أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - الصفحة التي تركناها مفتوحة: حين لا يكون البعد نهاية بل قراراً مؤجلاً للعودة














المزيد.....

الصفحة التي تركناها مفتوحة: حين لا يكون البعد نهاية بل قراراً مؤجلاً للعودة


يزن تيسير سعاده

الحوار المتمدن-العدد: 8661 - 2026 / 3 / 29 - 23:53
المحور: قضايا ثقافية
    


رغم تداعيات الأوضاع المشحونة في العالم، أكتب.
ليس هروباً من الواقع، بل عودةً إلى ذاتي. أكتب من أجلي، من أجل قلبٍ انغمس في حبكِ حتى آخر حدوده، وترك خلفه "الصفحة التي تركناها مفتوحة" شاهدةً على ما كان، وما لم يكتمل، وما ربما لا يزال ينتظر أن يُقال.

أكتب من أجل هذا التناقض الذي يسكنني؛ وجعٌ لا يهدأ، وفرحٌ لا يُنسى. ذكرياتٌ تتنقل في مخيلتي كأنها لا تعترف بالزمن، تعود كل مرة بنفس التفاصيل، بنفس النبض، وكأنها تحدث الآن. منذ اليوم الأول، لم تكن نظرتي لكِ عابرة. تساءلت: من هذه الأنثى التي تمشي بثقةٍ تُشبه الغرور، وتفرض حضورها دون أن تطلبه؟ من هذه التي تُخفي خلف قوتها ألماً قديماً، يجعلها تقف دائماً على حافة الحياة، لا تغرق فيها ولا تتركها؟
أنتِ.. نعم أنتِ، كتبتِ اسمكِ في قلبي بحروفٍ لا تُمحى، ثم رميتِ المفتاح بعيداً، وتركتِني تائهاً فيكِ. لم يكن حبكِ احتلالاً، بل استعماراً ناعماً؛ دخلتِ مملكتي دون حرب، وتربعتِ على عرشها دون مقاومة. ومنذ ذلك الحين، وأنا أتعلم كيف يكون الإنسان أسيراً بإرادته، وكيف يمكن لقلبٍ أن يختار قيده لأنه يشبهه.

منذ عام 2022، وأنا أُبحر في عينيكِ، أبحث فيهما عن مرافئ لروحي، عن إجابةٍ لسؤالٍ لم أكن أعرفه قبل أن أعرفكِ. كنتِ تبدين كأنكِ جائزةٌ مؤجلة، وكأن الله جمعنا لنكمل ما تبقى من أعمارنا في طمأنينةٍ نستحقها بعد كل هذا التعب. أتذكر جيداً تلك اللحظة حين أخبرتكِ أنني معجب بكِ، لم تكن عيناي تلمعان من رهبة الاعتراف، بل من اقتراب حلمٍ كنت أراه مستحيلاً، فإذا به يقترب، يلامس الواقع، ويقول لي: ربما، ربما يكون لنا ما هو أبعد من مجرد صدفة.
كنا نغار، نغضب، نبتعد، ثم نعود. كأن بيننا خيطاً خفياً لا ينقطع، مهما شددنا عليه أو حاولنا تجاهله. لم تكن غيرتي عليكِ ضعفاً، بل صفاءً خائفاً من أن يخسر ما وجد أخيراً ما يشبهه. كنتُ أراكِ كل يوم وكأنكِ زمردة جاءت لتخفف عني عتمة السنوات، وردةً لا تشبه البقية، فراشةً تمرّ ولا تُمسك، وطفلةً تختبئ داخل امرأة تعرف كيف تُخفي هشاشتها.

