أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.















المزيد.....



السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 14:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد العالم يتغيّر ببطء يسمح للعقول أن تراجع خرائطها. ما نعيشه اليوم هو انتقال فجائي من سياسة كانت تتظاهر بالقيم إلى ممارسة لا ترى في القيم سوى عائق تقني. لم تسقط “القواعد” لأن أحدا خالفها، بل لأنها استنفدت تاريخيا، ولم تعد قادرة على حماية مصالح من صاغوها. هكذا تولد السياسة الجديدة: بلا اعتذار، بلا أقنعة، وبلا حاجة إلى شرعية سابقة على الفعل.
في هذا الطور، لا تقاس القوة بمدى احترام القانون، بل بقدرتها على تجاوزه وصناعة واقع يجبر القانون لاحقا على التكيّف معه. الاقتصاد لم يعد مجالا مستقلا عن السياسة، ولا أداة ضغط تدريجية؛ صار سلاحا مباشرا، يوميا، يدار من غرف الأسواق كما تدار المعارك من غرف العمليات. أما الديمقراطية وحقوق الإنسان، فجرى اختزالها إلى لغة دعائية تستدعى عند الحاجة وتهمل عند التعارض مع الربح والنفوذ.
ما يحدث داخل النظام العالمي، إعادة تعريف لمفهوم السياسة نفسه. لقد انتقلت الإمبريالية من إدارة التناقضات إلى حسمها بالصدمة، ومن تكديس الضغوط إلى إنتاج الوقائع القاطعة. الفعل أولا، ثم التفسير، ثم ، إن لزم ، التفاوض على أنقاض ما وقع. هذا التحول لا يستهدف دولة بعينها، بل يبعث برسالة عامة: من يراهن على الزمن أو على “المنطقة الرمادية” سيستدعى إلى الامتحان دون إنذار.
في هذا العالم، تتراجع المؤسسات الدولية إلى دور الشاهد المتأخر. لم تعد الأمم المتحدة ولا القانون الدولي ساحات للفصل، بل أرشيفا لغويا يستعمل لتغليف الوقائع بعد فرضها. حين تكسر القاعدة عمدا وتتحول السابقة إلى أداة عمل، يصبح الخوف معمّما: الحلفاء قبل الخصوم يدركون أن ما يطبّق اليوم على طرف بعيد قد يستنسخ غدا في قلب العواصم “المحصّنة”.
الصين، التي بنت صعودها داخل القواعد، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع عالم يتقدّم خارجها. هي لا تحب الفوضى، لكنها تتعلّم العيش معها، لأن مصالحها الممتدة في الطاقة والتمويل والبنى التحتية لا تحتمل انقطاعا مفاجئا. لذلك تعيد تعريف براغماتيتها: حماية التدفقات قبل الدفاع عن الصيغ، وتأمين العقود ولو في بيئة أقل قانونية. أما روسيا، فتستفيد نظريا من تآكل النظام الذي طالما اتّهمت بخرقه، لكنها تصاب عمليا حين يتحول الخرق إلى تقنية جاهزة تستعمل ضد حلفائها، فتكتشف حدود القوة حين لا تكون مقرونة بقدرة اقتصادية عابرة للقارات.
وفي قلب هذه التحولات، يقف النفط ، لا كسلعة فقط، بل كلغة سلطة. هو ما يحوّل الدول إلى مساحات تفاوض قسري، ويجعل السيادة قابلة للتقطيع إلى تراخيص وشحنات ومسارات بيع معتمة. حين يصبح التحكم في التدفق هو جوهر الصراع، تتحول الجغرافيا إلى مخزن مفتوح تعاد هندسته بالقوة، وتختزل الدولة إلى وظيفة لوجستية داخل سوق مسيّس.
