أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل محمود - مراد وهبة .. بين الإستنارة والتناقض السياسي















المزيد.....

مراد وهبة .. بين الإستنارة والتناقض السياسي


عادل محمود
محامِ مصري

(Adel Mahmoud)


الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 21:42
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في السابع من يناير 2026، رحل الفيلسوف المصري مراد وهبة عن عمر يناهز المئة عام، تاركا إرثا فكريا يستعصي على التصنيف السهل. ألف عشرات الكتب عن العقلانية والتنوير، وترك أيضا بصمة مثيرة للجدل في المشهد السياسي المصري، من خلال موقفه الصريح من التطبيع مع إسرائيل ودفاعه المستمر عن الصهيونية بوصفها حركة فكرية. هذا التناقض الظاهر بين الإلتزام بالعقلانية الفلسفية والانحياز السياسي المثير للجدل يطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن لعقل فلسفي نقدي أن يتخذ موقفا سياسيا مرفوضا من قبل جماهير غفيرة، من دون أن يقع في تناقض مع جوهره؟

ولد مراد وهبة عام 1926 في مصر، وحصل على الليسانس في الفلسفة من جامعة فؤاد الأول عام 1947، ثم على الدكتوراه من جامعة الإسكندرية عام 1959. بدأ حياته الفكرية متأثرا بالمد القومي الناصري، لكنه تحول تدريجيا نحو الليبرالية والعلمانية الصريحة. كان هذا التحول فلسفيا وسياسيا بامتياز، إذ جمع بين نقد التطرف الديني وتأييد الانفتاح على الغرب، دون أن يغفل التأثير العميق للسياق السياسي المصري على مساره الفكري.

في الثمانينيات والتسعينيات، أصبح الرجل واحدا من أبرز المدافعين عن اتفاقية كامب ديفيد التي وقعتها مصر مع إسرائيل عام 1978. لم يكتف بالدفاع عن السلام كضرورة سياسية، بل ذهب أبعد من ذلك: دافع عن الصهيونية بوصفها حركة تحررية، و وصف معارضيها بـ"المتطرفين"، معتبرا أن معاداة الصهيونية هي شكل من أشكال معاداة السامية. هذا الموقف ظل ثابتا على مدى عقود، مما أثار جدلا واسعا بين المثقفين المصريين والعرب.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف يتسق هذا الموقف مع مشروع فلسفي يدعي العقلانية والتنوير؟ الإجابة تكمن في فهم طبيعة "التنوير" الذي دعا إليه مراد وهبة. لم يكن تنويرا شاملا يقوم على العدالة والمساواة، بل كان انتقائيا مرتبطا بأجندة سياسية محددة. اختار الرجل أن ينتقد الإسلام السياسي والتطرف الديني - وهو نقد مشروع - لكنه في الوقت نفسه تجاهل التطرف الصهيوني والممارسات الاستعمارية الإسرائيلية. هذا الانتقاء يكشف عن بنية فكرية غير متسقة: تنوير يستخدم كأداة سياسية لا كمنهج شامل.

في كتابه "ملاك الحقيقة المطلقة" (1998)، هاجم الرجل التطرف الديني الإسلامي بشراسة، واعتبر أن الأصولية الإسلامية تهديد وجودي للعقل، لكنه لم يوجه النقد نفسه للأصولية اليهودية أو المسيحية، ولم يتناول بنفس العمق الممارسات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة منذ 1948، والضفة الغربية وغزة منذ 1967. هذا الصمت الانتقائي هو خيار واع يعكس موقفا سياسيا واضحا: تبرير الصهيونية حتى لو تناقض ذلك مع المبادئ الفلسفية المعلنة.

المفارقة الكبرى في مسيرته هي أن الرجل أمضى حياته في الدفاع عن العقل والنقد الفلسفي، وانتهى به الحال مدافعا عن حركة سياسية قامت على الاحتلال والاستيطان. الصهيونية بحسب المؤرخين الإسرائيليين الجدد مثل إيلان بابه وآفي شلايم، ليست مجرد حركة تحرر قومي، بل مشروع استعماري استيطاني أدى إلى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني عام 1948 فيما يعرف عربياً بـ"النكبة". كيف يمكن لفيلسوف يدعو إلى العقلانية أن يتجاهل هذه الحقائق الموثقة؟

الجواب يكمن في فهم العلاقة بين الفكر والسلطة. مراد وهبة لم يكن فيلسوفا معزولا في برج عاجي، بل مثقفا عضويا (بالمعنى الجرامشي) لنظام سياسي مصري اختار التحالف مع إسرائيل والغرب. هذا الدور لم يكن مجانيا: حصل على دعم مؤسسي ومالي من جهات غربية، وأصبح صوتا معتمدا في الإعلام الرسمي. هذا الموقع الاجتماعي أثر على إنتاجه الفكري بطريقة لا يمكن تجاهلها.

