أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل محمود - عيد الحب … صناعة العواطف في زمن الرأسمالية















المزيد.....

عيد الحب … صناعة العواطف في زمن الرأسمالية


عادل محمود
محامِ مصري

(Adel Mahmoud)


الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 18:43
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في الرابع عشر من فبراير من كل عام، تتحول الشوارع إلى معارض مفتوحة للقلوب الحمراء، والدببة القطنية، والورود المغلفة بالسيلوفان. يتدفق الناس إلى المحلات التجارية بحثا عن هدايا تثبت مشاعرهم. هذا الطقس السنوي، الذي يبدو عفويا وطبيعيا، ليس سوى نتاج بنية اقتصادية وثقافية محكمة نجحت في تحويل أكثر المشاعر الإنسانية خصوصية إلى سلعة قابلة للتسويق.
لم يعد عيد الحب مجرد مناسبة رومانسية، بل أصبح احتفالا بقدرة السوق على اختراق أعمق مناطق الذات الإنسانية. حيث تتحول العلاقات العاطفية إلى حقل تجارب لاستراتيجيات التسويق، ويغدو التعبير عن المشاعر مشروطا بالقدرة على الاستهلاك. يسعى هذا المقال إلى تفكيك البنية التاريخية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الظاهرة، وطرح أسئلة مباشرة حول علاقة الرأسمالية بالعواطف، ودور الثقافة الاستهلاكية في إعادة تشكيل مفهوم الحب ذاته.
تربط الرواية الشائعة عيد الحب بالقديس فالنتين، الكاهن الروماني الذي أُعدم في القرن الثالث الميلادي لرفضه الامتثال لأوامر الإمبراطور كلوديوس الثاني، التي منعت زواج الجنود الشباب. وتقول الأسطورة إن فالنتين كان يزوّج العشاق سرا، وقبل إعدامه أرسل رسالة إلى ابنة السجان وقعها بـ"من المحب فالنتين". غير أن هذه القصة، على شحنتها الرومانسية، تفتقر إلى أدلة تاريخية قوية، وتبدو أقرب إلى تراكم أسطوري منها إلى حقيقة موثقة.
عمليا حاولت الكنيسة في العصور الوسطى استيعاب احتفالات وثنية رومانية أقدم، مثل "لوبركيليا"، التي كانت تقام في منتصف فبراير وتتضمن طقوسا عن الخصوبة والممارسات الجنسية. ومن خلال "تنصير" هذه الاحتفالات وربطها بالشهيد المسيحي، أمكن السيطرة على الممارسات الشعبية التي كان من الصعب قمعها.
التحول الحاسم جاء في القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية، التي غيرت أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية. في بريطانيا والولايات المتحدة، ظهرت صناعة البطاقات المطبوعة، وكانت بطاقات عيد الحب من أوائل المنتجات التي استفادت من الطباعة الجماعية. لعبت شركة "هولمارك"، التي تأسست عام 1910، دورا محوريا في تحويل المناسبة إلى حدث تجاري واسع، عبر حملات إعلانية ربطت بين التعبير عن الحب وشراء البطاقات، مستخدمة شعارات مثل: "عندما تهتم بما يكفي لإرسال الأفضل".
في النصف الثاني من القرن العشرين، توسعت الصناعة لتشمل الشوكولاتة والورود والمجوهرات والعشاء في المطاعم الفاخرة. واليوم تقدر قيمة الإنفاق على عيد الحب في الولايات المتحدة وحدها بأكثر من 25 مليار دولار سنويا، وفقا لتقديرات الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة لعام 2024. هذا الرقم يعد دليلا على نجاح الرأسمالية في تحويل يوم عادي إلى موسم استهلاكي كامل.