هذا كله يكشف حقيقة المرحلة: الشرعية ليست مبدأً، بل ساحة صراع؛ والاقتصاد ليس بنية محايدة، بل جهاز حكم عن بعد؛ والسياسة لم تعد فنّ الممكن، بل إدارة الصدمة. الدول الهشّة ، خصوصا تلك المنقسمة اجتماعيا ، تدفع الثمن مضاعفا، لأن الشقوق الداخلية تتحول سريعا إلى ممرات تدخل خارجي.
من منظور يساري ثوري، ليست المأساة في سقوط أو صعود هذا النظام أو ذاك، بل في اختفاء فكرة الدولة كفضاء عام لصراع اجتماعي داخلي يحسم بأدوات شعبية. حين يستدعى الخارج حكما دائما، تصادر السياسة من المجتمع، ويعاد توزيع الثروة بالقوة بدل إعادة توزيع السلطة. السؤال الحقيقي ليس من يحكم غدا، بل لمن تدار الثروة، وبأي أدوات، وعلى حساب من.
نحن أمام زمن تغلق فيه الجغرافيا على نفسها بقومية قنفدية، فيما تفتح الأسواق بلا حدود أمام رأس المال المسلّح. تتقلّص المسافة بين القانون والقوة حتى تكاد تختفي، وتتحول “الطبيعة” الجديدة للعالم إلى قدر يطلب من الشعوب التكيّف معه. مهمة اليسار الثوري هنا ليست البكاء على القواعد القديمة، بل كشف جوهر المرحلة: تسمية الأشياء بأسمائها، وبناء قوة اجتماعية قادرة على انتزاع السياسة من السوق، وإعادة ربط السيادة بالعدالة، لا بالبراميل ولا بالصفقات.
السياسة بعد موت الأقنعة لا تقاوم بالأخلاق المجردة، بل بتنظيم يعيد للناس حقهم في القرار، ويكسر معادلة “التفاوض بعد الفعل” بفعل شعبي يسبق الإملاء. دون ذلك، سيظل العالم يدار بالصدمة، وتطلب منا الحياة داخل خرائط رسمت ضدنا.
ليس ما نعيشه اليوم تحوّلا في أنماط الحكم، بل انقلابا في طبيعة السلطة ذاتها. السياسة، كما عرفت منذ نشوء الدولة الحديثة، كانت افتراضا ضمنيا بوجود مجتمع قابل للإدارة عبر التوازن، وبوجود صراع يمكن احتواؤه داخل قواعد، وبأن العنف ، رغم حضوره ، يظل الاستثناء الأخير. هذا الافتراض ينهار الآن. لا لأن البشر صاروا أكثر عنفا، بل لأن رأس المال لم يعد بحاجة إلى السياسة.
كارل ماركس كتب في البيان الشيوعي:
«السلطة السياسية، بالمعنى الدقيق للكلمة، ليست سوى السلطة المنظّمة لطبقة ما لقمع طبقة أخرى».
لكن ما نراه اليوم هو تطور هذه الفكرة إلى حدّها الأقصى: لم تعد السلطة بحاجة إلى تنظيم سياسي معقّد كي تمارس القمع، بل إلى آليات تقنية واقتصادية مباشرة. القمع لم يعد فعلا استثنائيا، بل نتيجة جانبية لـ«الإدارة الرشيدة».
في هذا الطور، لم تختف السياسة، لكنها فقدت استقلالها النسبي. أنطونيو غرامشي كان يرى أن الهيمنة تقوم على توازن بين القسر والرضا. اليوم يختل هذا التوازن جذريا. الرضا لم يعد ضروريا، والهيمنة لا تبنى عبر الإقناع، بل عبر استحالة البديل. ليست المشكلة أن الناس يقتنعون، بل أنهم لا يرون مخرجا.
هنا يصبح المال ليس أداة ضغط، بل بنية حكم. لم يعد الاقتصاد “قاعدة” والسياسة “بناء فوقيا” كما في التبسيط المدرسي للماركسية، بل اندمجا في جهاز واحد: جهاز إدارة الحياة والموت الاجتماعي. ميشال فوكو، حين تحدث عن “البيو-سياسة”، أشار إلى انتقال السلطة من حقّ القتل إلى تنظيم الحياة. اليوم نرى خطوة إضافية: تنظيم الانهيار. السلطة لا تمنع الكارثة، بل تديرها، توزّع آثارها، وتحوّلها إلى فرصة استثمار.
