أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - عبد الحسين شعبان - أعمدة الأمة الأربعة















المزيد.....

أعمدة الأمة الأربعة


عبد الحسين شعبان

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 22:13
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


تعيش في مشرقنا أربعة أمم، هي الترك والفرس والكرد والعرب، وقد أغنى وجود هذا التنوّع القومي، إضافة إلى التنوّع الديني واللغوي، الحياة في الشرق، سواء على الصعيد الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
وعلى العموم تتّسم المجتمعات البشرية بالتنوّع والتعدّدية الثقافية التي تعكس خصوصياتها وهويّتها الوطنية. وكلّما تفاعلت حضارة ما مع الحضارات الأخرى بانفتاحها عليها زادت من تأثيرها واتّساع نطاقها، وهكذا كانت الحضارة الإسلامية تضمّ تراثًا عريقًا لثقافات مختلفة وأتباع ديانات وإثتيات متنوعة، عاشت مع بعضها في إطار مشتركات إنسانية لذلك الزمان.
لكن مثل تلك الحالات التي أسهمت في تعزيز القيم المشتركة والمثل الإنسانية تراجعت على نحو كبير بفعل هيمنة التعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب. وقد حصل مثل هذا التراجع السريع فيما أطلق عليه "الفترة المظلمة" بسقوط بغداد بعد هجوم التتار على مقر الخلافة العباسية وانهيار الدولة العام 656ه - 1258م، واستمّرت حتى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مع ظهور محاولات للإصلاح والنهوض على أيدي مصلحين كبار مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وحسين النائيني وغيرهم.
وإذا كانت ثمة تجاوزات وانتهاكات لحقوق المجموعات الثقافية الدينية والإثنية والسلالية واللغوية في فترات سابقة، إلّا أنها لم تصل إلى درجة الإقصاء أو الإلغاء، وإن وجدت بعض الحالات، لكنها على العموم ظلّت محدودة، في حين أن التحديّات التي تمرّ بها دول المشرق اليوم وشعوبه وأممه في ظلّ المشروع الإسرائيلي الإحلالي الإجلائي التوسعي كبيرة جدًا وغير مسبوقة، وهو ما ظهر على نحو سافر بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، حيث تعرّضت غزّة إلى حرب إبادة شاملة، وكذلك شهدت مناطق الضفة الغربية انتهاكات صارخة لأبسط حقوق الإنسان.
لعلّ هذه التحدّيات تستوجب فتح حوار جاد ومسؤول بين "أعمدة الأمة الأربعة" حسب تسمية سموّ الأمير الحسن بن طلال، وهو المشروع الذي دعونا له منذ أكثر من ربع قرن من الزمن، والمقصود بذلك حوار بين المجموعات الثقافية الأساسية المكوّنة لدول الإقليم في مواجهة التعصّب بمختلف أشكاله الدينية أو القومية أو اللغوية أو غيرها، تلك التي تريد إملاء الإرادة على الآخر بزعم امتلاك الحقيقة أو ادّعاء الأفضليات.
وقد كانت تلك الذرائع وراء اندلاع الموجة الطائفية في العراق، ولاسيّما في سنوات ما بعد الاحتلال الأمريكي، والتي راح ضحيّتها عشرات الآلاف من العراقيين، وهي ذاتها التي كانت وراء تغوّل الميلشيات واستقوائها على الدولة.
وفي الواقع حين يغيب الحوار يتقدّم العنف ويتهدّد السلام بين دول الإقليم، ناهيك عن السلام المجتمعي، ولعلّ أحداث السويداء السورية الأخيرة وانفجار موجة العنف الديني والطائفي خير دليل على ذلك، وقد سبقها أحداث الساحل المأساوية، والتي انتقلت إلى حمص وجرمانة لاحقًا، وصولًا إلى السويداء "ممر داوود"، حسب الادعاءات التوراتية القديمة الجديدة.
والأخير هو مشروع إسرائيلي يستمدّ جذوره من العقيدة الصهيونية التي تقوم على إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، تلك التي أصبح الحديث عنها مسموعًا وبصوت عال في الفترة الأخيرة بفعل اختلال موازين القوى بين العرب وإسرائيل، وغياب الحوار العقلاني السلمي بين دول الإقليم وشعوبه.
ويستهدف ممر داوود، بعد وضع اليد على الجولان وجبل الشيخ والقنيطرة ودرعا وحوران، الوصول إلى السويداء باتجاه منطقة التنف، حيث القاعدة الأمريكية المهمة على الحدود السورية العراقية الأردنية، ومنها إلى كردستان في الأراضي العراقية، والهدف هو تقليل الاعتماد على قناة السويس وتقويض طريق الحزام والحرير الصيني وفتح المجال أمام مرور البضائع عبر إسرائيل برًا وبحرًا، ولاسيّما باستكمال ذلك عبر الطريق الهندي – الأوروبي، بحيث تكون إسرائيل مرتكزًا ونقطة انطلاق مركزية بين دول الإقليم التي يُراد تفتيتها بحيث تتوزع إلى كانتونات طائفية ومذهبية ودينية وإثنية يمكن قيادتها عبر أقليّة إسرائيلية متقدمة علميًا وتكنولوجيًا وعسكريًا واقتصاديًا.
بعد أن كان العرب القومية الأكبر الممتدة من المحيط إلى الخليج، وإذا بهم يتحوّلون إلى دول وأقاليم تضمّ بين ظهرانيها شعوبًا وأممًا تتطلّع هي الأخرى إلى الاستقلال وحق تقرير المصير، خصوصًا في ظلّ غياب المواطنة المتكافئة والمتساوية والاعتراف بالحق في الشراكة داخل الوطن الواحد والمشاركة باتخاذ القرار.
