عادل محمود
محامِ مصري
(Adel Mahmoud)
الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 09:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في عام 2025، كان متوسط أعمار قادة الدول الأكثر تأثيرا في العالم يتخطى الخامسة والسبعين. "دونالد ترامب" يحكم الولايات المتحدة وهو في التاسعة والسبعين. "علي خامنئي" يقبض على مفاتيح إيران وهو في السادسة والثمانين. "بنيامين نتنياهو" يقود إسرائيل في أكثر حروبها دموية وهو في السادسة والسبعين. "فلاديمير بوتين" يدير حربا طاحنة في أوكرانيا وهو في الثالثة والسبعين. "ناريندرا مودي" يحكم أكثر دول العالم اكتظاظا بالسكان وهو في الخامسة والسبعين. "شي جين بينغ" يتحكم في ثاني أكبر اقتصاد في التاريخ وهو في الثانية والسبعين.
ستة رجال. أكثر من 450 عاما مجتمعة. وبين أيديهم قرارات تمس حياة أكثر من ثلاثة مليارات إنسان
هذه ليست مصادفة إحصائية. هذه ظاهرة تستحق التشريح.
لم يكن هذا هو الوضع الطبيعي دائما. في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وصل إلى السلطة قادة في أعمار مبكرة نسبيا. "جون كينيدي" انتخب رئيسا للولايات المتحدة وهو في الثالثة والأربعين. "شارل ديجول" كان استثناء لا قاعدة. "ماو تسي تونغ" ورفاقه في الحزب الشيوعي الصيني وصلوا إلى الحكم شبابا، ثم تمسكوا به حتى الشيخوخة، وهذا تحديدا هو النمط الذي نرثه اليوم.
الظاهرة الحالية لها جذور بنيوية في ثلاثة مصادر:
أولا : تراكم رأس المال السياسي.
النظام السياسي في معظم الدول يكافئ الأقدمية أكثر مما يكافئ الكفاءة. الشبكات، والعلاقات، والديون السياسية المتراكمة على مدى عقود، هذه هي العملة الحقيقية للوصول إلى السلطة. ولا يمكن تحصيلها في عشر سنوات.
ثانيا : تصميم المؤسسات لصالح الصبر.
الأحزاب السياسية الكبرى، سواء في الديمقراطيات الغربية أو الأنظمة الاستبدادية، تصمَم بطريقة تجعل التقدم داخلها بطيئا وتراتبيا. من يصل إلى القمة هو من صبر وانتظر وناور، وهذا يستغرق عقودا.
ثالثا : إطالة العمر البيولوجي دون إطالة الفاعلية المعرفية.
التقدم الطبي أطال أعمار البشر، لكنه لم يطل بالضرورة فترة الحدة المعرفية الكاملة. إنسان في الثامنة والسبعين قد يكون صحيا جسديا بما يكفي لتولي منصب، لكن القدرة على معالجة معلومات معقدة ومتسارعة تبدأ في التراجع عند معظم البشر قبل ذلك بوقت.
ما الذي يعنيه حقا أن يحكم رجل في الثمانين؟
قبل الإجابة، يجب تجنب سذاجتين متعاكستين. السذاجة الأولى هي افتراض أن الشيخوخة تعني الحكمة تلقائيا. السذاجة الثانية هي افتراض أنها تعني العجز التلقائي. الحقيقة أكثر دقة وأكثر إزعاجا من كليهما.
المشكلة الأولى : الأفق الزمني
عالم اليوم يواجه تحديات بنيوية ذات أفق زمني طويل : تغير المناخ، ديون الحكومات المتفاقمة، شيخوخة المجتمعات. هذه مشكلات تتطلب قرارات تظهر نتائجها بعد عشرين وثلاثين عاما.
قائد في الثمانين، مهما كانت نواياه، يعيش في الغالب في أفق زمني لا يتجاوز عشر سنوات. القرارات التي تكلف سياسيا في الحاضر وتفيد في المستقبل البعيد ستبدو له، بحكم المنطق البشري الطبيعي، أقل جاذبية من القرارات التي تنتج نتائج فورية.