كارل بولاني، في التحول الكبير، حذّر مبكرا:
«حين يفصل الاقتصاد عن المجتمع، يدمّر المجتمع أو يثور دفاعا عن نفسه».
ما يحدث الآن هو تحقيق متأخر لهذه النبوءة. السوق لم يعد جزء من المجتمع، بل المجتمع صار ملحقا بالسوق. العمل، السكن، الصحة، التعليم ، كلها لم تعد حقوقا أو حتى سياسات، بل متغيرات في معادلة الربحية. والدولة، بدل أن تكون وسيطا، تحوّلت إلى ضامن للعنف الكامن في السوق.
في هذا السياق، لا يعود القانون إطارا ناظما، بل أداة انتقائية. يستعمل حيث يخدم، ويعلّق حيث يعيق. كارل شميت، المنظّر القانوني المحافظ، قال بوضوح مرعب:
«السيّد هو من يقرّر في حالة الاستثناء».
لكن الجديد اليوم هو أن الاستثناء صار قاعدة. الطوارئ الاقتصادية، الطوارئ الأمنية، الطوارئ الصحية ، كلها تتحول إلى وضع دائم يبرّر تعليق السياسة باسم الضرورة. وهنا تلتقي النيوليبرالية مع السلطوية لا كنقيضين، بل كشكلين متكاملين.
الشاهد التاريخي واضح: منذ أزمة 2008، لم يعالج النظام الرأسمالي أزمته، بل عمّمها. جرى إنقاذ البنوك، لا المجتمعات. جرى تحميل الكلفة للعمال، لا للمضاربين. ومنذ ذلك الحين، صار واضحا أن العقد الاجتماعي قد فسخ من طرف واحد. ما نراه اليوم هو تحصيل حاصل لمسار طويل، لا انحرافا مفاجئا.
روزا لوكسمبورغ كتبت في لحظة انهيار أخرى:
«الاشتراكية أو البربرية».
لم تكن هذه عبارة بلاغية، بل تشخيصا تاريخيا. البربرية هنا لا تعني الفوضى، بل نظاما شديد التنظيم بلا عدالة. نظاما يعمل بكفاءة، لكنه بلا أفق إنساني. وهذا بالضبط ما يتشكّل أمامنا: عالم يدار بكفاءة الأسواق، لكن دون أي سؤال عن المعنى أو المصير.
الأخطر في هذا الطور أن السياسة لم تعد تقمع من الخارج فقط، بل تفرّغ من الداخل. الأحزاب تتحول إلى آلات انتخابية بلا برامج طبقية، النقابات تدجّن أو تحاصر، والمجتمع المدني يختزل إلى مشاريع ممولة. هكذا تحاصر القدرة على إنتاج وعي جمعي، ويدفع الناس إلى الفردانية القصوى، حيث كل واحد يصارع وحده داخل سوق لا يرحم.
من هنا، فإن الحديث عن “عودة الفاشية” لا يكفي. نحن أمام شيء أكثر تعقيدا: سلطوية بلا أيديولوجيا كبرى، بلا وعد قومي جامع، بلا حتى حلم زائف. فقط إدارة باردة لمجتمعات فائضة عن الحاجة. وهذا ما يجعلها أخطر، لأنها لا تحتاج إلى تعبئة جماهيرية، بل إلى لامبالاة عامة.
ومع ذلك، فإن هذا الطور يحمل تناقضه القاتل. السلطة التي تحكم بلا معنى، تنتج فراغا وجوديا لا يمكن ملؤه إلى الأبد بالخوف. وحين تفشل في تقديم أفق وهمي ،تبدأ الشروخ بالظهور في أماكن غير متوقعة: في العمل الهش، في المدن المنسية، في الأجيال التي لا ترى مستقبلا.
