أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - بغداد بوجهها المنقب














المزيد.....

بغداد بوجهها المنقب


سعد العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 14:09
المحور: الادب والفن
    


لبغداد وجوهٌ شتّى، يقبع بعضها خلف نقابٍ مخمليّ. شوارعُ أرهقها الزمن، تتناثر فيها حفرٌ لم تُردم، وأرصفةٌ اكتمل بعضها فيما بقي بعضها الآخر معلّقًا بين وعدٍ وتأجيل، كأنها تنتظر مواسمَ انتخابٍ أخرى تُفتح فيها الخزائنُ الخفيّة، ويُعاد تشكيلُ الوعي باستدعاء الهواجس وإيقاظ الفتن. ولها أزقّةٌ يبدو الماضي فيها أكثر حضورًا، كأن الزمن ترك الأجمل وراءه ومضى.
غير أنّ ما يُدار في العمق لا يلبث أن ينعكس على السطح؛ فبمجرد الخروج إلى الشارع، يتبدّى الأثر في الإيقاع اليومي للمدينة. قريبًا من ساعات الذروة ونهاية الدوام يحلّ الزحام؛ زحامٌ لا يشبه مجرد تباطؤٍ عابر: سياراتٌ مصطفّة كأنها عالقةٌ في زمنٍ متوقّف، وتكاتك تتسلّل بين الفراغات، وأبواقٌ تتعالى بلا انقطاع. وجوهٌ متعبة تراقب الطريق بقلقٍ صامت، وسيرٌ لا يتمّ إلا على مهلٍ شاق، كأن المدينة تختبر صبر سالكيها عند كلّ منعطف. هناك في ذلك الاختناق شوهدت صبيةٌ بين الصفوف تمضي بخطواتٍ متردّدة، تمدّ يدًا خجلى، تطرق على النوافذ الموصدة، في ملامحها استسلامٌ صامتٌ فرضته الضرورة؛ عينان واسعتان تحملان بقايا حيرةٍ أكثر من رجاء، وثوبٌ باهتٌ يشهد على تعبٍ أطول من عمرها. تتحرّك بين السيارات كما لو أنها جزءٌ من المشهد اليومي، حضورٌ مألوف في مدينةٍ اعتادت أن ترى الفقر عابرًا بين إشارات المرور.
في هذه الساحة، وعلى امتداد شارع الجمهورية إلى الشورجة وما بعدها، بدا الزمن نفسه متثاقلًا، والدقائق تمتدّ على نحوٍ يرهق الإحساس، كأن المدينة عالقةٌ في لحظةٍ لا تمضي سريعًا ولا تتراجع. ومع تراكم الصخب والتوتر، يتسلّل شعورٌ خفيّ بأن الفوضى في الشوارع تمتدّ كظلٍّ ثقيل إلى ما وراء هذا المشهد المتكرّر.
وفي ذلك البطء القسريّ، حين يُتاح للعين أن تتأمّل ما حولها، تتجاور المحالّ والوجوه العابرة والبسطيات إلى جوار المطاعم والكافيهات. تلوح معالمُ الثراء على نحوٍ لافت، يقابلها عوزٌ ثقيل يتجسّد في وجه طفلٍ حافي القدمين يدفع عربةً خشبية أكبر من قامته. يداه الصغيرتان تمسكان بالمقبض كما لو تمسكان بتلابيب يومه كلّه، وعيناه، اللتان كان يُفترض أن تنشغلا باللعب، تحملان جدّيةً مبكرة لا تليق بسنّه. لم يكن يدفع عربةً فحسب، بل كأنّه يدفع زمنًا أثقل من عمره؛ عبءَ بيتٍ ينتظر ما يعود به، وأسرةً تتعلّق بخطواته المتعثّرة بين السيارات.
ووسط هذا التباين المتجلّي في تفاصيل الحياة اليومية، تبدو مظاهرُ التديّن حاضرةً في عدد الجوامع وفخامتها، يقابلها ما يشي بتبدّلاتٍ واضحة في القيم والسلوك؛ تُمنع الخمور في العلن، وتُفتح منافذها في الخفاء، لتحرسها وجوهٌ ترفع شعارات التقوى، وإلى جانبها بيوتٌ تُدار للسمسرة وعقد الصفقات. تناقض كأنّه صار جزءًا من الإيقاع العام، وكأن المدينة تمضي في جدلٍ صامت بين ما يُقال وما يُمارَس، بين الشعائر والسلوك، وبين الخطاب والواقع.
ويظلّ هذا التباين، بما يخلّفه من ضغطٍ خفيّ، حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، يتسرّب إلى أحاديث المقاهي ونبرة المجالس. فما إن يجتمع الناس حتى ينزلق الكلام إلى شؤون البلاد؛ عدمُ رضا عن إدارةٍ مُرهِقة، ويأسٌ يتنامى من إمكان الإصلاح، وتعلّقٌ متردّد بأوهام تغييرٍ لا يُوثق به. ويتداخل ذلك مع ترقّبٍ قلقٍ لتطوّرات الحرب مع إيران، بين من يراها خلاصًا متوهّمًا، ومن يخشاها بابًا لمجهولٍ أثقل. وفي هذا الانقسام، يبدو المستقبل فضاءً مضطربًا، تحكمه الهواجس بقدر ما تحكمه الوقائع، فيما يقف المواطن حائرًا: يؤيّد اليوم ما ينتقده غدًا، وينتخب بلا يقين، كأن الوطن نفسه يتخبّط بين تحوّلاتٍ نفسية لم تستقرّ بعد، من استبداد الفرد إلى استبداد الطائفة. وهكذا تمضي المدينة، أو وجهها المنقب، مثقلةً بشيءٍ غير مرئيّ لكنه محسوسٌ في الوجوه والنبرات، حتى غدت الطمأنينة مطلبًا مؤجّلًا.
***



#سعد_العبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بغداد ....نصف الحكاية
- جولة في ظلال الدولة
- الفضيلة لا تنجح هنا
- حدث فعلا
- التقشف في دولة الامتيازات
- ثمن الثقة
- بين يدى الأم
- الظل الذي لم يختف
- فدية قبل الموت
- حين يطبخ الخوف
- كبش فداء
- مَن ينقذ الله من الجهل
- في بلاد تدفن الأحياء على أقساط
- حين علمتنا سارة
- بصمات وطن انهكته القسوة
- فك ضيق المحتاج
- شظايا وطن: تقرير الحالة المعنوية
- السيد جبار
- من دفاتر الحرب: صولة رجل واحد
- عبد الرزاق النايف: رحلة من القصر الى القبر


المزيد.....




- طائرة -سوبرجت 100- تتحول إلى خشبة مسرح لأول مرة في تاريخ روس ...
- فيديو لفنانة مصرية في الشارع يثير الجدل.. والمتضرر يطلب التد ...
- -مدينة الأفكار- الرقمية تنفذ 10 آلاف مبادرة لتطوير العاصمة م ...
- صدور العدد الخامس من مجلة -سينماتيك-.. نافذة نقدية تواكب تحو ...
- اتحاد أدباء العراق يحتفي بكتاب -الموريسكيون في الرواية العرب ...
- مهرجان -تولستوي- المسرحي في روسيا يجمع 24 عرضا في نسخته العا ...
- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل
- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد العبيدي - بغداد بوجهها المنقب