هذا ما يفسر جزئيا لماذا رفض ترامب الانضمام إلى اتفاقية باريس للمناخ في ولايته الأولى، وعاد ليفعل الشئ نفسه في الثانية. ولماذا يميل بوتين إلى سياسات تعظم النفوذ الروسي الآن حتى لو كانت تفقر روسيا على المدى البعيد. المستقبل البعيد ليس مشكلتهم العملية، بالمعنى الحرفي.
المشكلة الثانية : عقلية الحرب الباردة في عالم الذكاء الاصطناعي
كل هؤلاء القادة الستة تشكلت قناعاتهم الجوهرية في حقبة تختلف جذريا عن الحاضر. بوتين ضابط مخابرات سوفيتي سابق، تشكل عالمه في ثمانينيات القرن الماضي. خامنئي صاغت رؤيته للعالم ثورة 1979. نتنياهو يحمل في لاوعيه السياسي ترسبات الصراعات العربية الإسرائيلية في السبعينيات والثمانينيات. ترامب رجل أعمال نيويوركي تدرب على صراعات السوق في حقبة ما قبل الإنترنت.
هؤلاء يواجهون الآن: ذكاء اصطناعيا يعيد تعريف القوة الاقتصادية والعسكرية، وشبكات اجتماعية تغير كيفية تشكل الرأي العام، وجيلا من الشباب لديه قيم مختلفة جذريا حول العمل والهوية والحرية.
الفجوة بين الأدوات المتاحة والخرائط الذهنية التي يستخدمها هؤلاء لقراءتها هي فجوة مقلقة. لم تعد الإشكالية أن يكون القائد مخطئا بسبب جهل بسيط يمكن إصلاحه. الإشكالية أعمق: أن الإطار المرجعي الكامل الذي يستخدمه لقراءة الواقع قديما جدا.
المشكلة الثالثة : التحيز نحو الحفاظ على السلطة
الدراسات النفسية السياسية تشير إلى أن القادة الذين قضوا عقودا طويلة في السلطة يطورون بمرور الوقت ميلا متصاعدا نحو تركيز القرار وتقليل دوائر المشاورة. هذا النمط واضح في جميع الأمثلة الستة.
شي جين بينغ أزال حدود الولايتين من الدستور عام 2018، مما يعني رسميا أنه يمكن أن يحكم مدى الحياة. بوتين قضى على المعارضة السياسية بصورة منهجية على مدى ربع قرن. خامنئي يمتلك صلاحيات دستورية تجعله فعليا خارج أي محاسبة مؤسسية. نتنياهو يواجه اتهامات فساد لكنه أدار التحالفات السياسية بطريقة أبقته في السلطة رغم الاتهامات. ترامب أسفرت ولايته الأولى عن محاولة إثبات أن نتائج الانتخابات يمكن الطعن فيها. مودي وسع صلاحيات الحكومة المركزية على حساب الولايات والمؤسسات المستقلة.
هذا نمط مشترك: الإحجام المتصاعد عن الفصل الحقيقي للسلطات.
في هذا السياق يمكن ذكر أمثلة محددة
مثال أول: أوكرانيا وعقلية الإمبراطوريات.
قرار بوتين غزو أوكرانيا في فبراير 2022 لا يمكن فهمه إلا من خلال رؤية عالم تعود إلى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين: حدود طبيعية، ومناطق نفوذ، وشعوب "تاريخية" لها حق السيادة على شعوب أخرى. الخرائط الذهنية التي يستخدمها بوتين لقراءة العلاقة بين روسيا وأوكرانيا تستند إلى أطروحات كتبها في خضم الكوفيد تتحدث عن "وحدة الشعب الروسي والأوكراني". هذه قراءة تاريخية مثيرة للجدل، لكنها خاطئة من زاوية أدق: إنها تتجاهل أن الهويات القومية ليست ثابتة، وأن أوكرانيا عام 2022 تختلف جوهريا عن أوكرانيا عام 1954 أو 1914.
النتيجة: أكثر من مليون قتيل وجريح من الجانبين، واقتصاد روسي يتآكل تحت العقوبات، ودفع الدول الأوروبية إلى إعادة تسليح لم يحدث منذ الحرب الباردة.
