أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد خالد الجبوري - ذاكرة الأثير.. حدود الصبر والوطن














المزيد.....

ذاكرة الأثير.. حدود الصبر والوطن


محمد خالد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 00:25
المحور: الادب والفن
    


في مفكرتي، وتحت غطاء من التأمل، كتبتُ بتاريخ 14 تشرين الثاني 2022:
ذاكرة الأيام ليست مجرد أرقامٍ صماء، إنها كائنٌ حيّ يتنفس فينا ولا يغيب. يعود بي الحنين الآن إلى ركنٍ قصي في بغداد، وتحديداً إلى مجمع "الأقسام الداخلية" في منطقة صدر القناة. كان الوقت مساءً ربيعياً من نهايات السبعينيات، حين يختلط عبير الأرض بقطرات مطرٍ خجولة، وتتسلل نسماتٌ باردة تداعب الروح وهي في خلوتها.
كنتُ هناك، أنتحي ركناً بعيداً عن صخب الغرفة التي أتقاسم سقفها مع أصدقاءٍ منحهم لي الزمن الجميل؛ صبيان من جنوب النخيل، "محمد حرب" من زبير البصرة، و"عبد السادة" من فاوها العريق، وصديقٌ ثالث من طهر النجف يدعى "صالح"، أما أنا فكنتُ أحمل في حقيبتي عبق الموصل ونينوى.
في تلك العزلة، لم أكن وحيداً. كان معي رفيقٌ غريب الأطوار، لا يملُّ الكلام، ولا يخفي سراً. خادمٌ للكل، يطرق أبواب العقول بكل الأصوات، تارةً بنعومةٍ أنثوية وتارةً بجهارةٍ ذكورية. ربما يظن البعض أني أتحدث عن جاسوسٍ أو دخيل، لكنه كان أوفى الأصدقاء.. كان "راديو" صغيراً بوزنه، لكنه يحمل الدنيا بين أحشائه.
بينما نحن جلوس، كان ينقلنا إلى ضفاف النيل، نتيه بين ألحان "الكرنك" و"الجندول"، نتمايل مع "شمس الأصيل" وكأننا سعفُ نخيلٍ يتراقص بانتشاء. لكن خلوة ذلك المساء كانت لها نكهةٌ أخرى، حين صدح ذلك الصندوق الصغير بصوتٍ يهز الوجدان:
"گلي إشجابك علي وشذَكرَك بينه.. عام انكظن وانت ناسينه"
مرت العقود، ليعيدني التلفاز اليوم وفي ذات التوقيت -الحادية عشرة مساءً- إلى ذات اللحن، لكن بمذاقٍ مختلف. كانت أم كلثوم تصدح بـ "للصبر حدود".
توقفتُ عند الكلمات طويلاً؛ فشتان ما بين صبرٍ وصبر. هناك صبرٌ مأجورٌ على أقدار الله، وصبرٌ ثقيلٌ هو عينُ الظلم إن رضينا به. تلك الأغنية لم تكن مجرد حالة عاطفية، بل كانت في طياتها ثورةً على زيف الوعود. وحين كانت "الست" تُلوح بمنديلها كأنه علمٌ لجمهوريتها الفنية في فضاء العروبة، كان الراديو ينقل لنا ذلك العنفوان دون تذكرة حجز، ليخترق القلوب بلا استئذان.
عدتُ اليوم من مأتم عزاء، حيث نَفِدَ صبر جسدٍ أتعبته الآلام فغادر دنيانا إلى دار الخلود. جلستُ بين "عبد الله" و"سعيد" و"مظفر"، وفي الأطراف لم يغب "حمزة عن المشهد. صار مأتمنا العراقي نادياً للقاءاتنا، ربما لأن الموت صار في بلادي رفيقاً مألوفاً لا يفارقنا.
وأنا غارقٌ في سردي هذا، أتساءل: هل بقي أحدٌ يقرأ؟ أم أنكم ضقتم ذرعاً بسفسطتي وهربتم من الأبواب الخلفية؟
الحقيقة أن ما بدأته قديماً بالراديو، يكمله التلفاز اليوم بنسخته المطورة، وهو ينقل أخبار استقالة نواب البرلمان وتزاحم الانسداد السياسي. تضيق المعضلات، فأهمس لنفسي: "يا أزمة اشتدي لتنفرجي". ولكن، هل سيقود نفاذ الصبر إلى الانفراج أم إلى الانفجار؟
لقد نَفِدَ الصبر فعلاً، وصدق العنوان؛
للصبر حدود. وهذه المرة، لن يقولها عاشقٌ لمحبوبه، بل سيقولها الشعب للحاكم. أيها الظالم، كفّ عن ظلمك، فالزمن دوار، وما اغتصبته بغير وجه حق ستسترده الليالي نيابةً عن المظلومين.
نحن نعيش زمن "تخدير الكلام"، حيث الوعود تُبذل بوفاء الديون وإعادة الحقوق، لكن الوفاء دائماً ما يكون "بالمشمش"، أو كما يقول لسان حالنا: "مامش بمامش".
انتهى اللحن، لكن بركان الغضب في الصدور لم يهدأ. يبقى أن أقول لكل ظالم: كلما طال عمرك تعاظم ذنبك. فإذا كان تقصيرنا في حق الخالق قابلاً للغفران، فإن ظلم البشر للبشر لا يمحوه إلا العدل.
سلاماً للوطن اخوة متعايشين بسلام ، وسلاماً لكل من وأد فتنةً،



#محمد_خالد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترانيم نيسان في زاوية الطيلمون
- فرسان الموائد
- تراتيل في مهب آذار
- بين زيف الألقاب ونبل الطباع
- روايةٌ لا حكاية: فصولٌ من زمن الوشاة-
- صدى المرايا الملونة
- تراتيل الانبثاق: من مخاض الألم إلى معانقة النور
- ظلال الوداع: حينما تعزفُ الأرواحُ سيمفونيةَ الرحيل
- تراتيلُ الصبرِ ونورُ الشهادة
- مَكِيدَةُ الحِوار
- نخبة اللحم.. وميزان المقامات
- أضغاثُ وحدة
- زفراتٌ في مِحراِب الوطن) الی التي كتبت *كومة تناهيد*
- قصيدة: حُرٌّ بغيرِ مَدار
- ميزانُ بُهتان
- مرسالُ الغربة
- رتّبْ أمانيك
- على جسر الأحلام: من خيط الطائرة إلى ناصية الذكرى
- أحياءٌ في كَفَنِ السُّكون
- قصيدة :جاسوسةُ الاستراحة


المزيد.....




- أزمة الوعي: لماذا لا يكفي الذكاء والثقافة لإنقاذ العالم؟
- من يحاسب الذكاء الاصطناعي؟!
- أفلاطون ولغز المحاكاة
- وقفة لبنانية تؤكد أن قرار رجي ترجمة للأجندة الصهيوأمريكية
- من العراق كتبت زهراء الحسناوي : بَيْنَ الحُبِّ وَالطَّرِيقِ ...
- من العراق كتبت زهراء الحسناوي : بَيْنَ الحُبِّ وَالطَّرِيقِ ...
- بنيامين وود: كيف تعيد الأبوة صياغة علاقتنا بالأدب والقراءة؟ ...
- -سلمان رشدي في بوتسدام-.. رقصة أدبية على حافة الموت وهزيمة ا ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور.. صوت -أناديكم- الذي خلد نضا ...
- رحيل حكواتي الواقع: تريسي كيدر الذي أنطق التفاصيل


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد خالد الجبوري - ذاكرة الأثير.. حدود الصبر والوطن