كنا كأي اثنين متحابين، أو ربما لم نكن. كنا نشعر أننا من عالمٍ آخر، أو أننا وجدنا في بعضنا فرصةً نادرة، فرصة تستحق أن تُستثمر، لا لتكون قصة حب عادية، بل لتكون استثناءً ينجو من النهايات المتوقعة. لكن العالم لا يحب الاستثناءات كثيراً. دائماً هناك من يخاف من انسجام اثنين، من يرى في قربهما تهديداً، أو مرآةً لعجزه.
جاءت الاختبارات، وجاء معها من حاول أن يزرع بيننا الشك، أن يضربنا ببعضنا، أن يجعل من صوت الخارج أعلى من صوتنا الداخلي. أحياناً كنتِ تسمعين، وأحياناً كنتُ أضعف أمام هذا الضجيج. لكن في لحظاتٍ معينة، كنا نعود.. وكأن شيئاً فينا كان يرفض الانكسار، وكأن الله كان يعيدنا إلى بعضنا بنورٍ خفي لا يُرى، بل يُشعر.

ثم جاءت اللحظة التي لم أكن مستعداً لها.. حين قررتِ الابتعاد. تركتِ خلفكِ قلباً تعوّد عليكِ حتى أصبح لا يعرف كيف ينبض بدونكِ. ربما كان ذلك "بيان موت" لعلاقةٍ لم تمت فعلياً، بل دخلت في غيبوبةٍ طويلة. حاولتُ أن أفهم.. أن أُبرر.. أن أُقنع نفسي بأن الظروف أقوى، بأن الضغوط والخوف من المستقبل كلها أسباب منطقية. لكن سؤالاً واحداً بقي يطاردني: أليس للحب أساسٌ أقوى؟ أليس الحب هو الشيء الوحيد الذي يُفترض أن يصمد حين ينهار كل شيء؟
تعلمتُ منكِ، ومعكِ، أن الحب ليس شعوراً فقط، بل بناء. يُبنى برقة، بصمت، بتفاهم، بصبر. يُبنى حتى يصبح رابطةً لا تُكسر بسهولة، مهما اشتدت العواصف. وفي "الصفحة التي تركناها مفتوحة"، كتبنا الكثير، كتبنا عن مخاوفنا، عن أحلامنا، عن محاولاتنا لصناعة طوق نجاة، لا لأنفسنا فقط، بل لهذا الحب الذي كنا نؤمن أنه يستحق أن يعيش.

حاولتُ أن أبتعد بصمت، لكنني لم أستطع. كان الصمت أثقل من المواجهة، وكان الغياب أكثر حضوراً من البقاء. فوجدتُ أن الطريقة الوحيدة لأُطفئ شيئاً من هذه الحمم المشتعلة في صدري، هي أن أكتب. لا لأبرر، ولا لأسترجع، بل لأفهم.. ولأُخفف عن قلبٍ امتلأ أكثر مما يحتمل.
وهنا، بدأتُ أخوض التجربة. سطّرتُ "الصفحة التي تركناها مفتوحة"، لا كقصة حب عابرة، بل كمساحة اعتراف، كمرآةٍ لما كنا عليه، وكما كنا يمكن أن نكون. لم تكن الكتابة نهاية، بل كانت بداية إدراك.. بداية إعادة ترتيب الفوضى التي تركها البعد.

ثم عدّلتُ الميزان. لم أعد أرى القرب كما كنت أراه، ولا البعد كما كنت أخشاه. وضعتُ كفّتين.. كفّةً للقرب، وكفّةً للبعد، وبدأتُ أزن المشاعر، لا لأحكم عليها، بل لأفهمها. ومن هنا، وُلدت "مدرسة ميزان القرب"، لا كفكرة مجردة، بل كتجربة حقيقية، كرحلة إنسانٍ حاول أن يفهم لماذا نقترب، ولماذا نبتعد، ولماذا نظل عالقين بين الاثنين.
سميتها كذلك، لأنني ما زلت أؤمن أن القرب الذي بيننا لم ينتهِ. هو فقط ساكن.. متوقف عند لحظةٍ ما، ينتظر وعياً مختلفاً، وصبراً أكثر نضجاً، وخفةً لا تُثقلها المخاوف القديمة. ربما لم يكن الفراق نهاية، بل استراحة قاسية، أُجبرنا عليها لنعود بشكلٍ أفضل، أو لنفهم على الأقل لماذا لم نستطع أن نكمل.