المهمة اليسارية اليوم ليست الدفاع عن “الديمقراطية” بوصفها طقسا إجرائيا، بل إعادة السياسة إلى مادتها الاجتماعية: الصراع حول العمل، الثروة، والزمن. لا يمكن مواجهة سلطة بلا أقنعة بخطاب أخلاقي فقط، بل ببناء قوة اجتماعية تدرك أن ما يقدّم كضرورة تاريخية ليس سوى اختيار طبقي.
هذه ليست نهاية السياسة. هذه نهايتها كما أرادها النظام. وما بعد ذلك لم يكتب بعد.
و إذا السياسة قد اثبتت انها لم تعد المجال المركزي لإدارة الصراع، وأن السلطة انفصلت عن حاجتها إلى التمثيل والإقناع، فالأخطر : كيف صار الاقتصاد نفسه حامل السيادة، لا خادمها. نحن لا نتحدث عن “تغوّل اقتصادي” داخل السياسة، بل عن إزاحة كاملة لمركز القرار من المجال السياسي إلى مجال التراكم.
في الرأسمالية الكلاسيكية، كان التراكم يحتاج الدولة: القوانين، الجيوش، الحدود، العملة. أما اليوم، فقد بلغ التراكم درجة من الكثافة تجعله يعيد تشكيل الدولة على صورته. لم تعد الدولة شرطا للتراكم، بل صارت إحدى نتائجه. وهذا التحول هو ما يفسّر هشاشة الدول، حتى القوية منها، أمام حركة المال والتكنولوجيا.
ماركس، في رأس المال، ميّز بين التراكم “البدائي” والتراكم الموسّع، وبيّن أن العنف كان شرط النشأة. لكن ما لم يكن ممكنا في القرن التاسع عشر هو ما نراه اليوم: استدامة العنف دون حاجة إلى لحظة تأسيس جديدة. العنف لم يعد مرحلة، بل وظيفة دائمة داخل النظام. وظيفة تمارس عبر آليات تبدو غير عنيفة: الأسواق، القروض، إعادة الهيكلة، “الإصلاحات”.
هنا تحديدا يجب التوقف عند وهم شائع: أن النيوليبرالية تعني “انسحاب الدولة”. الواقع أن ما حدث هو تحويل الدولة من أداة تنظيم اجتماعي إلى أداة فرض اقتصادي. الدولة لم تختف، بل تغيّر دورها. لم تعد تحمي المجتمع من السوق، بل تحمي السوق من المجتمع. هذا هو جوهر الانقلاب.
كارل بولاني كان قد نبّه إلى أن السوق حين ينفصل عن المجتمع يدمّره. لكن ما لم يتخيّله هو أن هذا التدمير يمكن أن يدار ببرودة، دون انفجارات فورية. فبدل الانهيار الشامل، نعيش انهيارا مقنّنا: تآكل بطيء للأجور، تفكك للضمانات، خصخصة للحياة اليومية. وهنا يكمن ذكاء السلطة الجديدة: إنها لا تقتل دفعة واحدة، بل تنهك.
الاقتصاد، في هذا الطور، لم يعد مجال إنتاج الثروة فحسب، بل أداة إعادة هندسة المجتمعات. عبر الدين، يعاد ترتيب الأولويات الوطنية. عبر العملة، تعاد صياغة موازين القوى الطبقية. عبر البطالة، يضبط السلوك السياسي. لم يعد القمع يحتاج إلى شرطي في كل شارع، لأن السوق يؤدي المهمة بكفاءة أعلى.
ميشال فوكو حين تحدث عن “الحكومية”، أشار إلى انتقال السلطة من فرض القانون إلى إدارة السكان. اليوم نشهد قفزة إضافية: إدارة السكان عبر إدارة المخاطر الاقتصادية. المواطن لا يخضع لأنه مخالف، بل لأنه معرّض للفقر، لفقدان العمل، لفقدان السكن. الخضوع هنا ليس نتيجة الخوف من العقاب، بل من السقوط.
