أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟















المزيد.....

جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 11:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مرت سوريا بظروف سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة وجد الإنسان السوري نفسه في ظلها أمام تحدي التوفيق بين هوياته المتعددة. فهوية الإنسان السوري ليست لحظة ثابتة، بل هي نتاج تراكم تاريخي طويل، تشكل عبر تفاعل، وأحياناً تصادم، بين الانتماء الوطني الجامع والانتماءات الفرعية العميقة كالقومية والعرق والدين والطائفة. لفهم الصراع الهوياتي الراهن، لا بد من استعراض تطور تعامل الدولة السورية مع واقع التعدد منذ نشأته، وصولاً إلى اللحظة المعقدة الراهنة، مع إيلاء اهتمام خاص لأبرز تجليات هذا الإشكال: القضية الكردية.
لقد نشأت الدولة السورية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية،التي ادارت مناطقها بناءً على الانتماءات الدينية والطائفية (نظام الملل). ثم جاءت النخبة الوطنية التي قادت مرحلة ما بعد الاستقلال، والمؤثرة بالفكر القومي العربي ، بمشروع وطني هدف إلى بناء هوية موحدة. كان شعار هذه المرحلة هو "صهر" المكونات في بوتقة العروبة. حيث رُوج لمفهوم أن "السوري هو العربي السوري"، مع تجاهل أو تهميش واضح للهويات غير العربية ، ولكل أشكال التعددية . تم تبني خطاب قومي عروبي أحادي، رُفع كأيديولوجية دولة، مما خلق تناقضاً أساسياً مع الواقع الاجتماعي المتعدد. لم تكن المشكلة في التأكيد على العروبة كأحد مكونات الهوية، بل في تحويلها إلى المكون الوحيد المعترف به رسمياً، مما جعل السوريين من أصول غير عربية، وخاصة الكرد ، أمام خيارين أحلامها مر : إما القبول بالذوبان القسري في هذه الهوية الأحادية، أو العيش على هامش الدولة والمجتمع.
تعد المسألة الكردية النافذة الأوضح لفهم سياسات الإقصاء التي انتهجتها الدولة السورية . فبعد فترة وجيزة من الاستقلال، بدأت ملامح سياسة منهجية تجاه القومية الكردية (والتي تشكل حوالي 1٥٢٠% من السكان) تتبلور. وقد تجلت هذه السياسة في عدة مستويات:
1. الحرمان من الجنسية (قانون الإحصاء الاستثنائي 1962): كان هذا القانون بمثابة الضربة الأكثر قسوة، حيث جرد عشرات الآلاف من الكرد في محافظة الحسكة من الجنسية السورية، محولاً إياهم إلى "أجانب" أو "مكتومين" في وطنهم. لم يكن هذا إجراءً إدارياً عادياً، بل كان أداة سياسية هدفت إلى تغيير الديموغرافيا والتقليل من الثقل العددي للكرد، وقطع صلتهم القانونية بالوطن.
2. الحرب على الهوية الثقافية: شنت السلطات حملة منهجية ضد مظاهر الهوية الكردية. تم منع التحدث والتدريس والنشر باللغة الكردية، وحظر الأسماء الكردية للمواليد الجدد، وتغيير أسماء القرى والمدن والأنهار والمواقع الجغرافية من كردية إلى عربية ، و الهدف كان فصل الإنسان الكردي عن ذاكرته الجغرافية والتاريخية والثقافية.
3. التهميش الاقتصادي والتمييز: تم تهميش المناطق الكردية في خطط التنمية، مما أدى إلى تكريس التخلف الاقتصادي والبطالة. كما وُضعت عقبات أمام تملك الكرد للأراضي في مناطقهم، ضمن سياسة "الحزام العربي" التي هدفت إلى تغيير التركيبة السكانية للأرياف المحيطة بالمدن الكردية.
لم تكن هذه السياسات مجرد أخطاء ، بل كانت جزءاً من رؤية أمنية شاملة تنظر إلى أي اختلاف هوياتي على أنه تهديد محتمل لوحدة الدولة وسلطة النظام الأسدية .
مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963،وتكريس سلطة النظام الأسدي لاحقاً، لم يتم التخلي عن النموذج العروبي الأحادي، ولكن تمت إدارته بطريقة أكثر دهاء. تحولت سياسة "الصهر" القسري إلى سياسة "الإدارة الذكية" للتنوع عبر آليات أمنية. استُخدم التعدد الطائفي والقومي كورقة للسيطرة والتفريق، ضمن استراتيجية "فرق تسد". تم تعزيز ولاءات فئوية ضيقة (طائفية، عشائرية، مناطقية) فوق الانتماء الوطني، وربطها بنظام المحسوبيات والامتيازات. في هذا الإطار، بقيت الهوية الكردية "المسألة الساخنة" الأكثر خطورة، لأنها كانت الأكثر تجانساً ووعياً بحقوقها الجماعية ، وهكذا تعاملت السلطات معها بقمع صريح عند محاولة المطالبة بالحقوق (كما في انتفاضة القامشلي 2004)، أو بإهمال مقصود. في المقابل، تم استيعاب أو استغلال انتماءات أخرى في لعبة موازين القوى الداخلية للنظام.
