أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد خالد الجبوري - نخبة اللحم.. وميزان المقامات














المزيد.....

نخبة اللحم.. وميزان المقامات


محمد خالد الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


في زاويةٍ منزوية من الحي، يقف "أبو ميسور" خلف منضدته الخشبية الثقيلة. لم يكن مجرد جزار، بل كان "فقيهًا" في تصنيف البشر قبل الذبائح. كان يؤمن بأن لكل طبقةٍ "قطعية" تناسبها في قاموسه المادي واللغوي.
دخل عليه رجلٌ كادح، تظهر خريطة التعب على قميصه الباهت، وقال بصوتٍ خفيض:
"يا أبا ميسور، أريد كيلوغراماً من اللحم لـ العامة، قطعةً تجاري ميزانيتي ولا تخذل قدري الصغير".
نظر إليه أبو ميسور بطرف عينه وهو يشحذ سكينه بصوتٍ رتيب، وقال:
"لك عندي باقة المكافحين يا بني؛ لحمٌ صلبٌ كأيامك، يحتاجُ صبراً طويلاً فوق النار، تماماً كما تنتظر أنت فرج الله في طوابير الحياة".
وفجأة، انقطع حبل الصمت بدخول رجلٍ تفوح منه رائحة العود الفاخر، وتسبقه هيبةٌ مصطنعة.
تجمدت يد أبو ميسور عن العمل، ورسم على وجهه ابتسامةً عريضة لم يمنحها للفقير قط، وانحنى قليلاً قائلاً:
"أهلاً بوجيه الأعيان وعماد القوم! طلبك محفوظٌ في ثلاجة النخبة، لحمٌ قُدَّ من خواص الخواص، ناعمٌ لا يحتاجُ مَضغاً، يذوب في الفم تماماً كوعودكم في المحافل!".

هنا، تسمر الرجل البسيط في مكانه، ونظر إلى الذبيحة المعلقة متسائلاً بمرارة:
"يا أبا ميسور، أليست الشاة واحدة؟ ومنذ متى صار للحم هويّة وبطاقات تعريف؟".
ضحك أبو ميسور ضحكةً مجلجلة وهز رأسه قائلاً:
"يا مسكين، الدنيا مقامات! نحن في زمنٍ صارت فيه المجتمعاتُ تُقسّم إلى باقات؛ فهل ستشهد أيامنا تصميم (باجات) خاصة نُعلقها على صدورنا لنعرف من يشتري (نخبة العظامة) ومن يكتفي برائحة الوجاهة؟ أعز الله النخبة، وكان في عون العامة!".

الخاتمة: ميزانُ التراب.. وما وراء الباقات
في نهاية المطاف، تظلُّ هذه المسميات قشوراً لغوية نغلف بها حقيقتنا الإنسانية الواحدة. إنَّ "نخبة العظامة" الحقيقية ليست في تصنيفات المجالس ولا في قطعيات اللحوم، بل في نبالة المواقف وطهر السريرة.
وكما قيل في الأثر الرمزي:
"إذا غابت شمسُ النهار، تساوت الظلالُ على الأرض؛ فلا (الوجيهُ) يطولُ ظله، ولا (العاميُّ) ينمحي أثره.. فالميزانُ الحقيقي ليس عند أبي ميسور، بل في جوهر الإنسان."

عذراً لمن قد يستفزُّه هذا البيان، فكلنا له نصيب من هذا التقسيم، وعسى أن يجمعنا ميزان العدل يوماً
تحت باقةٍ واحدة.. هي باقة "الإنسان".



#محمد_خالد_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أضغاثُ وحدة
- زفراتٌ في مِحراِب الوطن) الی التي كتبت *كومة تناهيد*
- قصيدة: حُرٌّ بغيرِ مَدار
- ميزانُ بُهتان
- مرسالُ الغربة
- رتّبْ أمانيك
- على جسر الأحلام: من خيط الطائرة إلى ناصية الذكرى
- أحياءٌ في كَفَنِ السُّكون
- قصيدة :جاسوسةُ الاستراحة
- مواعيد في ذاكرة السبعينيات
- وجوهٌ في مَرايا الزمان
- عناقُ الشَّغاف
- قصيدة: مرافئ اليقين
- مَرَايَا الحَقِّ وَالزَّمَان
- رحلةُ العمر
- في رحاب -حجرة عبد اللطيف-: حكاية الزوايا الغائبة . قراءة ًفي ...
- رحلةُ العُمر
- نداءُ دجلة
- ميزان المديح
- بَيْنَ المَجازِ وَنُقْطَةِ الٱِسْتِفْهامِ


المزيد.....




- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد خالد الجبوري - نخبة اللحم.. وميزان المقامات