أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»














المزيد.....

في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 17:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يعيد السيد صلاح بدرالدين في مقاله «السبيل لتوحيد الحركة الكردية السورية» طرح فكرة بات يكررها منذ سنوات، وهي الدعوة إلى عقد « مؤتمر كردي سوري جامع» يكون منطلقاً لإعادة بناء الحركة الكردية. غير أن هذه الفكرة، على جاذبيتها الظاهرية، تبدو أقرب إلى الرغبة منها إلى التطبيق الواقعي، لأنها تتجاهل طبيعة الوقائع السياسية والتنظيمية التي تحكم الساحة الكردية السورية.
أول ما يلفت الانتباه في المقال هو استعادة مفهوم «الكتلة التاريخية» الذي صاغه المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي . غير أن استخدام هذا المفهوم يأتي خارج سياقه النظري. فالكتلة التاريخية عند غرامشي لا تعني تجمعاً فضفاضاً من المستقلين أو غير المنتمين إلى الأحزاب، بل هي تحالف اجتماعي بين طبقات وقوى « شعبية » منظمة يتجسد عبر النقابات والاتحادات واللجان والمؤسسات الجماهيرية، ويقوده حزب سياسي يمتلك مشروعاً للهيمنة السياسية. أي أن الكتلة التاريخية، في معناها الأصلي، تقوم على التنظيم والقيادة والبرنامج، لا على تجاوز التنظيمات أو القفز فوقها.
أما في طرح بدرالدين فتتحول «الكتلة التاريخية» إلى ما يشبه جمهوراً واسعاً من المستقلين الذين ضاقوا ذرعاً بالأحزاب ، وهنا يقع الخلط الكبير: فالسخط على الأحزاب لا يصنع كتلة سياسية، والخروج من التنظيم لا يخلق تلقائياً بديلاً تنظيمياً. السياسة لا تقوم على المزاج العام، بل على مؤسسات وتمثيل وبرامج واضحة.
يبني بدر الدين مقاله على فرضية أن «الغالبية الساحقة من الوطنيين والمناضلين باتت خارج الأطر الحزبية»، وهي فرضية بلا دليل. فالمستقلون، بحكم تعريفهم، غير منظمين ولا يملكون بنية تمثيلية يمكن قياسها أو التعبير عنها ، ومن هنا فإن تحويل هذه الفئة المتنوعة إلى «كتلة تاريخية منقذة» ليس سوى قفزة نظرية لا تسندها الوقائع.
الفكرة المركزية في المقال، هي الدعوة إلى «المؤتمر الكردي السوري الجامع» والتي تبدو أكثر إشكالية عند النظر إليها من زاوية الواقع السياسي.
أولاً، من هي الجهة التي تملك شرعية الدعوة إلى هذا المؤتمر؟
فالأحزاب القائمة، التي تمتلك على الأقل هياكل وتنظيمات، يرفضها الكاتب ويطعن في شرعيتها. أما «المستقلون» الذين يعول عليهم، فلا يملكون إطاراً تنظيمياً يمكنه الدعوة أو التحضير أو إدارة عملية التمثيل ، وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة واضحة: مؤتمر يحتاج إلى جهة منظمة، بينما الفكرة تقوم أساساً على تجاوز التنظيمات.
ثانياً، يطرح المؤتمر إشكالية التمثيل. فمن يمثل من؟ وعلى أي أساس يتم اختيار المندوبين؟ فالأحزاب، مهما كانت ملاحظاتنا عليها، تملك قواعد تنظيمية يمكن تمثيلها في مؤتمر. أما «الكتلة المستقلة» فلا تملك آلية واضحة للتمثيل، ما يجعل أي مؤتمر من هذا النوع عرضة لأن يتحول إلى تجمع نخبوي محدود لا يعكس حقيقة المجتمع الكردي ولا توازناته السياسية.
ثالثاً، يتجاهل الطرح حقيقة أن الانقسام في الساحة الكردية السورية ليس مجرد خلاف تنظيمي يمكن حله بمؤتمر أو اجتماع. بل هو نتيجة اختلافات سياسية عميقة، وتوازنات قوى داخلية وخارجية معقدة ، ولهذا فإن أي مؤتمر، مهما كان عنوانه جذاباً، لن يكون قادراً على تجاوز هذه التناقضات ما لم تتغير شروطها السياسية أولاً.
ويبلغ الخلط ذروته عندما يقارن الكاتب كثرة القيادات الكردية بقيادات الثورات الكبرى. فالثورة البلشفية، التي ارتبط اسمها ب لينين ، لم تكن عملاً فردياً بل قادها حزب كامل هو الحزب البلشفي. وكذلك الثورة الصينية التي قادها عبر الحزب الشيوعي الصيني، والثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو وتشي غيفارا ضمن حركة منظمة. القاسم المشترك في هذه التجارب لم يكن قلة القادة، بل وجود تنظيم سياسي قوي قادر على توحيد القيادة والبرنامج.
