمُ بكتابه" نحو فهمٍ اعمقَ وادقَ للكيان الصهيوني" ليتقاطعَ مع عبد الحسين عند نقطةٍ جوهريةٍ هامة، تدحض تلك التصوراتِ الخاطئةِ عن الحركةِ الصهيونيةِ وهرطقات مُفلسة تأكد فشلها بالملموس من نوع (حق تقرير المصير للشعب اليهودي) والزعمُ أنّ الصهيونية حركةُ تحررٍ وطنيٍ لليهود! كما تعاملَ بعضُ اليسارِ التافه، بالرهانُ الخاسر على التحولاتِ الديمقراطيةِ للدولةِ العبريةِ! لنتفق بالدرس والبحث والتدقيق والتجربة والادلة الدامغة في غزة وفلسطين، وأنها لا تتحول ديمقراطية بل عداء للحياة والإنسانية والعدالة و تزدادُ صهيونيةً وعنصرية وتطرف وإرهاب وفاشية وتحلم بتحقيق مشروع الصهيونية بإقامة امبرياليةٍ صغرى، بهدف استعمار بالوكالة يسيطر على عموم بلادنا وشعوبها. الى أن أفشى صديقنا د. شعبانُ سراً خطيراً الى د. جورج حبش .

٧
ما هذا السرُ الذي نهشَ عقلَ وتفكير د. جورج حبش؟ وبعد اجتماع للتبيان والتخطيط والدرس، بدأت رحلة البحث مذكراتِ ريدليخ، وبإلحاح منه طار د. عبد الحسين الى براغ، للتفتيش عن أوراقٌ تحتوي معلوماتٍ مثيرةً تتعلقُ بالصفقةِ اللاخلاقيةِ بين النازيةِ والصهيونيةِ، الأمرُ الذي يعكسُ حقيقةَ أن الصهيونيةَ والنازيةَ هما وجهان لعملةٍ واحدة، وكلاهما يستمدّان أيديولوجيتِهما من الفكرِ العنصريِ الاستعلائي.
"مذكراتُ صهيونيٍ" وثيقةٌ دامغةٌ لصناعةِ "الهولوكوست"، ودورُ الصهيونيةِ فيها، يومياتُ "ايغون ريدليخ" في معسكرِ تيريزين يعملُ مع النازيةِ من اجلِ حلِ المسألةِ اليهودية"، من خلالِ دفعِ مواطنيه اليهود لمغادرةِ ألمانيا "طواعيةً"! وبشكلٍ مرعبٍ عندنا يذكرُ إيغون ريدليخ في يومياتِه كيفَ كانت الحركةٌ الصهيونيةٌ في تشيكوسلوفاكيا ترسلُ الألوفَ من اليهودِ إلى معسكراتِ الإبادةِ الجماعيةِ النازيةِ، مقابلَ وعودٍ نازيّةٍ بإرسالِ بضعِ عشراتٍ ومئاتٍ من القياداتِ الصهيونيةِ وأصحابِ رؤوسِ الأموالِ إلى فلسطين. كأنما العالم يسير الى الخلف، والسؤال هل استطاع العالم ان يتعايش مع النازية الهتلرية؟ وماذا عن الصهيونية النازية الجديدة؟ هذا سؤال الى الإنسانية جمعاء وليس شعبنا لوحده!