وهذا ما يجعل الاقتصاد أخطر من العنف المباشر. العنف ينتج مقاومة واضحة، أما الاقتصاد فينتج شعورا بالذنب والعجز الفردي. الفشل يقدّم كمسؤولية شخصية، لا كنتيجة بنيوية. وهكذا تفكّك الروابط الطبقية، ويعاد إنتاج النظام عبر أفراد معزولين يلومون أنفسهم.
في هذا السياق، تتبدّى الإمبريالية بصيغة جديدة. لم تعد تحتاج دائما إلى احتلال الأرض، بل إلى احتلال القرار. الدول الطرفية لا تحكم بالقوة العسكرية فقط، بل عبر شروط الاندماج في السوق العالمي. القبول بهذه الشروط يقدّم كخيار عقلاني وحيد. أي محاولة للخروج تواجه بالعقوبات، العزلة، أو الانهيار المدار.
لينين رأى أن الإمبريالية هي تصدير رأس المال بحثا عن الربح الأعلى. اليوم، تصدير رأس المال ترافقه تصدير نمط حكم كامل: تشريعات، سياسات نقدية، أنماط إدارة، وحتى ثقافة سياسية تجرّم أي خروج عن “العقلانية الاقتصادية”. السيادة هنا لا تلغى رسميا، لكنها تفرغ فعليا.
الشاهد الصارخ هو ما حدث بعد الأزمات الكبرى:
– بعد أزمة 2008، لم يعاد تنظيم النظام المالي، بل جرى تكريس هيمنته.
– بعد جائحة كورونا، لم تستعد الدولة الاجتماعية، بل توسّعت المراقبة وتعمّق الدين.
– بعد كل صدمة، يقال إن “لا بديل”.
هذا “اللا بديل” هو أخطر سلاح أيديولوجي في عصر بلا أيديولوجيا. مارغريت تاتشر صاغته بوضوح: There is no alternative. اليوم، لم يعد شعارا سياسيا، بل حقيقة مفروضة. وحين يقنع النظام الناس بأن البديل مستحيل، يكون قد انتصر دون معركة.
لكن هذا الانتصار يحمل تناقضه البنيوي. اقتصاد يحكم كل شيء لا يستطيع تحمّل السياسة، لكنه في الوقت نفسه ينتج سياسة مضادة شاء أم أبى. فحين تختزل الحياة إلى حسابات ربح وخسارة، يصبح الغضب حتميا، حتى لو كان بلا لغة واضحة في البداية.
السلطة لم تعد تحتاج إلى شرعية، لأن الاقتصاد يمنحها ما هو أقوى: القدرة على جعل الخضوع يبدو كخيار عقلاني، بل كضرورة وجودية.
المهمة اليسارية الثورية، في هذا المستوى، لم تعد فقط فضح الهيمنة، بل تفكيك بداهتها. إعادة تسييس ما جرى نزع السياسة عنه: العمل، الأجر، الدَّين، الزمن. لأن السياسة لن تعود من القصور ولا من المؤسسات المفرغة، بل من استعادة الصراع حول ما يقدّم اليوم كمسألة تقنية.
هذه ليست معركة أفكار فقط، بل معركة إعادة تعريف الواقع نفسه.
فحين يقال إن الاقتصاد قدر، تكون أولى مهام السياسة الثورية هي القول: لا.
حين يصبح الاقتصاد سيادة، كما بيّنا ، لا يعود العالم متساويا أمام هذه السيادة. فالقوة لا تمارس في فراغ، بل تبحث دائما عن المكان الأسهل للكسر. من هنا، لا يمكن فهم ما يجري في الدول الطرفية بوصفه نتيجة فشل محلي أو سوء إدارة فقط، بل باعتباره وظيفة داخل النظام العالمي الجديد.
الدولة الطرفية ليست استثناء عن القاعدة، بل أحد شروط اشتغالها. إنها المساحة التي تختبر فيها السياسات القصوى، قبل أن تعاد صياغتها وتخفيفها لتصدّر لاحقا إلى المركز. ما يفرض بالقوة الصريحة هنا، يقدّم هناك كإصلاح تدريجي.