لا تكتفي الرأسمالية بإنتاج السلع المادية، بل تنتج أيضا المعاني والرموز والعواطف. ويعد عيد الحب مثالا واضحا على ما تصفه عالمة الاجتماع إيفا إيلوز بـ"الرأسمالية العاطفية"، أي إدماج المشاعر في المنطق الاقتصادي للسوق. في كتابها "لماذا يؤلم الحب؟" (2012)، توضح إيلوز كيف أصبحت المشاعر الحميمية خاضعة لآليات العرض والطلب والتسعير نفسها التي تحكم السلع التقليدية.
الهدية هنا ليست مجرد تعبير عن المودة، بل رسالة اجتماعية مشفرة. حجمها وسعرها يقرآن كمؤشر على عمق المشاعر وجدية العلاقة. الوردة الواحدة تختلف دلاليا عن باقة من مئة وردة، لا بسبب معنى جوهري في الورود ذاتها، بل لأن السوق نجح في ربط القيمة العاطفية بالقيمة النقدية.
هذا الربط يولد ضغطا نفسيا واجتماعيا واسعا. من لا يستطيع تحمل كلفة الاحتفال "المناسب" يشعر بالفشل، لا في علاقته فقط، بل في قدرته على أداء دور العاشق كما تحدده المعايير الاستهلاكية. وهكذا يصبح الفقر العاطفي مرتبطا بالفقر المادي، وتشترط القدرة على الحب بالقدرة على الشراء.
يعمل عيد الحب كأداة أيديولوجية تعزز النموذج الرأسمالي للعلاقات الإنسانية. فهو يروج لفكرة أن الحب لا يكتمل إلا عبر الاستهلاك، وأن العلاقة الناجحة هي تلك التي تشبه إعلانات المجوهرات: براقة، مثالية، خالية من المشاكل اليومية. بهذا المعنى، يخفى واقع العلاقات الحقيقية، التي تبنى على التواصل والدعم والاحترام، لا على الهدايا الباهظة.
تستثمر الشركات ملايين الدولارات في حملات إعلانية تستهدف المشاعر مباشرة. إعلانات تصور السعادة بوصفها نتيجة فورية لتأثير الشيكولاته، وإعلانات المجوهرات تربط الألماس بالالتزام الأبدي. هذه الرسائل ليست بريئة، بل استراتيجيات مدروسة لخلق ارتباط شرطي بين السلعة والعاطفة.
بلغ هذا المنطق حدا جعل غياب الهدية في عيد الحب يقرأ بوصفه إهمالا عاطفيا، حتى في العلاقات المستقرة. يوم واحد يصبح مقياسا لعلاقة كاملة، وهدية واحدة تتحول إلى شهادة على صدق المشاعر أو زيفها.
يحمل عيد الحب تصورات جندرية نمطية واضحة. يتوقع من الرجل أن يكون المبادر والمنفق، ومن المرأة أن تكون المتلقية الممتنة للرومانسية المصطنعة. هذا التقسيم يعيد إنتاج بنية سلطة قديمة، حيث ينظر إلى الرجل بوصفه الفاعل الاقتصادي، والمرأة بوصفها الكائن العاطفي الذي يجب إرضاؤه.
تكشف الإحصاءات هذا الخلل بوضوح: في الولايات المتحدة، ينفق الرجال ضعف ما تنفقه النساء على هدايا عيد الحب، وفقا لبيانات الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة. هذا الفارق ليس نتاج اختيار فردي، بل نتيجة ضغط اجتماعي منظم يربط الرجولة بالإنفاق.
في المجتمعات العربية، يضاف بعد آخر يتعلق بالظهور الاجتماعي. الشاب الذي لا يحتفل قد يوصم بالبخل، والفتاة التي لا تتلقى هدية قد تشعر بالحرج أمام محيطها. ومع وسائل التواصل الاجتماعي، تحول الاحتفال إلى عرض عام: صور الهدايا، وباقات الورود، والعشاء الرومانسي، بوصفها أدلة على علاقة "ناجحة".
شهد عيد الحب في مصر توسعا ملحوظا خلال العقدين الأخيرين. بعد أن كان محصورا في الطبقات العليا بالقاهرة والإسكندرية، انتقل إلى المدن الصغيرة والأحياء الشعبية. ورغم دعوات سلفية لمقاطعته، خصوصا بعد 2011، نجح السوق في تجاوز الصراع عبر إعادة تأطير المناسبة بوصفها "تعزيزا للحب بين الأزواج"، مع تجنب الأشياء المثيرة للجدل.
