أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري














المزيد.....

إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 12:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في تاريخ الشعوب والثورات، هناك رموز تتجاوز أدوارها السياسية المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسار الوعي الجمعي ، ومن بين هذه الرموز، يبرز اسم الشهيد مشعل التمو كحالة إشكالية تتحدى القراءات الاختزالية، وتضعنا أمام ضرورة تفكيك العلاقة بين القومي والوطني، الهوية والمواطنة، المشروع السياسي والعمق الوجودي.
استحضار مشعل التمو اليوم يضعنا أمام مسؤولية كبرى ، إما أن نكتفي باستدعاء صورته كرمز وطني جامع، أو أن نواجه تعقيد مشروعه بكل أبعاده القومية والديمقراطية ، والوفاء الحقيقي لدمائه لا يتحقق باختزال إرثه في خطاب المواطنة وحده، ولا بتحويله إلى أيقونة قومية فحسب، بل بمقاربة إرثه بكل تناقضاته الظاهرية ووحدته العميقة.
يُمثّل مشعل التمو ظاهرة استثنائية في سياق النخب السياسية الكردية السورية، ليس فقط بوصفه أحد مؤسسي تيار مستقبل كردستان سوريا، بل أيضاً بصفته مثقفاً عضوياً حاول صياغة رؤية متكاملة للقضية الكردية تتجاوز الثنائيات وتتفادى التبسيطات الإيديولوجية التي طالما أحاطت بها. ففي خطابه، لا يمكن فصل الهوية القومية عن المشروع الوطني، كما لا يمكن اختزال القضية الكردية في مطالب حقوقية ضيقة أو تذويبها في خطاب وطني أحادي البعد.
جوهر المشروع الفكري للتمّو يقوم على رؤية إبستمولوجية للقضية الكردية بوصفها قضية وجود (كينونة) لا مجرد قضية مطالب (حقوق). فالمطالب يمكن منحها أو مساومتها ضمن سلم الأولويات السياسية، بينما الوجود القومي لا يقبل القسمة ولا التفاوض عليه ، ومن ثم، لم يكن ينظر التمو إلى الكرد بوصفهم "مكوناً" داخل النسيج السوري، بل بوصفهم شعباً له خصوصيته التاريخية والثقافية، ويمثّل وجوده على أرضه (الجزء الكردستاني الملحق بسوريا) بعداً أنطولوجياً لا يمكن اختزاله في معادلات اللامركزية الإدارية أو المواطنة المتساوية وحدها.
هنا تكمن المفارقة الجدلية في خطاب التمو: فهو لم يرَ الوطنية السورية نقيضاً للقومية الكردية، بل أسّس لعلاقة ديالكتيكية بينهما، تجلت في مقولته الشهيرة: "إن حل القضية الكردية هو المدخل الحقيقي للديمقراطية في سوريا". حملت هذه المقولة قلب المنطق السياسي السائد . فالديمقراطية عنده ليست شرطاً مسبقاً تقدمه الدولة للكرد مقابل ولائهم، بل هي نتيجة طبيعية للاعتراف بالحقوق القومية الكردية ، وبعبارة أخرى، جعل التمو الحل القومي الكردي مدخلاً لتحرر السوريين جميعاً، وليس العكس.
إذا تعمقنا في هذه الجدلية، نجد أن التمو كان يُدرك أن المسألة الكردية في سوريا تحمل إشكاليتين متراكمتين: إشكالية الهوية (القومية) وإشكالية المواطنة (الحقوق) ، وبصفته مفكراً سياسياً قبل أن يكون ناشطاً، أدرك أن حل الإشكالية الثانية دون الأولى يبقي الجرح مفتوحاً، بينما الاعتراف بالهوية القومية يفتح الباب تلقائياً لحل إشكالية المواطنة ، ومن هنا كان إصراره على "عدم المساومة على الجزء الكردستاني" تعبيراً عن رؤيته التي ترى في الأرض امتداداً للهوية، وفي الهوية أساساً للحقوق.