٨
وهنا تتضح اهميةُ الصراعِ الثقافيِ في نقضِ الروايةِ الإسرائيليةِ ، خاضها عبد الحسين شعبان بالعقل والإرادة، كأنما إسمه الحركي "الثقافة المقاومة". لأنه انتصر للثقافة العربية بفلسطينها، وعلى أهم محورِ فيها هي السردية الفلسطينية، تماماً كما فعل ابطال أكتوبرُ الفلسطينيُ حينَ أعادَوا طرحَ سؤالِ البدايةِ، واجبُ الثقافةِ العربيةِ ان تنتصرَ للبديهيات التي تدرك أصل الصراع الدائر حول حياة كالحياة، حياة الحرية والكرامة والعدل والحق والحقيقة، وبذلك تنتصر لذاتها وللأمة ولفلسطين، وهنا يكمنُ قلقُ العدوِ الوجوديُ، من انبعاث الروح الفلسطينيِة الجديدة. الانبعاث هو نصر معنوي، ونصر ثقافي، فالمقاومةُ بروحِها وثقافتِها وارادتِها هي التعبيرُ الاسمى عن روحِ الامة. الثقافة تصنع معركة الوعي ، لذلك امةٌ بلا ثقافةٍ هي أمةٌ تائهة ومفككةٌ ومن السهلِ تضليلُها وأمة بلا مقاومة هي أمة خاضعة، مستلبة بلا كرامة .
فيا أيها الصديق والرفيق واليساري العربيُ الاصيلُ د. عبد الحسين شعبان، نردد في تكريمك المستحق: الويلُ أمه لا تكرمُ مثقفيها!
دمت ذخراً للثقافة، بأمثالكم نبني جيلاً لا يضل الطريقَ !!
وبدرويش نختتم الكلام : (أتذكّرُ السيَّاب... إنَّ الشعرَ تجربَةٌ ومنفى .. توأمان ونحن لم نحلُمْ بأكثر من حياةٍ كالحياةِ، وأن نموتَ على طريقتِنا: عراقُ عراقُ ... ليس سوى العراقْ...)




كلمة حق في المفكر الريادي الثوري عبد الحسين شعبان

أ. د. مَكرم خُوري - مَخُّول
جامعة كامبريج - مدير دارة فلسطين


الزميلات والزملاء الأعزاء،

أصحاب السمو والفخامة والدولة والغبطة والسماحة والنيافة والمعالي والعطوفة والسعادة وجميع أصدقاء صديقات، رفاق ورفيقات وأفراد عائلة الباحث والمفكر والكاتب الدكتور عبد الحسين شعبان المحترم.

تسعدنا المساهمة في هذا التكريم لقامة فكرية عربية أممية، أبحرت في الكتابة عن مواضيع تتعلق بالتحديات، التي وقفت وما زالت تواجه الأمة العربية ككل، لا بل الإنسانية جمعاء.
ورغم أن للدكتور حسين شعبان أيادٍ فواضل في حقول متعددة كالقانون والسياسة الدولية والأديان والثقافة والأدب والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، إلّا أن ما يُلفت الانتباه وبشدة، هو هذا التركيز على الشعب الفلسطيني ونضاله في استرجاع حقوقه المسلوبة عبر عقود من الزمن.
وقد إرتبط الدكتور عبد الحسين شعبان بصداقةٍ حميمةٍ مع الثورة الفلسطينية منذ إحتلال شرق فلسطين عام 1967، عندما أفرزت النكسة العربية مصادرة الجزء الثاني من فلسطين. وقد نحت عبد الحسين شعبان في خلجاته غرفة فكرية أضاءها قنديل ولعه بالحق الفلسطيني، إذ شارك بفعاليات جميع فصائل الثورة الفلسطينية، كما درّس وحاضر في العديد من مؤسساتها الثقافية والإعلامية.
فعلى سبيل المثال كتب في مجلّة "الهدف" التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بصورة منتظمة منذ مطلع الثمانينيات، وعمل باحثًا في مركز الدراسات الفلسطينية، واستشاريًا لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ومنذ احتلال جنوب لبنان واقتراف مجزرة صبرا وشاتيلا، أصبح عضو شرف في الإتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين منذ العام 1981، وفي عام 1986 شغل منصب الأمين العام السابق للجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379 (اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية)، التي أسسها مع نخبة متميزّة من زملائه في دمشق.