موقف الرجل لم يكن معزولا عن السياق المصري والعربي. بعد توقيع كامب ديفيد عام 1978، انقسم المثقفون المصريون بين مؤيد ومعارض، وكان الموقف الرسمي للدولة داعما للتطبيع، مما خلق مناخا سياسيا يكافئ المؤيدين ويعاقب المعارضين. الرجل اختار الانحياز للموقف الرسمي، وهو خيار سياسي صريح، بينما رفض مثقفون آخرون مثل محمد حسنين هيكل وجمال حمدان وإدوارد سعيد التطبيع، معتبرين أن الصهيونية مشروع استعماري يتناقض مع قيم العدالة والحرية.

على الصعيد العالمي، منذ العام 2000، بدأت موجة جديدة من النقد الأكاديمي للصهيونية في الغرب نفسه. مفكرون يهود مثل نعوم تشومسكي ونورمان فينكلشتاين وجوديث بتلر انتقدوا إسرائيل بشدة، معتبرين أن سياساتها تمثل شكلا من أشكال الفصل العنصري (Apartheid). منظمات حقوقية دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" أصدرت تقارير في 2021 و2022 تتهم إسرائيل بممارسة الفصل العنصري ضد الفلسطينيين. في هذا السياق، يبدو موقف الرجل متخلفا حتى عن معايير الليبرالية الغربية التي يدعي الانتماء إليها.

لفهم خطاب الرجل، يجب تفكيك بنيته الداخلية. استخدم مفاهيم فلسفية مثل "العقلانية"، و"التنوير"، و"الحداثة" كأدوات أيديولوجية لا كمناهج نقدية. في خطابه العقلانية تعني رفض الإسلام السياسي والقبول بالهيمنة الغربية، والتنوير يعني التطبيع مع إسرائيل والتخلي عن القضية الفلسطينية، والحداثة تعني الانخراط في النظام الرأسمالي العالمي دون نقد اختلالاته. هذا الاستخدام الأيديولوجي للفلسفة ليس جديدا، المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978) كشف كيف استخدم الخطاب الأكاديمي الغربي لتبرير الاستعمار. مراد وهبة بطريقة مشابهة استخدم الفلسفة لتبرير التطبيع والصهيونية، بينما كان سعيد يكشف الاستعمار ويفضحه.

الإشكالية الأعمق هي أن موقفه أسهم في تفريغ الفلسفة من محتواها النقدي. الفلسفة منذ سقراط هي أداة لمحاسبة السلطة وفضح الظلم، لكن الرجل حولها إلى أداة لتبرير السلطة والتعايش مع الظلم. هذا الانحراف عن الوظيفة النقدية للفلسفة يمثل الخطيئة الفكرية الكبرى في مسيرته.

ارتبط اسمه منذ 1995 وحتى نحو 2015 بموقف معلن لدعم التطبيع الثقافي مع إسرائيل، وأكد في حوارات صحفية وتلفزيونية متعددة أن التطبيع أصبح "حقيقة تاريخية" بعد اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، وأن رفضه يعني العودة إلى ما قبل كامب ديفيد. أقر خلال هذه الفترة بزيارته القدس في التسعينيات ولقائه مسؤولين إسرائيليين، ودافع عن هذه الخيارات بوصفها جزءا من رؤيته التنويرية للعالم.

خلال حرب لبنان في يوليو 2006، التي قتل فيها أكثر من ألف مدني لبناني وفق تقارير الأمم المتحدة، تبنى وهبة خطابا يركز على "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، من دون إدانة واضحة للانتهاكات الإسرائيلية بحق المدنيين، مما أثار انتقادات واسعة في الأوساط الثقافية العربية. أما أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في يوليو-أغسطس 2014، والذي أسفر عن مقتل أكثر من ألفي فلسطيني وفق بيانات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، فلم يسجل له موقف علني واضح يدين المجازر أو يتضامن مع الضحايا، وهو صمت لافت في ضوء حضوره الإعلامي المتكرر في قضايا فكرية وسياسية أخرى.