في السعودية كان الاحتفال محظورا رسميا لعقود. لكن مع رؤية 2030، تغيّرت السياسات الاجتماعية جذريا. منذ 2019، ظهرت احتفالات علنية، وعروض تجارية خاصة. لم يكن التحول ثقافيا بقدر ما كان اقتصاديا: تنشيط الاستهلاك وتنويع مصادر الدخل. ما حرم باسم الدين، شجع باسم الاقتصاد.
يقدم لبنان نموذجا مختلفا. فالأزمة الاقتصادية منذ 2019 كشفت هشاشة الاحتفال. مع انهيار الليرة، باتت الورود والهدايا خارج متناول كثيرين، وظهرت مبادرات بديلة أقل كلفة. هذه المحاولات، رغم محدوديتها، طرحت سؤالا جوهريا: هل يمكن الاحتفال بالحب خارج منطق السوق؟
عيد الحب ليس مجرد مناسبة عاطفية، بل عرض مكثف لكيفية عمل الرأسمالية.ويكشف قدرتها على اختراق العلاقات الحميمية، وتسليع المشاعر، وإعادة تعريف القيمة العاطفية بلغة السوق. الاحتفال به فعل اقتصادي وسياسي، حتى حين يبدو شخصيا وبريئا.
السؤال الحقيقي ليس: هل نحتفل أم نقاطع؟
بل: أي حب نريد؟ حب يقاس بثمن الهدية، أم علاقة تبنى على المعنى والدعم والاعتراف الإنساني المتبادل؟
هذا السؤال، في النهاية، ليس فرديا فقط، بل جماعي وسياسي، ويظل عيد الحب مرآة كاشفة لمجتمعات تبحث عن الحميمية في زمن يسلع كل شئ، حتى القلب.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حريق القاهرة .. اليوم الذي سقطت فيه شرعية الدولة قبل أن يسقط ...
- عبد الناصر .. الزمن الذي لم نولد فيه، واليد التي ما زالت تقل ...
- مراد وهبة .. بين الإستنارة والتناقض السياسي
- اقتصاد الامل .. كيف يباع المستقبل حين يضيق الحاضر؟
- إقتصاد البقاء .. حين كانت الحضارة تعني الخلود
- ديسمبر : شهر البدايات والنهايات .. الأسطورة التي تعيد نبض ال ...
- محمد صبحي، عمرو أديب، وأم كلثوم .. في زمن الترفيه الموجه
- فصل الشتاء .. حين يقول الجسد ما تخفيه السياسة
- دراما رمضان … محظورات تكتب السيناريو قبل المبدعين
- فيلم -الست- … علي صفيح ساخن
- جورجيا ميلوني .. امرأة هزت عرش أوروبا
- -مستقبل الثقافة في مصر- ..بين أسطورة التنوير وأزمة النهضة ال ...
- متى تشعر الأنظمة الديكتاتورية بالقلق؟ .. الصراع الداخلي على ...
- التأشيرة والثورة .. جوستافو بيترو يهز عرش الإمبراطورية
- -ورقة جمعية- ...الأمهات اللواتي يصنعن العالم ثم يغيبن في صمت
- -ولاد الشمس- ... محمود حميدة وموسيقى الشر السيمفوني
- -قهوة المحطة- .. تراجيديا معاصرة في فضاء القهوة المظلم
- -6 أيام- .. سينما العاشق المتأخر
- عروستي .. حين يتوه الإبداع في متاهات الترفيه السهل
- فوز ممداني .. انعطافة سياسية في عاصمة المال الأمريكي


المزيد.....




- مسؤول أمريكي لـCNN: مسيّرات لكارتل مخدرات مكسيكي اخترقت أجوا ...
- العراق يعرب عن تحفظه على تصريحات منسوبة لوزير الخارجية الترك ...
- مسؤول أمريكي: نتنياهو يصل إلى البيت الأبيض للقاء ترامب
- السلطات الأمريكية تواصل تحقيقاتها لكشف لغز -اختطاف- نانسي غو ...
- إسرائيل تشحذ درعها ضد الباليستي الإيراني.. -مقلاع داود- تحت ...
- 60 ألف بندقية ونصف شبكة أنفاق.. كيف ستتعامل الخطة الأميركية ...
- جمال كريمي بنشقرون عضو المكتب السياسي يكشف عيوب مشروع قانون ...
- ترامب يستقبل نتانياهو وسط ضغوط لتشديد الموقف الأمريكي تجاه إ ...
- عباس يدعو واشنطن لاتخاذ -موقف حازم- من الإجراءات الإسرائيلية ...
- استئناف الحركة الجوية غربي تكساس بعد قرار إغلاق -لأسباب أمني ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل محمود - عيد الحب … صناعة العواطف في زمن الرأسمالية