ومن كتب الدكتور عبد الحسين شعبان:
 "الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي، مركز الدراسات الفلسطينية، دمشق، 1985.
 مذكرات صهيوني (طبعتان)، دار الصمود العربي، بيروت، 1986، وطبعة ثالثة، دار الرافدين، بيروت - بغداد، (مزيّدة ومنقّحة)، 2023.
 سيناريو أوّلي لمحكمة القدس الدولية العليا، شرق برس، نيقوسيا، 1987 .
 القضايا الجديدة في الصراع العربي-" الإسرائيلي"، دار الكتبي، بيروت، 1987.
 الإنتفاضة الفلسطينية وحقوق الإنسان، دار حطين، دمشق، 1991 .
 المدينة المفتوحة - مقاربات حقوقية حول القدس والعنصرية، دار الأهالي، دمشق،2001 .
 حلم العدالة الدولية في مقاضاة "إسرائيل"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2010.
 عصبة مكافحة الصهيونية ونقض الرواية "الإسرائيلية، دار البيان العربي، بيروت، 2023.
 الغرفة 46 - الإرهاب الدولي: خفايا وخبايا، دار الرافدين، بيروت - بغداد، 2023.

وفي مجلّدة بعنوان "الزمن والنخب" عن أنطولوجيا الثقافة العربية، كان عبد الحسين شعبان قد كرس ثاني أكبر عدد لشخصيات فلسطينية شملت كل من: "حكيم الثورة الفلسطينية" الراحل د. جورج حبش، والأديب الشهيد الراحل غسان كنفاني والمناضل الفلسطيني الشيوعي الراحل عربي عواد والأكاديمي الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد والمناضل الفلسطيني الراحل تيسير قبعة وإحدى أيقونات النضال الفلسطيني ليلى خالد.
وقد رأى الدكتور شعبان ان د. وديع حداد، منظّر العمليات الخارجية والمشرف عليها، أراد تغيير المعادلة الفلسطينية، بحيث لا تبقى القضية الفلسطينية قضية لاجئين، في حين كان هو يريد أن يُنظر إليها كقضية شعب مكافح من أجل حقه في تقرير المصير والعودة والتحرير وإقامة الدولة على التراب الوطني الفلسطيني. وفي ليلى خالد التي كانت أول امرأة تخطف طائرة عام 1969، رأى فيها "أنموذجاً للمرأة المقاومة المستعدّة لأن تقدم حياتها من أجل القيم التي آمنت بها".

وعبر المشاركة في عشرات المؤتمرات حول العالم عن القضية الفلسطينية، كان المناضل عبد الحسين شعبان مُكبّرِ صوت يذيع، للقاصي والداني، عن الحق الفلسطيني، وذلك ليس بهدف التضامن وإظهار شرعية الكفاح الفلسطيني فحسب، بل للإسهام في حفر سردية الحق الفلسطيني للأجيال القادمة من أبناء أمتنا في كل مكان؛ ولكي تصل لشعوب العالم كشعلة من نار الحراك الفكري المناوئ للهيمنة الصهيونية لنقض سرديتها وفضح دعاواها، التي كانت تُصدّر إلى العالم عبر هوليوود ووسائل الإعلام، التي تسيطر عليها آلة رأس المال الصهيو- أمريكي.
ونذكر هنا بالتحديد مساهمته في مؤتمر ديربن / جنوب أفريقيا، ضد العنصرية 2001، حيث كان عضواً في اللجنة التحضيرية، التي عقدت اجتماعاتها في عمّان والقاهرة والمنامة، تمهيداً لعقد المؤتمر الآسيوي الذي انعقد في طهران، وتحدّث فيه أمام الحكومات نيابة عن 13 وفداً عربيّاً، وكان هو من صاغ الفقرة الخاصّة بإدانة الممارسات " الإسرائلية" بإعتبارها عنصرية، وهي الفقرة التي إعتُمدت في مؤتمرات عمّان والقاهرة والمنامة وطهران، وفيما بعد في ديربن، حيث أيّدتها 3000 منظّمة مجتمع مدني. وبالأساس فإنها جزءٌ من محاضرته الموسومة "عنصرية الصهيونية" في المؤتمر التحضيري بعمّان.

