جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 23:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من يريد ان يستشهد فلا يتزعم الامة ,وليبقى جندي عسكري مقاتل لينال شرف الشهادة في ميادين القتال ,اما المسؤول الاول في الدولة فينطبق عليه وعلى حماته وجوب المحافظة على حياته , وجوبا شرعيا ودستوريا وامنيا ,حفاظا على الامة وأمنها القومي, واذا استهان بسلامته الشخصية لاسيمااثناء وجود تهديدات امنية حقيقية ومتكررة ,فيجب عزله فورا من قبل الجهة المخولة بذلك..
*********
عندما ننظر إلى التجربة الإيرانية خلال السنوات الماضية فإننا نجد ان التهديدات التي واجهت قادتها لم تكن خفية او محتملة فقط ,بل كانت معلنة وصريحة فقد تحدثت جهات عديدة وعلى رأسها اسرائيل عن استهداف قيادات إيرانية أو شخصيات بارزة بمحور المقاومة ,ولم يكن ذلك مجرد خطاب اعلامي ,بل سبقه عدد من العمليات التي استهدفت بالفعل شخصيات عسكرية وعلمية بارزة داخل إيران وخارجها ,وقد كانت تلك العمليات رسالة واضحة بأن القدرة على الوصول الى تلك الشخصيات ممكنة ,وأن هناك اختراقات أمنية او ثغرات يمكن استغلالها ورغم ذلك بقي السؤال مطروحا لدى كثير من المراقبين حول مدى استعداد المنظومة الامنية الايرانية لمواجهة هذا النوع من التهديدات.
ان أمن القادة الكبار ورؤساء الدول ليس مسألة بروتوكولية او شكلية ,بل هو جزء أساسي من امن الدولة نفسها فهؤلاء يمثلون مركز القرار السياسي والعسكري والاقتصادي, وأي خلل في حمايتهم قد يؤدي إلى اضطراب خطير في بنية الدولة وفي قدرتها على ادارة الازمات والحروب ,ولذلك فإن المنظومات الامنية في كل دول العالم تتعامل مع حياة القادة على أنها خط احمر لا يمكن التساهل فيه مهما كانت الظروف ومهما كانت رغبات القائد نفسه ,فاذا رفض الانتقال الى مكان اخر لوجود خطر حقيقي على حياته, فيجب جره جرا ,وحمله حملا وتغيير مكانه رغم انفه ,فهناك قواعد صارمة تحكم حركة القادة وتنقلاتهم ومكان إقامتهم وطرق اتصالهم وحتى ظهورهم الإعلامي, لأن اي خطأ بسيط قد يتحول إلى فرصة لعملية اغتيال او استهداف مدبر ,ولهذا نجد نجد أن كثيرا من القادة في العالم يخضعون احيانا لقرارات رجال الحماية حتى وإن تعارضت مع رغباتهم الشخصية لأن مسؤولية الحماية لا تتعلق بالفرد وحده ,بل بمصير الدولة التي يقودها ,ومن يريد ان يستشهد فلا يتزعم الامة وليبقى جندي عسكري مقاتل لينال شرف الشهادة في ميادين القتال ,اما المسؤول الاول في الدولة فينطبق عليه وعلى حماته وجوب المحافظة على حياته , وجوبا شرعيا ودستوريا وامنيا ,حفاظا على الامة وأمنها القومي, واذا استهان بسلامته الشخصية لاسيمااثناء وجود تهديداتامنية حقيقية ومتكررة ,فيجب عزله فورا من قبل الجهة المخولة بذلك..
لقد كان من المعروف أيضا أن ايران تعيش في بيئة استراتيجية شديدة التعقيد ,فهي محاطة بوجود عسكري أمريكي في مناطق متعددة من الشرق الأوسط ,كما تواجه عداءً واضحا صريحا من اسرائيل وبعض القوى الاقليمية اضافة الى العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية وكل هذه العوامل تجعل من مسألة حماية القيادات العليا قضية ذات أهمية مضاعفة لأن أي استهداف ناجح قد يؤدي إلى إرباك كبير في عملية صنع القرار خاصة في لحظات التوتر ,أو احتمال اندلاع حرب مفاجئة ولذلك فإن الدول التي تعيش في ظروف مشابهة عادة ما تطور منظومات حماية متعددة الطبقات تشمل اجراءات امنية صارمة وتكنولوجيا مراقبة متقدمة وشبكات استخباراتية تهدف إلى كشف أي محاولة اختراق قبل وقوعها.
ومع ذلك فإن الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أعادت فتح النقاش حول ما إذا كانت ايران قد تعاملت مع هذه التهديدات بالجدية الكافية أم ان هناك نوعاً من التراخي او الثقة الزائدة التي سمحت بحدوث اختراقات خطيرة فالبعض يرى ان ما حدث قد يكون نتيجة قصور في التقدير الأمني او ضعف في التنسيق بين الاجهزة المختلفة بينما يذهب آخرون إلى احتمال وجود اختراقات داخلية او اخطاء تنظيمية ادت الى تسريب معلومات حساسة عن تحركات القيادات ومواقعهم ,وهذه الاحتمالات ليست جديدة في عالم الاستخبارات ,لأن تاريخ الصراعات بين الدول مليء بحوادث مشابهة حيث تلعب المعلومات الدقيقة دورا حاسما في نجاح اي عملية اغتيال..