مثال ثان: ترامب والاقتصاد الصناعي الذي لم يعد موجودا
وعود ترامب باسترداد الوظائف الصناعية للأمريكيين تستند إلى فهم لاقتصاد سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. الواقع أن معظم الوظائف الصناعية التي خسرتها الولايات المتحدة لم تذهب إلى الصين، بل ابتلعها التطور التكنولوجي والأتمتة. فرض رسوم جمركية على الصين لن يعيد مصانع الصلب إلى بيتسبرغ، لأن تلك المصانع لو عادت ستعمل بعمال آليين. لكن الخطاب يقنع لأنه يخاطب ذاكرة جمعية حقيقية عند جيل من الأمريكيين يتذكرون تلك الوظائف.
مثال ثالث: خامنئي والإنترنت
إيران الشابة، حيث يبلغ أكثر من 60% من السكان ما دون الثلاثين، تعيش حياتها الحقيقية على منصات يحظرها المرشد الأعلى. الحل الرسمي: تقنية VPN. 40 مليون إيراني يستخدمون برامج تجاوز الرقابة بصورة شبه يومية. وهذا يعني ببساطة أن المنظومة الثقافية والقيمية التي يحاول خامنئي فرضها قد أصبحت، في الممارسة اليومية، منزوعة الأثر بالنسبة لغالبية السكان. الرجل يحكم بلدا يشكله في عالم مواز لم يره ولا يريد أن يراه.
الأثر الأكثر خطورة لهذه الظاهرة ليس على مستوى القرارات المنفردة، بل على مستوى إقصاء جيل كامل من المشاركة السياسية الفعلية.
في الولايات المتحدة، متوسط أعمار أعضاء الكونغرس يتجاوز الثامنة والخمسين. في اليابان 65 عاما. نسبة من هم دون الأربعين في البرلمانات الكبرى في العالم لا تتجاوز 5% في الغالب. هذا يعني أن الجيل الذي سيعيش نتائج القرارات المتخذة اليوم لمدة 40 أو 50 عاما ممثل تمثيلا هزيلا في صنع تلك القرارات.
التغير المناخي مثال صارخ. القرارات المتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية أو تمويل الطاقة النظيفة أو فرض ضرائب الكربون تتخذ اليوم من رجال ونساء تجاوزوا السبعين، لن يروا النتائج الكارثية لعدم الفعل. ومن سيدفع الثمن هم من ولدوا بعد عام 2000، غائبون تقريبا عن مراكز القرار الكبرى.
في العالم العربي الديمقراطي النسبي، المعادلة أقسى. الشباب العربي الذي قاد انتفاضات 2011 لم يصل إلى السلطة في معظم الحالات. ما حصل هو إما ثورة مضادة أعادت الجيل القديم نفسه أو جيلا مشابها، أو فوضى أبطأت عجلة التحول كليا.
الخطأ الشائع في هذا النقاش هو تحويله إلى حكم شخصي على أفراد. هذا مسار محدود ومضلل.
المشكلة الحقيقية بنيوية: أنظمتنا السياسية تنتج هذه النتيجة بشكل منهجي لأنها مصممة على افتراضات القرن العشرين.
البنية الأولى: غياب آليات إنهاء الولاية الفعالة. في معظم الأنظمة السياسية، إقالة قائد راسخ تتطلب كارثة واضحة للعيان. لا يكفي الأداء المتوسط أو حتى الردئ لتفعيل آليات المحاسبة. هذا يعني أن القادة يبقون أطول مما ينبغي بحكم القصور المؤسسي.
البنية الثانية: ندرة قنوات الصعود السريع للكفاءات الشابة. المسارات المؤدية إلى السلطة العليا في معظم الدول تستغرق ثلاثة عقود على الأقل. هذا التصميم يصفي القادة الشباب بالمطاولة، ويبقي في السباق فقط من يملك الصبر الكافي، وهو عادة من بدأ مبكرا ويكون في الستين حين يصل.
البنية الثالثة: غياب متطلبات الكفاءة الرقمية والتكنولوجية. لا يوجد في أي دستور عالمي شرط يقضي بأن يفهم رئيس الدولة الذكاء الاصطناعي أو أمن المعلومات أو التحولات الاقتصادية الرقمية. هذا لم يكن مهمًا في 1950. اليوم هو ثغرة هيكلية.