وتبدو الأهمية الفائقة للاحتفالية التكريمية للدكتور عبد الحسين شعبان باعتبارها فعل منير يمنع ظلمةً أخرى تنسل لسرقة رواية تاريخ شعوبنا العربية، تلك التي تصوّرُنا كشعوب متخلّفة يجدر للمستعمر "الدخول" إليها بزعم "المدنية" و"الحضارة" أي تبرير احتلالها، والهدف حجب الثقافة الثورية، التي تنهل منها الأجيال في مقاومة المحتل لشعوبنا وأمتنا.
وقد قدّم عبد الحسين شعبان بجدارة المدماك الإضافي في الثقافة الثورية، التي هي من أهم أركان النضال الفلسطيني، وكان شعبنا وما يزال يناضل لاسترجاع حقوقه في الأرض والتحرّر من ربقة الاحتلال.
في هذه السطور القليلة، وفي هذه الشهادة المتواضعة عن القامة الفكرية النضالية الكبيرة في هذا التكريم، نشحن الذاكرة لتكون واسطة لنقل التجارب وتسليط الضوء على مآثر هذه القامة العربية الأممية، والتعلم منها ومن خبايا مبادراتها ومن كنه مسيرة نضالها، لتكون درسًا للأجيال المقبلة. متمنين للدكتور شعبان طول العمر والصحة والمزيد من الابداع والتألق.



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام في عالم يتشكّل
- حسن عوينه - نجم شيوعي يضيء عبوس الأيام
- من أوراق نوري عبد الرازق - مع الزعيم عبد الكريم قاسم
- إنسانية وفكر
- خبراء استراتيجيون: معركة إيران وأمريكا تكسير عظام
- أعمدة الأمة الأربعة
- من أوراق نوري عبد الرزّاق: -التاجر- سلام عادل في لندن
- عبد الحسين شعبان: «هسهسات الضوء»
- عدسة عن قرب على هسهسات عبد الحسين شعبان
- مقدمة كتاب الأستاذ بسام ضو -غليان استراتيجي-
- شعبان والماركسية النقدية العربية
- مستعمرات الضوء بقلم عبد الحسين شعبان
- كرد سوريا القديم والجديد: أثمة عِبرة؟
- صوماليلاند صوماليلاند...حان الوقت
- وصايا شمس الدين
- El Houssein CHAABAN, La presencia noble, ausente o presente
- وفاءٌ للشاعرة الحرة وللقصيدة… وامتنانٌ للإنسان
- أنسنة المعرفة
- عبد الحسين شعبان.. وتواضع العلماء
- مثقفون وحقوقيون يدينون العدوان الأمريكي على فنزويلا


المزيد.....




- كاميرا توثق لحظات صادمة لانقلاب قارب عائلة في المحيط
- فيديو كاميرا مراقبة مرعب في محاكمة مُطلق النار بمدرسة في أمر ...
- بينها مصر وسوريا والأردن.. غُرة رمضان -الخميس- في هذه الدول ...
- وزير الخارجية الإيراني يقيم نتائج المفاوضات النووية مع أمريك ...
- تقدم حذر في مفاوضات جنيف.. عراقجي يصف الأجواء بـ-البنّاءة- و ...
- رقم قياسي عالمي: بطاقة بوكيمون نادرة تُباع بـ16.5 مليون دولا ...
- سوريا تبدأ إخلاء مخيم الهول لنقل عائلات -داعش- إلى حلب
- الأساطير التي شكلت رأس السنة القمرية التي تحتفل بها الصين
- قصة الهندوسي الذي دافع عن مسلم وأصبح بطلاً
- الجزائر تحيي مشروع خط الغاز الصحراوي عبر إطلاق الجزء العابر ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عبد الحسين شعبان - عبد الحسين شعبان: زمن فلسطين والثقافة العربية