لكن في المقابل هناك من يطرح تفسيرا مختلفا يرتبط بطبيعة الخطاب السياسي والأيديولوجي الذي تتبناه بعض القيادات في إيران ,حيث يتم التركيز كثيرا على مفهوم الشهادة والاستعداد للتضحية في سبيل القضايا الكبرى وهذا خطاب يؤثر على مستوى الحذر الأمني أو على طريقة تعامل القادة مع المخاطر المحيطة بهم ,لذلك فإن معظم الدول خاصةتلك التي تتبنى خطابا ثوريا او عقائدياً لا تسمح عادة بأن تتحول الرمزية السياسية الى سبب لتجاهل قواعد الأمن الأساسية.
ومن زاوية اخرى يطرح بعض المحللين فرضية تتعلق بالثقة السياسية والعلاقات المعقدة داخل الاقليم فهناك من يعتقد ان بعض القيادات قد تعتمد على تقديرات سياسية تفترض أن الخصوم لن يذهبوا إلى حد تنفيذ عمليات اغتيال واسعة خوفاً من ردود الفعل أو التصعيد الكبير ,لكن التجارب أثبتت ان مثل هذه التقديرات خاطئة لأن منطق الصراع في الشرق الاوسط يتجاوز الحسابات التقليدية وقد شهدت المنطقة عدة عمليات اغتيال بارزة نفذت رغم المخاطر السياسية التي قد تترتب عليها
,كما ان ان هناك بعداا آخر يتعلق بطبيعة الحرب الحديثة التي لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة ,بل اصبحت تشمل حرب الظل والاستخبارات والعمليات الخاصة والهجمات السيبرانية وفي هذا النوع من الصراع تكون المعركة الأساسية هي معركة المعلومات والاختراقات الامنية اكثر من كونها معركة جيوش تقليدية ,ولهذا فإن حماية القيادات في مثل هذه البيئة تتطلب درجة عالية من السرية والانضباط وتحديثامستمراللإجراءات الامنية لأن الخصوم يبحثون دائماعن الثغرة الصغيرة التي يمكن أن تتحول الى ضربة كبيرة.
وفي ضوء كل هذه المعطيات يصبح من الطبيعي ان يطرح الرأي العام تساؤلات عديدة عندما تحدث خسائر في صفوف القيادات العليا فهذه التساؤلات قد تتراوح بين الشك في وجود تقصير أمني وبين الحديث عن احتمال وجود خيانة ,او اختراق داخلي أو حتى سوء تقدير سياسي, لكن من المهم ايضا ان ندرك ان الكثير من التفاصيل المرتبطة بمثل هذه الأحداث تبقى في إطار السرية ولا يتم الكشف عنها إلا بعد سنوات طويلة إن تم الكشف عنها اصلا لأن الحكومات عادة ما تحرص على حماية معلوماتها الاستخباراتية حتى بعد وقوع الحوادث.
أما مسألة الرد على الهجمات او الاعتداءات فهي بدورها تخضع لحسابات معقدة لا تتعلق فقط بالرغبة في الانتقام او إظهار القوة ,بل تشمل ايضا تقدير موازين القوى وتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون تكلفتها اكبر بكثير من أي مكسب محتمل ,ولذلك فإن بعض الدول قد تختار الرد بطرق غير مباشرة أو في توقيت مختلف عن التوقعات الشعبية وهو ما قد يفسره البعض على أنه ضعف او تردد ,بينما يكون في الواقع جزءاً من استراتيجية أوسع لإدارة الصراع على المدى الطويل.
ان تجربة إيران في هذا المجال تعكس الى حد كبير طبيعة الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط حيث تتداخل العوامل الامنية والسياسية والأيديولوجية في صورة معقدة تجعل من الصعب تفسير الاحداث بتفسير واحد بسيط ,فقد يكون هناك بالفعل قصور في بعض الجوانب الأمنية ,وقد تكون هناك ايضا اختراقات استخباراتية وهذا امر مرجح جدا وانا بصدد كتابة مقال بهذا الصدد يوضح بالادلة والقرائن الكثيرة هذا الترجيح,ولا ننسى ان هناك تقديرات سياسية غير دقيقة وفي الوقت نفسه قد تكون هناك حسابات استراتيجية أوسع تحكم طريقة التعامل مع هذه التحديات.
وعلى اي حال تبقى الحقيقة الاساسية ان حماية القيادات العليا ليست مجرد مسألة شخصية ,بل هي جزء من حماية الدولة ومؤسساتها واستقرارها ,وان أي دولة تواجه تهديدات خارجية كبيرة تحتاج إلى مراجعة مستمرة لمنظومتها الامنية وتطويرها بما يتناسب مع طبيعة المخاطر المتغيرة ,لأن عالم الاستخبارات والصراعات غير التقليدية يتطور بسرعة كبيرة ,وأي تأخر في مواكبة هذا التطور قد يفتح الباب امام خصوم يمتلكون القدرة على التخطيط الطويل والصبر الاستراتيجي..
ولهذا فإن النقاش الذي يطرحه كثير من المراقبين حول ما حدث لا يتعلق فقط بتقييم الماضي ,بل يمتد ايضا إلى التفكير في المستقبل, وكيف يمكن للدول التي تعيش في بيئات صراع حاد ان تعيد بناء منظوماتها الامنية بحيث تقلل من احتمالات الاختراق ,وتضمن استمرارية القيادة السياسية والعسكرية في مواجهة التحديات ,لأن قوة الدولة في لحظات الأزمات لا تقاس فقط بعدد جنودها أو أسلحتها ,بل ايضا بقدرتها على حماية عقولها التي تدير المعركة وتحدد مصيرها في عالم لا يعترف إلا بالقوة والتنظيم والدقة في الحسابات.
جاسم محمد علي المعموري
12-3-2026
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