أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين














المزيد.....

أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 04:27
المحور: الادب والفن
    


هذه السفينة، التي كانت تعرف خطواتي منذ زمن بعيد، تاهت بين أمواج عاتية، فانقطعت بها السبل فجأة كما لو أن الطريق نفسه قرر أن يختبئ. البحر لم يعد ماء، بل كائن حي، يتنفس، يتلون، ويراقب كل من يجرؤ على مخر عبابه. الماء، الذي هاج بعد طول هدوء، لم يكن عائقا، بل كان روح البحر نفسه، يسري بين الامواج، يحجب السبيل ويعلمني أن كل مسار ثابت وهم، وأن الخط المباشر لا يكشف سوى عن نظرة قصيرة.
تركت السفينة أخذت قاربا صغيرا، قد يغرق بي، لكنني أكره التيه وأشرعة لا تستقطب رياحا مواتية. ابتعدت ثم سرت بمحاذاة شط، امتد حيث كانت الأرض، يابسة، شبه قاحلة وموحشة. صرت أبتعد عن هدفي الظاهر، لكن الاصرار يثبت الخطى والمبادئ تشعل وقود السير بثقة. كل انعطاف، وكل انعكاس للسماء على الماء، كان يرسم لي طريقا خفيا، يعلمني أن الهدف ليس مكانا، بل فهم الطريق نفسه.
حين طالت المسافة واشتدت الرياح، وظهر التعب كجدار لا يخترق، لم يفارقني يقيني أن الطريق، مهما التف ومهما بدت الانعطافات غريبة، سيؤدي إلى الهدف. بدا لي ممر ضيق في الأفق، ارتبكت لحظة. هل استطيع العبور من هذا المضيق؟ وماذا بعده؟ قلت قد لا يكون ذلك الممر الضيق إلا علامة من البحر نفسه، دعوة للوعي والفهم، وليس مجرد مكان يعبر منه الجسد.
لاحت سفينة بعد المضيق كانت تبدو عدوة، لكنها في الحقيقة شقيقة. تركت القارب وركبت السفينة،عليها وجدت، صديقة، تحمل قلبها جمرة حارقة، روحها محترقة، لا تقهر. كانت تتحدث إلى الداء مباشرة، تلمسه بعينيها، وتواجهه بلا تردد. عشيرتها المقربة غافلة، ترى في الداء دواء ومجدا وريعا للتقاسم سرا، بلا فضح. كانوا يستهزئون بها، يهاجمونها بالعنف والكلمات الحادة، لكن كلما أصابهم الضر، هرعوا إليها طالبين النجدة والمساعدة. عندما فشلوا في مواجهة صراحتها وقوة حجتها، لجأوا إلى حيل الغابرين ممن كانوا يسمون "دهاة"،وهم في الحقيقة ماكرون خسيسون، صاروا يحبكون الدسائس، غير مدركين أنها كانت روح كل شئ، كانت نبض السفينة، وأن جمرة قلبها كانت شعلة لا تطفأ.
الداء لم يعد مجرد مرض أو خطأ، صار كيانا حيا، يختبئ وراء وجوه، يتلون بالأسماء والألوان، يتسلل الى زرقة السماء، كغيوم سوداء، يختبر صبر السائرين، وينغص فرح الحالمين. البحر نفسه، والسفينة، والماء، والداء، والصديقة، كلهم شخصيات في مسرح الحياة، كل واحد منهم له إرادته، وكل واحد منهم يعلم درسا لمن يسير بجدية.
هكذا أدركت أن الغايات ثابتة لا تتبدل، وأن الدروب وحدها تتغير، وأن الطريق، مهما طال والتوى، قد يقود في النهاية بأقصر السبل إلى المقصد، إذا واصل السائر خطاه مستضيئا بالأفق. كما تعلمت أن الصدق والشجاعة، وإن واجهتهما أعين الطمع والخديعة، يظلان نبض الحياة الحقيقي، وجوهر السفينة الحي، مثل صديقتي: جمرة وسط الرماد تدير دفة القيادة، تسير بالعابرين إلى بر النجاة، قوة لا يقهرها شيء، روح عشيرة كاملة في جسد واحد، تعلم أن من يسير بصدق وشجاعة لا يخاف الطريق، بل يصنعه.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوسف...صرخة في وجه الصهيونية
- جنة الطفولة؛ الوادي و-ببانو-
- كيف نحمي الإنسان من نفسه؟ تأملات في هشاشة المشروع الإنساني ب ...
- حين غاب ضوء الفرح
- ظل محند
- جذوة لا تنطفئ
- دور التاريخ في تفكيك التمثلات التقليدية حول المرأة، المرأة ا ...
- السياحة الإيكولوجية وتثمين الأعشاب العطرية والطبية… فرصة ذهب ...
- القانون الدولي بين المبدأ وموازين القوى: في الموقف من العدوا ...
- لمحة على رواية من يكمل وجه الجنرال للروائي المغربي عبدالكريم ...
- على حافة الريح
- العاشق لا يفقد الإحساس
- فرح للبيع
- المسألة الأمازيغية والحركة الوطنية المغربية: بين التعميم الت ...
- في حضرة الشوق
- سراب الأرواح
- المهدي بن تومرت بالقسم، ومضة من زمن المدرسة
- عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا
- مسارج القلوب
- رحلة خوف أطول من الطريق


المزيد.....




- اكتشاف هيكل عظمي قد يعود لأحد أبطال الرواية الشهيرة -الفرسان ...
- رغم القصف والنزوح.. طلاب لبنان يتمسكون بحلم التعليم
- المغنية الكندية سيلين ديون تعود إلى الغناء بعد سنوات من المع ...
- في أربعينية ليلى شهيد.. قراءة مغربية في مسيرة -دبلوماسية الث ...
- الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو ...
- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...
- فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات ...
- -ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب ...
- وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م ...
- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - أشرعة التيه...وجمرة تقود العابرين