البنية الرابعة: آليات الديمقراطية التمثيلية مصممة لتعكس تركيبة الناخبين الحاليين، لا مصالح الأجيال القادمة. الناخبون الأكبر سنا أكثر انتظاما في التصويت في معظم الديمقراطيات الغربية. هذا يعطيهم ثقلا انتخابيا يفوق ثقلهم الديموغرافي، ويدفع السياسيين إلى تبني أجندات ترضيهم.
في الولايات المتحدة مثلًا، نسبة التصويت عند من فوق السبعين تقترب من 70%، بينما لا تتجاوز 50% عند من دون الثلاثين. القادة السياسيون الذين يريدون الفوز في الانتخابات يستجيبون لهذه الحسابات بعقلانية بحتة.
ثمة بعد لا يكتب عنه كثيرا: أن الشيخوخة السياسية ليست فقط نتيجة بنيوية، بل أصبحت في بعض السياقات خطابا مقصودا.
ترامب يقدم شيخوخته ضمنيا على أنها "تجربة" في مواجهة "من لا يعرفون". خامنئي يستمد شرعيته الدينية والسياسية جزئيا من كونه شاهدا على الثورة وما قبلها. بوتين يصور نفسه حارسا للهوية الروسية التاريخية التي لا يفهمها من نشأ في زمن مختلف.
الشيخوخة تسوق كضمانة ضد الطيش، كحصن من الأخطاء التي يرتكبها الشباب غير المختبر. وهذا السرد يجد صدى حقيقيا في مجتمعات تعاني قلقا وعدم استقرار. الحنين إلى عالم أبسط ومفهوم أكثر ظاهرة نفسية واجتماعية موثقة، وهؤلاء القادة يجسدون ذلك الحنين بأشكالهم ومرجعياتهم وطريقة خطابهم.
لكن هذا يجعل الإشكالية أعمق: حين يستجيب الناخبون لشيخوخة قادتهم بوصفها مصدر طمأنينة، يصبح النقد البنيوي أكثر صعوبة لأنه يصطدم بحاجة نفسية حقيقية، وليس فقط بعطل سياسي قابل للإصلاح.
السؤال الحقيقي الذي تفرضه هذه الظاهرة ليس "هل هؤلاء القادة أكفاء؟" بعضهم أكفاء بالفعل في فهم ألعاب القوى القديمة. والسؤال ليس "هل الشيخوخة عيب؟" فهي مرحلة إنسانية طبيعية.
السؤال هو: هل أنظمتنا السياسية قادرة على إنتاج قادة تكون أعمارهم ومرجعياتهم المعرفية متوافقة مع التحديات التي يفترض أن يواجهوها؟
والجواب الراهن، بالنظر إلى الواقع، هو: لا.
هذا لا يعني أن كل شاب يصلح للحكم، ولا أن كل شيخ فاشل فيه. يعني أن المعادلة الحالية ترجح بشكل ممنهج كفة نوع معين من التجربة "الأقدمية السياسية" على حساب نوع آخر من التجربة "الإدراك الحي للعالم الذي يتشكّل" وهذا الترجيح لم يعد محايدا في عالم يتغير بهذه السرعة.
العالم الذي ورثه هؤلاء الستة كان يسير بسرعة معقولة تسمح لرجل في السبعين أن يفهمه. العالم الذي يحكمونه اليوم يسير بسرعة لا تنتظر أحدا. وهذا الفارق هو جوهر المشكلة، لا العمر بذاته.
ما يحتاجه العالم ليس قادة أصغر سنا بالضرورة. يحتاج أنظمة أذكى تدار بها السلطة: أنظمة تقصر الولايات، وتحدد الصلاحيات، وتمثل الأجيال القادمة في القرار، وتفرض معايير كفاءة تواكب التحولات الجوهرية في بنية العالم.
حتى ذلك الحين، سيبقى الأمر كما هو: ثلاثة مليارات إنسان يعيشون في مستقبل يقرره رجال أكثرهم لن يعيش فيه.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