أظهرت الثورة السورية ثم الحرب المدمرة هشاشة النموذج الوطني القائم على الإقصاء والمركزية المطلقة .انفجرت الهويات الفرعية المكبوتة بقوة، وغالباً ما اتخذت شكلاً دفاعياً أو صراعياً. تحولت سوريا إلى ساحة لصراع هوياتي مركب، تمت إذكاؤه من قبل أطراف داخلية وإقليمية ودولية. في هذا المشهد، برزت القضية الكردية بقوة مع قيام "الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا"، مقدمةً نموذجاً عملياً مختلفاً لإدارة التعدد والاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للشعب الكردي وسائر المكونات ، وإن كان ضمن ظروف بالغة التعقيد إقليمياً ودولياً. هذا المشروع، رغم جميع الجدل حوله، مثّل رفضاً صارخاً لعقود من التهميش وطرحاً بديلاً لفكرة الدولة المركزية الأحادية.
أثبتت التجربة السورية أن قمع الهويات أو تهميشها لا يؤدي إلى الوحدة، بل إلى التمزق والانفجار. لقد فشل النموذج القائم على العروبة الأحادية والإدارة الأمنية للتنوع فشلاً ذريعاً. الوحدة الوطنية الحقيقية لا تُبنى على محو الخصوصيات، بل على الاعتراف بها دستورياً ومجتمعياً ،عبر عقد اجتماعي جديد يقوم على :
· المواطنة المتساوية باعتبارها الرابطة الأساسية بين الفرد والدولة، التي تتساوى فيها الحقوق والواجبات بغض النظر عن القومية أو الدين أو الطائفة.
· الاعتراف الدستوري والقانوني بالتعدد كحقيقة ثابتة وكمصدر غنى للنسيج الوطني. يشمل ذلك الاعتراف بالهوية الوطنية الكردية، ومنحها الحقوق السياسية والثقافية والإدارية ضمن وحدة الأرض السورية وفي هذا الاتجاه يمكن قراءة المرسوم رقم ١٣ لعام ٢٠٢٦ كخطوة أولى يجب البناء عليه للوصول إلى حل القضية الكردية بشكل نهائي .
· تطبيق العدالة الانتقالية عبرمعالجة إرث المظالم التاريخية، بدءاً من إعادة الجنسية للمحرومين منها، والاعتذار الرسمي عن سياسات التمييز.
· إعادة بناء مفهوم الهوية السورية ليس كهوية أحادية، بل كهوية جامعة مركبة، تكون فيها "السورية" إطاراً جامعاً يحتضن العروبة والكردية والسريانية والشركسية والإسلام والمسيحية والإيزيدية وغيرها، في حالة تعايش وتكامل.
إن مستقبل سوريا مرهون بقدرة نسيجها الاجتماعي الممزق على خياطة جراحه. وهذا لن يتم إلا بالشجاعة للاعتراف بأخطاء الماضي، وبالجرأة لتصور مستقبل لا يكون فيه السوري مضطراً للاختيار بين انتماءاته، بل يمكنه أن يفتخر بها جميعاً تحت سقف وطن يتسع للجميع.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟
- قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام ٢٠٢£ ...
- في ظل غياب الشفافية بين دمشق و-قسد-: تفاهمات تحت خط النار
- مشعل التمو :الشعلة التي لا تنطفئ؟
- سوريا: بين كسرالنمط الكولونيالي اوإعادة إنتاج التبعية؟
- عن الهوية السورية
- من دهوك ..هل يعيد الكرد في سوريا هندسة مشهدهم السياسي؟
- الكرد كأمة -لا تاريخية-: قراءة فلسفية وتاريخية في الإشكاليات ...
- تحدّيات الخطاب الكردي في سوريا ، بين الشعاراتية والواقعية..؟
- الكرد: إشكاليّة الهويّة والاعتراف في المشرق العربي
- النقد العادل والإصلاح الممكن :دفاع عن العمل السياسي الكردي
- الكونفراس الكردي : بين الوفد المشترك ودور ENKS
- ثمانِ سنوات على الاستفتاء: إرادة شعبية وإصرار على المشروع ال ...
- هل افل نجم المجلس الوطني الكردي؟ قراءة في خطاب التجييش
- الكرد في سوريا بين جغرافيا التاريخ وصراع الديموغرافيا
- اعادة تعريف الدور الكردي في سوريا ما بعد الاسد
- هندسة التموضع الكردي في سوريا الجديدة
- المقامة الكردية -في عبودية القطيع ..!
- الكرد ما بعد الأسد :من التهميش الى الشراكة في صناعة المستقبل
- ورقة سياسية : من أجل إحداث تغيير بنيوي في منهجية العمل السيا ...


المزيد.....




- لصوص بزي روبن هود ينهبون متجرًا في كندا.. شاهد ما فعلوه بالم ...
- أمريكا تتهم الصين بإجراء تجربة نووية سرية.. ماذا نعلم؟
- هل يجب غسل الدجاج قبل الطهي؟ الإجابة ليست بهذه البساطة
- هجوم روسي يقطع الكهرباء بأوكرانيا وترمب يشيد بالمفاوضات
- في النسخة الـ17.. فلسطين وتحولات العالم على طاولة حوار منتدى ...
- آمي بيك للجزيرة نت: -الحوسبة المكانية- تعيد تشكيل العوالم ال ...
- مثالية لأشهر الشتاء الباردة.. إليك أشهى أنواع الحساء التي يج ...
- حصري: وزير البحرية الأمريكي مدرج كراكب على متن طائرة جيفري إ ...
- بطة تصارع للبقاء بمنقار مغلق بطُعم صيد.. شاهد ما فعله رجل لإ ...
- مصر.. -تصويب عاجل- لوزارة الأوقاف عن منع إذاعة صلاتي الفجر و ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