وهكذا كان تحدّي الهويّات القومية – الإثنية داخل كل بلد عربي، لاسيّما العراق وسوريا من دول المشرق، فضلًا عن تركيا وإيران من دول الجوار، وأصبحت هويّات فرعية تسعى لبناء هويّة خاصة بها ومستقلّة بحكم تاريخها وثقافتها ولغتها وخصوصيتها واختلافها.
وفي النسيج المجتمعي الذي بدا متماسكًا، كانت ثمة توترات تظهر وتخبو، وبعضها يتّخذ شكل نزاعات مسلّحة، لاسيّما في ظلّ غياب الحوار أو عدم جديّته وعدم الاعتراف بالشراكة والحق في المشاركة، والأمر يعود إلى ضعف خطاب المواطنة والتعويض عنه بخطاب السرديات الكبرى والشعارات المفخّمة ذات الرنين الثوري العالي، فاليسار والماركسيون كانوا يدعون إلى الاشتراكية التي يمكنها حل التناقضات الثانوية، أما القوميون والتيارات العروبية فكانت تدعو إلى الوحدة الفورية لتحرير فلسطين، وعندها يمكن تحقيق طموح المواطن في حياة حرّة كريمة، والإسلاميون طالما تشبّثوا بأن الإسلام هو الحل، لكنهم أوصلونا في الفترة التي سنحت لهم السيطرة على السلطة إلى استبداد ديني شديد الضراوة.
وهكذا ضاعت حلقة مركزية كان فقدانها أحد أسباب تراجع الوضع العربي من جهة والوضع في دول الإقليم من جهة أخرى، وأعني بذلك المواطنة التي تعتمد على أركان أربعة؛ أولها – الحرية؛ وثانيها - المساواة؛ وثالثها – العدالة؛ ورابعها – الشراكة والمشاركة. وهذه الأركان متداخلة ومترابطة ومتشاكلة، وهي أساس تقدّم الدول العصرية في ظلّ حكم القانون والمشروعية القانونية، التي بدونها لا يمكن الحديث عن الشرعية السياسية التي تعني رضا الناس وتحقيق منجز لهم على مختلف الصُعد.
إن القدرة على إدارة حوار حضاري مفتوح بين دول وشعوب الإقليم، ولاسيّما بين مثقفيه، يمكن أن يوفّر أرضية مناسبة للّقاء والتعاون على أساس احترام الخصوصيات والاعتراف بالآخر وقبول التنوّع والحق في الاختلاف، وذلك على صعيد كلّ بلد وعلى صعيد دول الإقليم.
وباستثناء الكرد فإن القوميات الأخرى، العرب والترك والفرس لها دولها، لكن ذلك لا يمنع من مدّ أسس الحوار ليشمل كيانًا إقليميًا معترفًا به دستوريًا، في إطار الدولة العراقية، ويمثل قومية من قوميات دول المنطقة وأممها وشعوبها، ويمكن أن يكون عامل استقرار وسلام واستثمار لدول الإقليم التي يوجد فيها الكرد كأحد المكوّنات الأساسية منها، كما هي تركيا وإيران والعراق وسوريا.
ولعلّ الوعي بالهويّة يمكن أن يقرّب شعوب ودول الإقليم، خصوصًا حين يتمّ الارتكاز على أسس حقوقية وقانونية وفقًا للتنوّع والعيش المشترك، بما يرسم ملامح علاقات جديدة بين أمم وشعوب الإقليم، خصوصًا إذا تمكّنت من التعامل وفقًا لمصالحها الوطنية وبعيدًا عن الإملاءات الخارجية والتدخلات الأجنبية التي لا تضمر الود لدول الإقليم.
وإذا كانت نظرية صدام الحضارات قد برزت على يد صاموئيل هنتنغتون في مطلع تسعينيات القرن الماضي، استكمالًا لنظرية نهاية التاريخ التي بشّر بها فرانسيس فوكوياما في نهاية ثمانينياته، فإن الهدف من ذلك هو إملاء الإرادة على أمم وشعوب المنطقة ودفعها إلى الاحتراب فيما بينها، وما استمرار الحرب العراقية – الإيرانية لثماني سنوات بالكمال والتمام، إلّا خير دليل على ذلك. والأمر ذاته ينسحب على استمرار الاحتراب الداخلي السوري لنحو 13 عامًا، وكأنه لا يعني أحدًا، بل ثمة من كان يغذّيه لتمزيق النسيج الوطني، الذي ظلّ يتآكل حتى شهدنا مؤخرًا الإجرام المنقطع النظير بين إرهابيين وغلاة متعصّبين وتدخلات إسرائيلية وقوى خارجية مريبة.
إن الموقع الاستراتيجي والجيوسياسي لدول الإقليم المشرقي، فضلًا عن تاريخه والديانات الثلاثة التي انطلقت منه ومن عالمنا العربي بشكل خاص، وأعني بذلك اليهودية والمسيحية والإسلام ينبغي أن تتحوّل إلى عناصر إيجابية تصبّ في المشروع النهضوي لدول الإقليم على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة واحترام حق تقرير المصير وعدم التدخّل بالشؤون الداخلية وإنماء روح التعاون الثقافي والاقتصادي والاجتماعي بين دوله ومجتمعاته.
والحوار بين دول الإقليم وأممه وشعوبه يستوجب أيضًا وبالترافق معه البحث عن حلول سلمية لمشكلاته وإشكالياته، وفي مقدمة ذلك، إيجاد حل عادل ومقبول للقضية الفلسطينية، بإقامة الدولة الوطنية على التراب الوطني الفلسطيني طبقًا لمبدأ حق تقرير المصير، وبالطبع التأكيد على رمزية القدس كعاصمة لدولة فلسطين القابلة للحياة.
الثقافة هي التي تمثّل الوعاء لإعلاء أن مثل هذا الحوار للبحث عن المشتركات والابتعاد عن المفترقات، وكما يقال "تعظيم الجوامع" و"تقليص الفوارق واحترامها". والحوار يعني الحفاظ على التمايز والخصوصية، وهو السبيل لضمان تقدّم أعمدة الأمة الأربعة وما تحمله من ثقل تاريخي وعمق ثقافي، بالرغم من المرارات التي لا تخلو منها أية علاقات بين مكوّنات أي منطقة أو أي شعب.