واليوم، حين عادت أصوات الضمير تُطرق داخلي، وجدتني أعود إلى نفس الباب.. لا لأعيد ما كان كما كان، بل لأحاول أن أراه كما يجب أن يكون. أطرق هذه المرة بهدوء، بصبر، برغبةٍ صادقة أن نُعطي لأنفسنا فرصةً أخرى، لا يحكمها الخوف، ولا تقودها الأنانية، ولا تُفسدها استعجالات اللحظة.
لأن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة، بل بالنضج.
وبعض القرارات لا تُقال بصوتٍ عالٍ، بل تُفهم حين نكون مستعدين لها.
وإن كان للصفحات المفتوحة أن تُغلق يوماً.. فأنا أفضّل أن نقرأها معاً قبل ذلك.



#يزن_تيسير_سعاده (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميزان القرب: السعودية بين تسارع التنمية وهدوء الإنسان
- بين القرار والقلب: كيف يصنع -ميزان القرب- مصير الحب في واقعٍ ...
- في ميزان القرب.. قلوبنا ليست مضيق هرمز
- نار أشعلتها ثم انسحبت .. وما زال بيننا شيء
- دسّ السم في العسل: حين يختل ميزان القرب وتنهار العلاقات
- ليس كل عوضٍ بديلًا، أحيانًا يعيد الصبر ما ظنناه انتهى
- الحب والصفحة التي تركناها مفتوحة: دروس الصبر والوفاء
- الحرب على إيران وخرائط الشرق الأوسط الجديدة: الإنسان أولاً
- الصفحة التي لا تُغلق، وميزان القرب في زمن مضطرب
- ترامب، الحروب والعملات الرقمية: شبكة مصالح المال والسياسة
- الرضا ويقين الطريق: حين تبقى بعض الصفحات مفتوحة
- الوجه القذر لإسرائيل: الحرية مجرد صورة والاعتداءات الجنسية ا ...
- عرّاب السياسة السعودية: تركي الفيصل يكشف الستار عن الحرب الق ...
- الأردن على حافة الانهيار الاقتصادي: لماذا تحتاج الأسر إلى مب ...
- حين يجتمع الصديق والحبيب في شخص واحد: أجمل أسرار ميزان القرب
- قراءة في ميزان القرب: الحرب خارجنا، فهل نحمي ما بيننا؟
- الحرب حين تقترب من الداخل: ميزان القرب بين اختناق الإمدادات ...
- إيران بعد استهداف القمة: هل بدأ سقوط العقيدة أم إعادة إنتاجه ...
- المرأة وميزان القرب: القوة الصامتة التي تُعيد رسم المجتمع
- الحب والصداقة: ميزان القرب في عمق العلاقات الإنسانية


المزيد.....




- مقتل جندي لبناني واثنين آخرين من اليونيفيل وسط تصعيد إسرائيل ...
- ما الذي تسعى إسرائيل لتحقيقه من التوغل داخل لبنان؟
- لماذا تتطلع الولايات المتحدة إلى جزيرة خرج الإيرانية؟
- كادبوري تكشف بيضة شوكولاتة عملاقة -ميغا ميني إيغ- بوزن 55 كي ...
- يوم دامٍ في لبنان: غارات إسرائيلية متفرقة على الدفاع المدني ...
- -مضيق هرمز خط أحمر-.. روبيو يكشف: تواصل مباشر مع جهات داخل ا ...
- تصعيد جديد في القدس: إسرائيل تهدم منازل في بلدة سلوان وتُصدر ...
- واشنطن تدرس إنزالًا في جزيرة خارك.. مسؤول سابق في الناتو يحذ ...
- 80 دولارًا مقابل صور عسكرية: اتهام شاب بالتجسس لإيران داخل ق ...
- تهديد ترامب بالاستيلاء على ميناء خرج.. هل يرتفع النفط إلى 20 ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - الصفحة التي تركناها مفتوحة: حين لا يكون البعد نهاية بل قراراً مؤجلاً للعودة