غير أن الإشكالية في هذا الطرح لا تتوقف عند حدود الخلط النظري أو القفز فوق الواقع، بل تمتد أيضاً إلى مفارقة لافتة في تجربة الكاتب السياسية نفسها. فمن أمضى عقوداً طويلة في قيادة حزب سياسي، وخاض باسم الحزب معارك فكرية وتنظيمية حادة، لا يمكنه اليوم أن يعلن ببساطة أن الأحزاب مجرد تعبيرات عابرة لا قيمة لها؟. فالأحزاب، مهما كانت نقاط ضعفها، هي التي شكّلت الإطار الذي نشأت داخله الحركة السياسية الكردية في سوريا، وهي التي حملت القضية الكردية في مراحل طويلة من العمل السري والقمع.
بل إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إذا كانت فكرة «المؤتمر الكردي السوري الجامع » بهذه الأهمية والوضوح كما يطرحها الكاتب، فلماذا بقيت طوال سنوات مجرد دعوة نظرية لم تتقدم خطوة واحدة نحو التنفيذ؟ ولماذا لم تنجح في استقطاب تلك «الكتلة التاريخية» الواسعة التي يفترض وجودها؟
الواقع يشير ببساطة إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب الدعوة إلى المؤتمر، بل في غياب الشروط السياسية والتنظيمية التي تجعل مثل هذا المؤتمر ممكناً.
إن نقد التجربة الحزبية أمر مشروع بل ضروري، لكن البديل لا يكون بإلغاء الأحزاب نظرياً أو القفز فوقها عبر مؤتمر جامع غير واضح المعالم. لأن البدائل السياسية لا تولد من الفراغ، بل تنشأ عبر عمل تنظيمي طويل، وبناء مؤسسات جديدة قادرة على كسب الثقة والشرعية.
وفي النهاية، قد يبدو شعار «المؤتمر الكردي السوري الجامع» جذاباً في الخطاب السياسي، لأنه يوحي بحل سريع لمشكلة الانقسام. غير أن التجربة السياسية الكردية، كما تجارب الشعوب الأخرى، تثبت أن الوحدة لا تُصنع بالبيانات ولا بالشعارات، بل بتوازنات واقعية وبناء تدريجي لمؤسسات قادرة على تمثيل المجتمع. أما القفز فوق الوقائع العنيدة والدعوة إلى مؤتمر شامل يضم الجميع دون شروط سياسية وتنظيمية واضحة، فلن يؤدي في أحسن الأحوال إلا إلى تكرار خيبات سابقة، وفي أسوأ الأحوال إلى إنتاج وهم سياسي جديد يضاف إلى سلسلة الأوهام التي أثقلت كاهل الحركة الكردية السورية طوال عقود.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية
- الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل؟
- جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟
- قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام ٢٠٢£ ...
- في ظل غياب الشفافية بين دمشق و-قسد-: تفاهمات تحت خط النار
- مشعل التمو :الشعلة التي لا تنطفئ؟
- سوريا: بين كسرالنمط الكولونيالي اوإعادة إنتاج التبعية؟
- عن الهوية السورية
- من دهوك ..هل يعيد الكرد في سوريا هندسة مشهدهم السياسي؟
- الكرد كأمة -لا تاريخية-: قراءة فلسفية وتاريخية في الإشكاليات ...
- تحدّيات الخطاب الكردي في سوريا ، بين الشعاراتية والواقعية..؟
- الكرد: إشكاليّة الهويّة والاعتراف في المشرق العربي
- النقد العادل والإصلاح الممكن :دفاع عن العمل السياسي الكردي
- الكونفراس الكردي : بين الوفد المشترك ودور ENKS
- ثمانِ سنوات على الاستفتاء: إرادة شعبية وإصرار على المشروع ال ...
- هل افل نجم المجلس الوطني الكردي؟ قراءة في خطاب التجييش
- الكرد في سوريا بين جغرافيا التاريخ وصراع الديموغرافيا
- اعادة تعريف الدور الكردي في سوريا ما بعد الاسد
- هندسة التموضع الكردي في سوريا الجديدة


المزيد.....




- حالة من الذعر في بيروت مع تهافت السكان على المغادرة بعد أوام ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن استهدافه -مركز قيادة- إيراني في لبنان ...
- تركيا تكشف حقيقة مطالبتها للاستخبارات البريطانية بتعزيز حماي ...
- في اليوم السابع للحرب.. إسرائيل تضرب أكثر من 400 هدف في إيرا ...
- واختار حزب الله المشي على الجمر
- مع تصاعد الحرب.. فرنسا ترسل حاملة مروحيات إلى المتوسط
- قطر تدين هجمات إيران على أراضيها وتصفها بـ-انتهاك صارخ للسيا ...
- خبراء يشككون باستسلام إيران.. لماذا تبدو الحرب الأمريكية بلا ...
- لماذا الولايات المتحدة قلقة من ميزانية الدفاع الصينية الجديد ...
- مسؤول لـCNN: دول خليجية تراجع استثماراتها الخارجية بسبب الحر ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»