#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أوراق نوري عبد الرزّاق: -التاجر- سلام عادل في لندن
- عبد الحسين شعبان: «هسهسات الضوء»
- عدسة عن قرب على هسهسات عبد الحسين شعبان
- مقدمة كتاب الأستاذ بسام ضو -غليان استراتيجي-
- شعبان والماركسية النقدية العربية
- مستعمرات الضوء بقلم عبد الحسين شعبان
- كرد سوريا القديم والجديد: أثمة عِبرة؟
- صوماليلاند صوماليلاند...حان الوقت
- وصايا شمس الدين
- El Houssein CHAABAN, La presencia noble, ausente o presente
- وفاءٌ للشاعرة الحرة وللقصيدة… وامتنانٌ للإنسان
- أنسنة المعرفة
- عبد الحسين شعبان.. وتواضع العلماء
- مثقفون وحقوقيون يدينون العدوان الأمريكي على فنزويلا
- الفنان مكي حسين -الثوري النبيل-
- كأن الحياة قصيدة والكون لوحة
- الفنان مكي حسين: حين يتعتّق الحزن بالجمال
- الديمقراطية والسلطوية.. هل يجتمعان؟
- أيقونة اليسار العربي
- (ثلاث حلقات) أين مشروع اليسار العربي؟


المزيد.....




- رأي.. أردم أوزان يكتب: الشرق الأوسط يدخل عصر ما بعد النظام
- ما الذي يجري في المحادثات الأمريكية الإيرانية؟ مراسل CNN يشر ...
- وُجدت جثتها داخل حقيبة سفر.. جريمة مروّعة تهزّ مصر وتكشف فش ...
- أسطول عالمي جديد: 100 قارب وآلاف الناشطين يبحرون لكسر حصار غ ...
- أخبار اليوم: إجلاء أكثر من 140 ألف شخص تحسبا للفيضانات في ال ...
- هل يشتعل القرن الإفريقي في خضم التنافس الإماراتي السعودي؟
- لماذا نُقلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية من إسطنبول إلى مسق ...
- نتنياهو يحذر من -تعاظم- قوة الجيش المصري
- تقرير: نتنياهو طلب مراقبة ومنع تعاظم قوة الجيش المصري
- إيران.. تعيين علي شمخاني أمينا لمجلس الدفاع


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - عبد الحسين شعبان - أعمدة الأمة الأربعة