وفي السياق ذاته، يمكن فهم موقف التمو من "استقلالية القرار الكردي" في ضوء هذه الرؤية المركبة. فاستقلالية القرار لم تكن تعني الانعزال عن المحيط الكردستاني، بل قدرة الكرد السوريين على صياغة مصيرهم بأيديهم في إطار انتمائهم القومي الطبيعي، دون وصاية من أحد ، وبذلك تجاوز إشكالية "التبعية مقابل الانعزال" التي وقعت فيها قوى كردية أخرى، فكان نموذجاً للسياسي الكردي الذي يحافظ على خصوصيته القومية دون أن يتحول إلى أداة إقليمية، ويتمسك بوطنيته السورية دون أن يذوب فيها على حساب هويته الكردية.
العودة إلى إرث التمو وتحليل بعض الأكاذيب المرتبطة به يكشف عمق رؤيته التي استشرفت إشكاليات ما بعد الثورة. فقد كان يدرك أن بناء سوريا الجديدة لن يتم عبر صياغة دستور جديد فقط، بل عبر إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها، بين المركز والأطراف، وبين الهوية الوطنية والهويات الفرعية ، ومن هنا وضع تصوراً مفاده أن الدولة الديمقراطية الحقيقية هي تلك التي تتسع للتنوع القومي بوصفه إثراءً لا تهديداً، وتقر بوجود "شعب كردي" له حقوقه الجماعية، وليس فقط "مواطنين أكراد" لهم حقوق فردية ، وهكذا ترك التمو إرثاً يجمع بين الوطني والقومي، بين الهوية والديمقراطية.
إن أفضل وفاء لدماء شهداء الثورة السورية يكمن في القدرة على فهم هذه الجدلية والتعامل معها بكل أبعادها، والتأكيد أن سوريا الجديدة لن تكتمل إلا باستيعاب التنوع القومي والثقافي للسوريين، والاعتراف بأن الكرد ليسوا مجرد "مكون"، بل شعب له حقوقه القومية التي لا تتناقض مع الوحدة الوطنية، بل تشكّل أساساً حقيقياً لها.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية
- الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل؟
- جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟
- قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام ٢٠٢£ ...
- في ظل غياب الشفافية بين دمشق و-قسد-: تفاهمات تحت خط النار
- مشعل التمو :الشعلة التي لا تنطفئ؟
- سوريا: بين كسرالنمط الكولونيالي اوإعادة إنتاج التبعية؟
- عن الهوية السورية
- من دهوك ..هل يعيد الكرد في سوريا هندسة مشهدهم السياسي؟
- الكرد كأمة -لا تاريخية-: قراءة فلسفية وتاريخية في الإشكاليات ...
- تحدّيات الخطاب الكردي في سوريا ، بين الشعاراتية والواقعية..؟
- الكرد: إشكاليّة الهويّة والاعتراف في المشرق العربي
- النقد العادل والإصلاح الممكن :دفاع عن العمل السياسي الكردي
- الكونفراس الكردي : بين الوفد المشترك ودور ENKS
- ثمانِ سنوات على الاستفتاء: إرادة شعبية وإصرار على المشروع ال ...
- هل افل نجم المجلس الوطني الكردي؟ قراءة في خطاب التجييش
- الكرد في سوريا بين جغرافيا التاريخ وصراع الديموغرافيا
- اعادة تعريف الدور الكردي في سوريا ما بعد الاسد


المزيد.....




- تتناول ضرب مدرسة البنات بإيران.. رقابة الصين تسمح لمقاطع بال ...
- ماتداعيات رفض حلفاء واشنطن تلبية دعوة ترامب لتأمين مضيق هرمز ...
- إلا بشروط.. دمشق تقيّد بيع المشروبات الكحولية
- ما هي أبعاد وتداعيات إدراج -إخوان السودان- على قائمة الإرهاب ...
- لماذا تعتبر إسرائيل اغتيال علي لاريجاني وغلام رضا سليماني إن ...
- إسرائيل تعلن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ع ...
- تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يدفع شركات الطيران لإلغاء المزي ...
- لبنان: أكثر من مليون نازح بأقل من أسبوعين وأكثر من 900 قتيل ...
- إسرائيل تعلن اغتيال لاريجاني وطهران ترفض مقترحات لخفض التصعي ...
- إيران تطلق 3 رشقات صاروخية على إسرائيل خلال ساعتين.. ماذا اس ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري