|
|
حريق القاهرة .. اليوم الذي سقطت فيه شرعية الدولة قبل أن يسقط الملك
عادل محمود
محامِ مصري
(Adel Mahmoud)
الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 00:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في السادس والعشرين من يناير عام 1952، استيقظت القاهرة وهي تحترق. لم يكن حريقا عاديا يلتهم بناية أو حيا، بل كان احتراقا ممنهج لقلب المدينة التجاري والثقافي. اشتعلت دور السينما والفنادق الفخمة والمقاهي والمتاجر والبنوك، في مشهد بدا كأنه إعلان نهاية لحقبة كاملة. سقطت واجهات المباني الأوروبية الطراز، وتحولت شوارع وسط البلد إلى ركام أسود، بينما وقفت السلطة متفرجة في صمت مريب. كان الحريق فعلا سياسيا بامتياز، رسالة عنف غامضة، لكن النتائج واضحة، ولحظة فاصلة كشفت أن النظام الملكي لم يعد يملك القدرة على حماية العاصمة، ولا حتى على فهم ما يجري في شوارعها.
هذا الحدث ليس مجرد ذكرى تاريخية نستعيدها بحنين أو حسرة، بل هو نموذج حي لكيفية تحول الغضب الشعبي المشروع إلى فوضى قابلة للتوجيه، وكيفية استخدام العنف كأداة سياسية من جميع الأطراف. إنه درس في كيفية انهيار الدولة عندما تفقد احتكارها للعنف، وفي كيفية تحول المدينة إلى ساحة صراع مفتوحة بين قوى لا تملك برنامجا واضحا سوى الهدم. وهو أيضا مثال على كيفية كتابة التاريخ لاحقا، حيث تحول الحريق إلى أسطورة تتنازعها الروايات، يدعي كل طرف أنه كان الضحية أو البطل، بينما تظل الحقيقة مدفونة تحت الرماد.
لفهم حريق القاهرة، يجب العودة إلى السياق الذي أنتجه. في يناير 1952، كانت مصر تعيش أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية حادة. الاحتلال البريطاني، رغم انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان لا يزال يسيطر على قناة السويس ويحتفظ بقواعد عسكرية في منطقة القناة. حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا، التي جاءت إلى السلطة في يناير 1950، حاولت استعادة شعبيتها بإلغاء معاهدة 1936 من جانب واحد في أكتوبر 1951، وهو قرار لم يغير شيئا على الأرض. القوات البريطانية بقيت في مواقعها، والمقاومة الشعبية في منطقة القناة تصاعدت، مدعومة ضمنيا من الحكومة التي وزعت السلاح على "الفدائيين" دون أن تملك استراتيجية واضحة لما بعد ذلك.
في هذا المناخ، وقعت مذبحة الإسماعيلية في 25 يناير 1952، حيث حاصرت القوات البريطانية مبنى البوليس المساعد (البوليس المصري المحلي) وطالبت بتسليم السلاح. رفض الضباط المصريون، فقصفت القوات البريطانية المبنى بالمدفعية والدبابات، مما أسفر عن مقتل 50 شرطيا مصريا وإصابة أكثر من مائة. الخبر وصل القاهرة في نفس اليوم، وانتشر في الشوارع والمقاهي والصحف. الغضب الشعبي كان حقيقيا وعميقا، لكنه كان أيضا قابلا للتوجيه من قبل قوى سياسية مختلفة: الإخوان المسلمون، الشيوعيون، الضباط الأحرار الذين كانوا لا يزالون في طور التشكيل، وحتى القصر الملكي نفسه الذي كان يبحث عن فرصة للتخلص من حكومة الوفد.
في صباح 26 يناير، خرجت مظاهرات من الأحياء الشعبية باتجاه وسط القاهرة. كان الهدف المعلن هو التنديد بالمذبحة والمطالبة بجلاء القوات البريطانية. لكن المظاهرات سرعان ما تحولت إلى أعمال عنف منظمة استهدفت بدقة المؤسسات والمحلات التي ترمز إلى الوجود الأجنبي والنفوذ الاقتصادي الغربي: سينما ريفولي، وكازينو أوبرا، وفندق شبرد الشهير، ومتجر شيكوريل، ومقر شركة طيران بي أو إيه سي، ونادي توت عنخ آمون. الحريق لم يكن عشوائيا، بل كان انتقائيا، مما يشير إلى وجود تخطيط مسبق أو على الأقل توجيه لحظي من جهات منظمة.
السؤال الذي لا يزال يؤرق المؤرخين: من أشعل الحريق؟ الإجابة المختصرة هي أن الجميع أشعلوه، كل بطريقته. هناك أدلة على أن جماعات مختلفة شاركت في العملية: الإخوان المسلمون الذين كانوا يملكون تنظيما شبه عسكريا يسمى "التنظيم الخاص"، الشيوعيون الذين كانوا ينشطون في المناطق العمالية، وحتى بعض رجال القصر الذين كانوا يريدون إسقاط حكومة الوفد. هناك شهادات على أن مجموعات منظمة كانت تحمل قوائم بالأهداف، وأنها استخدمت البنزين والمواد الحارقة بطريقة احترافية. بعض المحلات التي أحرقت كانت تحمل لافتات تقول "محل مصري"، لكنها أحرقت على كل حال، مما يشير إلى أن المعيار لم يكن فقط الجنسية بل أيضا الطبقة الاجتماعية والنفوذ الاقتصادي.
لكن السؤال الأهم ليس من أشعل الحريق، بل لماذا لم تتحرك السلطة لإيقافه؟ وزير الداخلية فؤاد سراج الدين، الرجل القوي في حكومة الوفد، كان في مكتبه طوال اليوم، لكنه لم يصدر أوامر حاسمة للبوليس بالتدخل. الملك فاروق كان في قصر عابدين، لكنه لم يتحرك إلا في وقت متأخر من بعد الظهر، عندما أصدر أوامره للجيش بالنزول إلى الشوارع. بحلول ذلك الوقت، كان الحريق قد التهم معظم الأهداف الرئيسية. هذا الصمت المريب، هذا التأخير المحسوب، يشير إلى أن السلطة اتخذت قرارا بترك الحريق يستمر، إما لأنها أرادت أن تعطي درسا للبريطانيين، أو لأنها أرادت أن تخلق حالة من الفوضى تبرر إعلان الأحكام العرفية والتخلص من المعارضة، أو ربما لأنها ببساطة فقدت السيطرة ولم تعد تعرف كيف تتصرف.
الحصيلة النهائية كانت مروعة: أكثر من 750 مبنى دمر كليا أو جزئيا، بينها 92 فندقا ومطعما، 73 مقهى، 40 دار سينما، 13 مسرحا، 7 متاجر كبرى، و240 محلا تجاريا. عدد القتلى تراوح بين 17 و 76 شخصا حسب الروايات المختلفة، وعدد الجرحى تجاوز المئات. الخسائر المادية قدرت بنحو 22 مليون جنيه مصري، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت. لكن الخسارة الحقيقية لم تكن مادية فقط، بل كانت معنوية أيضا: احتراق وسط القاهرة كان احتراقا لفكرة المدينة الكوزموبوليتانية، للمشروع الليبرالي الذي حاولت النخبة المصرية بناءه منذ عهد محمد علي، ولوهم التعايش السلمي بين الطبقات والجنسيات المختلفة.
حريق القاهرة كان نتيجة منطقية لسياسات متراكمة. السلطة الملكية، منذ عشرينيات القرن العشرين، بنت شرعيتها على المناورة بين البريطانيين والأحزاب السياسية، دون أن تمتلك مشروعا وطنيا واضحا أو قاعدة شعبية حقيقية. حكومة الوفد، رغم شعبيتها الواسعة، كانت تمارس سياسة شعبوية قصيرة النظر: ألغت المعاهدة مع بريطانيا دون أن تملك القوة لفرض الجلاء، ووزعت السلاح على "الفدائيين" دون أن تسيطر عليهم، وتركت الباب مفتوحا أمام جماعات متطرفة لتملأ الفراغ. الإخوان المسلمون، الذين كانوا يملكون تنظيما قويا ومنضبطا، استغلوا الفرصة لإظهار قوتهم وقدرتهم على تعبئة الشارع. الشيوعيون، رغم ضعفهم التنظيمي، كانوا نشيطين في المناطق العمالية ويحاولون ربط النضال الوطني بالنضال الطبقي. القصر الملكي، من جهته، كان يبحث عن أي فرصة للتخلص من حكومة الوفد التي كانت تهدد نفوذه.
في هذا المشهد المعقد، كان الحريق بمثابة الفعل الذي جمع كل هذه القوى في لحظة واحدة، ثم فجرها. كل طرف اعتقد أنه يستطيع استخدام العنف لخدمة أهدافه، لكن النتيجة كانت أن العنف أصبح سيد الموقف، ولم يعد أحد قادرا على السيطرة عليه. الحريق كشف أن الدولة المصرية، بكل أجهزتها ومؤسساتها، كانت مجرد واجهة هشة تخفي فراغا عميقا. البوليس الذي كان من المفترض أن يحمي المدينة، إما وقف متفرجا أو شارك في النهب. الجيش الذي نزل في وقت متأخر، تصرف بتردد، وكأنه غير متأكد من دوره أو من أوامره. القضاء الذي حاول لاحقا محاسبة المسؤولين، فشل في الوصول إلى نتائج حاسمة، وظلت المحاكمات عالقة بين الاتهامات المتبادلة والأدلة المتضاربة.
لكن ما يجعل حريق القاهرة مثيرا للإهتمام ما حدث بعده في 26 يوليو من نفس العام، أي بعد ستة أشهر فقط، قام الضباط الأحرار بإنهاء الملكية وتأسيس الجمهورية. الحريق كان البروفة العامة للانقلاب، كان اللحظة التي أدركت فيها النخبة العسكرية الصاعدة أن النظام القديم قد انتهى، وأن الفرصة سانحة للاستيلاء على السلطة. الضباط الأحرار، الذين كانوا يراقبون الأحداث عن كثب، استنتجوا أن الشعب جاهز للتغيير، وأن السلطة الملكية فقدت شرعيتها، وأن الطريق مفتوح أمامهم. من هذا المنظور، يمكن القول إن حريق القاهرة لم يكن نهاية الملكية فقط، بل كان أيضا بداية العسكر. واحدة من أكبر مفارقات حريق القاهرة هي أن الأهداف التي أحرقت كانت في معظمها رموزا للحداثة والتقدم، وليس رموزا للاحتلال بالمعنى المباشر. فندق شبرد، على سبيل المثال، لم يكن مجرد فندق يملكه أجانب، بل كان مركزا ثقافيا واجتماعيا حيث التقى المثقفون والفنانون والسياسيون المصريون والأجانب على حد سواء. سينما ريفولي لم تكن تعرض فقط أفلاما أجنبية، بل كانت تعرض أيضا الأفلام المصرية التي أنتجتها الاستوديوهات المحلية. متجر شيكوريل لم يكن يبيع فقط سلعا مستوردة، بل كان أيضا يوظف مئات العمال المصريين ويساهم في الاقتصاد المحلي. إحراق هذه المؤسسات كان، في الواقع، إحراقا للطبقة الوسطى المصرية الناشئة، للمشروع الحداثي الذي حاولت هذه الطبقة بناءه منذ نهاية القرن التاسع عشر.
هذه المفارقة تكشف عن تناقض عميق في الحركة الوطنية المصرية. الخطاب الوطني، منذ ثورة 1919، كان يتحدث عن الاستقلال والتحرر من الاحتلال، لكنه في نفس الوقت كان يحمل عداء غير معلن للحداثة الغربية، للأنماط الثقافية والاجتماعية التي جاءت مع الاستعمار. هذا العداء لم يكن فقط موقفا سياسيا، بل كان أيضا موقفا طبقيا: الطبقات الشعبية، التي كانت تشعر بالتهميش والإقصاء من المشروع الحداثي، رأت في المؤسسات الغربية رموزا للظلم الاجتماعي والاقتصادي، وليس فقط للاحتلال السياسي. حريق القاهرة كان، من هذا المنظور، انتقاما طبقيا بقدر ما كان فعلا وطنيا.
لكن هذا الانتقام كان قصير النظر. إحراق المؤسسات الحداثية لم يحرر مصر من الاحتلال، بل دمر جزءا مهما من البنية التحتية الاقتصادية والثقافية للبلاد. الطبقة الوسطى، التي كانت العمود الفقري للحركة الوطنية، تضررت بشدة من الحريق، وبدأت في فقدان ثقتها في إمكانية التغيير السلمي. الأجانب الذين كانوا يشكلون جزءا من النسيج الاجتماعي المصري، بدأوا في الهجرة بأعداد كبيرة، مما أفقر المشهد الثقافي والاقتصادي. الجيل الصاعد من الضباط والسياسيين الذي استولى على السلطة بعد الحريق، تبنى خطابا وطنيا راديكاليا، لكنه في الواقع أسس نظاما عسكريا قمعيا لم يحقق لا الاستقلال الكامل ولا التقدم الاقتصادي الموعود.
لا يمكن فهم حريق القاهرة بدون فهم البعد الطبقي للعنف. المظاهرات التي تحولت إلى حريق لم تكن تعبيرا عن غضب وطني مجرد، بل كانت أيضا تعبيرا عن غضب طبقي عميق. الأحياء الشعبية في القاهرة، التي كانت تعاني من الفقر والبطالة والتهميش، رأت في وسط البلد رمزا للثراء الفاحش والتفاوت الاجتماعي. الفنادق الفخمة والمقاهي الأنيقة والمتاجر الكبرى لم تكن مجرد مؤسسات تجارية، بل كانت اماكن اجتماعية مغلقة أمام الطبقات الشعبية، أماكن يلتقي فيها الأثرياء المصريون والأجانب، بينما يقف الفقراء خارجها ينظرون من بعيد.
هذا الشعور بالإقصاء الاجتماعي كان وقودا للحريق بقدر ما كان الغضب من الاحتلال البريطاني. عندما بدأت المظاهرات، سرعان ما انضمت إليها جماهير من الأحياء الشعبية، ليس بالضرورة لأنها تؤمن بخطاب سياسي معين، بل لأنها رأت فرصة للانتقام من النظام الاجتماعي الذي همشها. النهب الذي رافق الحريق لم يكن مجرد سلوك إجرامي، بل كان فعلا رمزيا: استيلاء الفقراء على ممتلكات الأثرياء، تدمير الحدود الاجتماعية التي كانت تفصل بين الطبقات. بعض الشهود يروون أن المتظاهرين كانوا يحملون البضائع من المتاجر المحترقة وهم يهتفون شعارات وطنية، في مشهد يجمع بين السياسة والطبقة في صورة واحدة مركبة.
لكن هذا العنف الطبقي لم يؤد إلى تغيير حقيقي في البنية الاجتماعية. الطبقات الشعبية، رغم مشاركتها في الحريق، لم تحصل على أي مكاسب حقيقية. النظام الجديد الذي جاء بعد 1952 رغم خطابه الاشتراكي لم يقض على التفاوت الطبقي، بل أعاد إنتاجه بأشكال جديدة. البرجوازية القديمة، التي كانت تملك الفنادق والمتاجر، استبدلت ببرجوازية جديدة من الضباط والبيروقراطيين الذين سيطروا على الاقتصاد من خلال التأميم والقطاع العام. الطبقات الشعبية ظلت في أسفل الهرم الاجتماعي، تعاني من نفس المشاكل، لكن بخطاب مختلف. من هذا المنظور، يمكن القول إن حريق القاهرة كان ثورة فاشلة: لحظة انفجار طبقي لم تؤد إلى تغيير بنيوي، بل أعادت إنتاج نفس البنى بوجوه جديدة.
واحدة من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من حريق القاهرة هي أن العنف، حتى عندما يكون موجها ضد رموز الظلم، لا يؤدي بالضرورة إلى العدالة. العنف يخلق ديناميكيته الخاصة، يصبح هدفا في حد ذاته، ويعيد إنتاج نفسه في أشكال جديدة. الحريق الذي بدأ كاحتجاج شعبي ضد الاحتلال والظلم الاجتماعي، تحول إلى فوضى عارمة لم تفرق بين الأهداف المشروعة وغير المشروعة. المؤسسات التي أحرقت لم تكن كلها رموزا للاحتلال، بل كانت أيضا جزءا من النسيج الاقتصادي والثقافي للبلاد. تدمير هذا النسيج لم يضعف الاحتلال البريطاني، بل أضعف المجتمع المصري نفسه.
هذا النمط من العنف التدميري سيصبح سمة متكررة في التاريخ المصري اللاحق. الانقلاب العسكري في 1952، الذي جاء بعد ستة أشهر من الحريق، كان أيضا فعلا عنيفا موجها ضد النظام القديم، لكنه لم يبن نظاما ديمقراطيا أو عادلا، بل بنى نظامًا عسكريا استبداديا. التأميمات في الستينيات، التي كانت موجهة ضد البرجوازية القديمة، لم تؤد إلى عدالة اجتماعية حقيقية، بل أدت إلى تدمير الاقتصاد وخلق بيروقراطية فاسدة. هذا النمط يكشف عن مشكلة بنيوية في الثقافة السياسية المصرية: غياب الإيمان بإمكانية التغيير السلمي، والميل إلى العنف كحل سريع للمشاكل المعقدة. الحريق، من هذا المنظور كان تعبيرا عن منطق سياسي متجذر: عندما تصل الأزمة إلى ذروتها، الحل هو التدمير، وليس الإصلاح. هذا المنطق لا يزال حاضرا حتى اليوم، في كل مرة يفشل فيها الحوار السياسي ويتحول الصراع إلى عنف، في كل مرة تلجأ فيها السلطة إلى القمع بدلا من الإصلاح، في كل مرة يختار فيها الشارع التدمير بدلا من البناء.
حريق القاهرة، مثل كل الأحداث الكبرى، تحول إلى أسطورة تتنازعها الروايات المختلفة. في الرواية الرسمية، التي سادت بعد 1952، كان الحريق مؤامرة دبرها القصر الملكي وحكومة الوفد للتخلص من المعارضة وتبرير فرض الأحكام العرفية. هذه الرواية خدمت النظام الجديد الذي أراد أن يصور النظام القديم كنظام فاسد وعاجز. في رواية أخرى، كان الحريق عملا تخريبيا قامت به جماعات متطرفة، خاصة الإخوان المسلمون، لزعزعة الاستقرار وتحقيق أهداف سياسية. هذه الرواية تخدم من يريد تصوير الإسلام السياسي كمصدر للعنف والفوضى. في رواية ثالثة، كان الحريق انتفاضة شعبية عفوية ضد الاحتلال البريطاني والظلم الاجتماعي، وهي رواية رومانسية تحاول أن تضفي شرعية ثورية على الحدث.
كل هذه الروايات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها جميعا تبسط ما حدث. الحريق لم يكن مؤامرة واحدة، ولا عملا تخريبيا من طرف واحد، ولا انتفاضة شعبية عفوية. كان كل هذه الأشياء في نفس الوقت: مزيج معقد من الغضب الشعبي والتخطيط السياسي والفوضى العارمة والتواطؤ الرسمي. محاولة اختزال الحدث في رواية واحدة هي محاولة لإفقاده تعقيده وغناه كحدث تاريخي. الحقيقة أن حريق القاهرة يكشف عن كل التناقضات التي كانت تعتمل في المجتمع المصري في ذلك الوقت: التوتر بين الحداثة والتقليد، بين الوطنية والطبقة، بين السلطة والشعب، بين التنظيم والفوضى.
ما يجعل ذكرى الحريق مهمة اليوم، ان المشاكل التي أدت إلى الحريق لا تزال حاضرة: الغضب من التفاوت الاجتماعي، الإحباط من العجز عن التغيير، الميل إلى العنف كحل سريع، غياب الثقة في المؤسسات. لذلك حين نتذكر حريق القاهرة، ينبغي استدعاؤه كإمكانية دائمة قد تتحقق في أي لحظة تبلغ فيها الأزمة ذروتها ويفقد النظام شرعيته. الذاكرة، من هذا المنظور، ليست استعادة للماضي، بل تحذير من المستقبل.
بعد أربعة وسبعين عاما من حريق القاهرة، لا تزال المدينة تحمل ندوب ذلك اليوم. بعض المباني التي احترقت أعيد بناؤها، لكن بعضها بقي خرابا لعقود، شاهدا صامتا على العنف الذي يمكن أن يلتهم مدينة في يوم واحد. وسط البلد الذي كان قلب القاهرة النابض، تحول مع الوقت إلى منطقة متدهورة، فقدت كثيرا من رونقها وحيويتها. الكوزموبوليتانية التي كانت تميز القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين اختفت، وحلت محلها مدينة أكثر تجانسا وأقل انفتاحا.
لكن الدرس الأهم من حريق القاهرة ليس معماريا أو عمرانيا، بل سياسيا وأخلاقيا. الحريق يعلمنا أن العنف، مهما كانت مبرراته، يدمر أكثر مما يبني، وأن الفوضى، مهما كانت عفوية، تخدم دائما من يملك القوة والتنظيم. يعلمنا أن السلطة، عندما تفقد شرعيتها، لا تنهار بهدوء، بل تأخذ معها جزءا من المجتمع. يعلمنا أن الطبقات الشعبية، مهما كان غضبها مشروعا، لا تستفيد من العنف العشوائي، بل غالبا ما تكون أول ضحاياه. يعلمنا أن التغيير الحقيقي لا يأتي من إحراق المؤسسات، بل من بناء بدائل لها.
اليوم، في عالم يشهد انفجارات اجتماعية وسياسية متكررة، من الانتفاضات العربية إلى الحركات الاحتجاجية في أمريكا اللاتينية وأوروبا، يظل حريق القاهرة درسا مهما. يذكرنا بأن الغضب الشعبي، مهما كان محقا، يحتاج إلى توجيه وتنظيم، وإلا تحول إلى وقود يستخدمه من يريد الوصول إلى السلطة. يذكرنا بأن العنف، حتى عندما يستهدف رموز الظلم، يخلق ديناميكيته الخاصة ويصبح نمطا يعيد إنتاج نفسه. يذكرنا بأن التاريخ لا يتقدم بشكل خطي من الظلم إلى العدالة، بل يتحرك في دوائر، وأن الثورات غالبا ما تنتهي بإعادة إنتاج ما حاولت تدميره.
حريق القاهرة لم يكن نهاية حقبة فقط، بل كان أيضا بداية نمط سياسي لا يزال يحكمنا: نمط الحل العنيف، نمط غياب الحوار، نمط تحول الصراع السياسي إلى صراع وجودي. طالما بقي هذا النمط، سيظل الحريق إمكانية دائمة، وسيظل الرماد يتصاعد من تحت أقدامنا، يذكرنا بأن ما بنيناه يمكن أن يحترق في لحظة، وأن الشرعية السياسية، عندما تفقد، لا تعود بسهولة. الذكرى ليست احتفالا بالماضي، بل هي دعوة للتفكير في الحاضر وتحذير من المستقبل.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عبد الناصر .. الزمن الذي لم نولد فيه، واليد التي ما زالت تقل
...
-
مراد وهبة .. بين الإستنارة والتناقض السياسي
-
اقتصاد الامل .. كيف يباع المستقبل حين يضيق الحاضر؟
-
إقتصاد البقاء .. حين كانت الحضارة تعني الخلود
-
ديسمبر : شهر البدايات والنهايات .. الأسطورة التي تعيد نبض ال
...
-
محمد صبحي، عمرو أديب، وأم كلثوم .. في زمن الترفيه الموجه
-
فصل الشتاء .. حين يقول الجسد ما تخفيه السياسة
-
دراما رمضان … محظورات تكتب السيناريو قبل المبدعين
-
فيلم -الست- … علي صفيح ساخن
-
جورجيا ميلوني .. امرأة هزت عرش أوروبا
-
-مستقبل الثقافة في مصر- ..بين أسطورة التنوير وأزمة النهضة ال
...
-
متى تشعر الأنظمة الديكتاتورية بالقلق؟ .. الصراع الداخلي على
...
-
التأشيرة والثورة .. جوستافو بيترو يهز عرش الإمبراطورية
-
-ورقة جمعية- ...الأمهات اللواتي يصنعن العالم ثم يغيبن في صمت
-
-ولاد الشمس- ... محمود حميدة وموسيقى الشر السيمفوني
-
-قهوة المحطة- .. تراجيديا معاصرة في فضاء القهوة المظلم
-
-6 أيام- .. سينما العاشق المتأخر
-
عروستي .. حين يتوه الإبداع في متاهات الترفيه السهل
-
فوز ممداني .. انعطافة سياسية في عاصمة المال الأمريكي
-
مؤتمرا شرم الشيخ : سلام حقيقي أم حلقة مفرغة ؟ قراءة في استمر
...
المزيد.....
-
بعد اتفاق -نادر- مع طهران.. إدارة ترامب تُرحّل إيرانيين للمر
...
-
كيف كان حضور الموساد في إيران.. وما المتوقع في حال سقوط النظ
...
-
فيديو جديد للحوثيين يلوّح بعودة التصعيد في البحر الأحمر.. وت
...
-
الأمين العام للناتو: أوروبا لا تستطيع الدفاع عن نفسها دون أم
...
-
مقتل أليكس بريتي في مينيابوليس..هل فبركت السلطات الأمريكية ص
...
-
حاملة الطائرات تصل الشرق الأوسط...هل اتخذ ترامب قرار ضرب إير
...
-
هكذا علقت أوروبا في المصيدة الإستراتيجية
-
-شبكات- مخاوف من جائحة جديدة وتفاعل مع تدمير جسور نهر الفرات
...
-
حرب أسطح المنازل.. كيف تحول -ستارلينك- إلى هدف لمُسيّرات طهر
...
-
وزير الصحة السوداني للجزيرة مباشر: 33 ألف وفاة خلال الحرب
المزيد.....
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|