هذا التراكم من المواقف المعلنة والصمت الموثق لا يقدم حكما أخلاقيا جاهزا، بل معطى نقديا يكشف عن مفارقة بين خطاب يرفع حقوق الإنسان كقيمة كونية، وممارسة انتقائية تتراجع فيها هذه القيمة حين تتقاطع مع خيار سياسي مسبق. وفي هذه المفارقة، تظهر حدود التنوير حين يفصل عن حساسيته الأخلاقية تجاه الدم، أياً كان صاحبه.

ترك مراد وهبة إرثا مزدوجا: فيلسوفا أسهم في تأسيس الحركة الفلسفية المصرية الحديثة ودافع عن العقلانية في مواجهة التطرف الديني، لكنه أيضا مثقفا دافع عن الصهيونية وبرر الاستعمار الاستيطاني. هذا التناقض يعكس أزمة المثقف العربي الذي ينحاز للسلطة على حساب الشعب، وللغرب على حساب القضايا العادلة.

رحيله يدعونا إلى إعادة النظر في معنى الفلسفة والاستنارة. التنوير الحقيقي لا يمكن أن يتعايش مع الظلم، والعقلانية الحقيقية لا يمكن أن تبرر الاستعمار. الفيلسوف الحقيقي هو من يقف مع المظلومين، لا مع الظالمين. الرجل اختار طريقا آخر، وهذا الاختيار سيبقى وصمة في تاريخه الفكري، مهما بلغت إنجازاته الفلسفية الأخرى. السؤال الذي يبقى معلقا: هل يمكن للفلسفة أن تكون نقدية وتواطئية في الوقت ذاته؟ مسيرة مراد وهبة تجيب بنعم، وهذه هي المأساة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقتصاد الامل .. كيف يباع المستقبل حين يضيق الحاضر؟
- إقتصاد البقاء .. حين كانت الحضارة تعني الخلود
- ديسمبر : شهر البدايات والنهايات .. الأسطورة التي تعيد نبض ال ...
- محمد صبحي، عمرو أديب، وأم كلثوم .. في زمن الترفيه الموجه
- فصل الشتاء .. حين يقول الجسد ما تخفيه السياسة
- دراما رمضان … محظورات تكتب السيناريو قبل المبدعين
- فيلم -الست- … علي صفيح ساخن
- جورجيا ميلوني .. امرأة هزت عرش أوروبا
- -مستقبل الثقافة في مصر- ..بين أسطورة التنوير وأزمة النهضة ال ...
- متى تشعر الأنظمة الديكتاتورية بالقلق؟ .. الصراع الداخلي على ...
- التأشيرة والثورة .. جوستافو بيترو يهز عرش الإمبراطورية
- -ورقة جمعية- ...الأمهات اللواتي يصنعن العالم ثم يغيبن في صمت
- -ولاد الشمس- ... محمود حميدة وموسيقى الشر السيمفوني
- -قهوة المحطة- .. تراجيديا معاصرة في فضاء القهوة المظلم
- -6 أيام- .. سينما العاشق المتأخر
- عروستي .. حين يتوه الإبداع في متاهات الترفيه السهل
- فوز ممداني .. انعطافة سياسية في عاصمة المال الأمريكي
- مؤتمرا شرم الشيخ : سلام حقيقي أم حلقة مفرغة ؟ قراءة في استمر ...
- ن أجل زيكو : حين يضحكك الفقر وتخفى الحقيقة
- الأسرة في مرآة الشاشة ... من حلم جماعي إلى عزلة وجودية ، قرا ...


المزيد.....




- شاهد.. محتج ينزع العلم الإيراني ويرفع علم ما قبل الثورة بمبن ...
- هذه تفاصيلها.. ترامب يصدر أمرا لإعداد خطة -غزو غرينلاند-
- -كنت أظنّ أنني الأم الوحيدة التي تبحث عن صغيرها، حتى أدركتُ ...
- مع سعي ترامب لاستثمارات بـ 100 مليار دولار، رئيس -إكسون- يصف ...
- ترامب: -إيران تتطلع للحرية... نحن متأهبون للمساعدة-
- بنغلاديش تسعى للانضمام إلى القوة الدولية المقترح نشرها في غز ...
- نيويورك تايمز: لهذا التزم بوتين الصمت عندما تحداه ترامب بالت ...
- خروج آخر مقاتلي قسد من حلب وعبدي يتحدث عن وساطة دولية
- تقرير: هكذا ستضرب أميركا إيران -إذا لزم الأمر-
- إدارة جائزة نوبل ترد بعد اقتراح الفائزة بمنحها إلى ترامب


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عادل محمود - مراد وهبة .. بين الإستنارة والتناقض السياسي