سمير أمين كان واضحا حين قال إن الرأسمالية العالمية لا تنتج تنمية متكافئة، بل تراكما في المركز وتفكيكا في الأطراف. لكن الجديد اليوم هو أن هذا التفكيك لم يعد نتيجة جانبية، بل غاية بحد ذاته. الدولة الطرفية لم تعد مطلوبة بوصفها شريكا تابعا، بل بوصفها كيانا قابلا لإعادة التركيب الدائم.
فحين يتحول الاقتصاد إلى أداة حكم، تصبح الدولة الطرفية هي الحلقة التي يمكن شدّها حتى الانكسار دون كلفة كبرى على النظام. لماذا؟ لأنها تعيش أصلا في حالة “طوارئ دائمة”: عجز مالي، هشاشة اجتماعية، انقسام سياسي، اعتماد على الخارج. هذه الطوارئ ليست خللا طارئا، بل بنية مدارة.
هنا لا تفرض السياسات الاقتصادية فقط، بل يعاد تعريف معنى الدولة نفسه. لم تعد الدولة إطارا للسيادة الشعبية أو حتى للإدارة الوطنية، بل واجهة تنفيذية لشروط خارجية. البرلمان، الحكومة، الدستور ، كلها تظل قائمة شكليا، لكنها تدار داخل هامش ضيق مرسوم سلفا. القرار الحقيقي يتخذ في مكان آخر، بلغة أخرى، وبمنطق آخر.
بيير بورديو حذّر من أن النيوليبرالية ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل “مشروع تدمير ممنهج للبنى الجماعية”. في الدولة الطرفية، هذا التدمير يأخذ طابعا أشد قسوة، لأنه ينفّذ على مجتمعات لم تستكمل فيها أصلا شروط الدولة الاجتماعية. النتيجة ليست فقط فقرا، بل تفككا اجتماعيا معمّما: تآكل الطبقات الوسطى، انفجار الاقتصاد غير النظامي، هجرة جماعية، وانسحاب بطيء من المجال العام.
وهنا نصل إلى النقطة الأخطر:
الهشاشة لا تستغل فقط، بل تنتج وتدار. الانقسام السياسي يغذّى، الصراع الهوياتي يضخّم، والمؤسسات تترك لتضعف، لأن مجتمعا منقسما لا يستطيع إنتاج مقاومة منظمة. كل شق داخلي يتحول إلى مدخل خارجي، وكل أزمة داخلية تستثمر كذريعة لمزيد من “الإصلاحات”.
حنة آرندت قالت إن السلطة الشمولية تزدهر حين يتحول الأفراد إلى كتل معزولة. ما نراه اليوم هو نسخة اقتصادية من هذا المنطق: تفكيك المجتمع إلى أفراد متنافسين على البقاء. العامل ضد العاطل، الموظف ضد المهاجر، القطاع العام ضد الخاص. هكذا تمحى خطوط الصراع الطبقي، ويعاد رسم الخريطة على أسس جانبية.
في هذا السياق، تفقد الدولة الطرفية قدرتها على إنتاج سردية وطنية جامعة. لا لأنها فاسدة فقط، بل لأنها منزوعة الأفق. لا مشروع، لا وعد، لا مستقبل قابل للتخيّل. ومع غياب الأفق، يصبح الاستقرار نفسه سلعة مؤقتة، تشترى بالديون أو بالقمع أو بالارتهان.
والأخطر: أن هذا الوضع يقدّم كقدر. يقال إن “العالم هكذا”، وإن “الاندماج في السوق” هو الخيار الوحيد. هنا يتكامل منطق ما سبق ذكره: الاقتصاد كسيادة لا يفرض نفسه بالقوة فقط، بل بإلغاء إمكان التفكير في بديل. السياسة تختزل إلى إدارة العجز، والمعارضة تدجّن داخل هذا السقف.
لكن هذا السقف، مهما بدا محكما، يحمل تصدعاته. فالدولة التي تتحول إلى مجرد وسيط بين الداخل والخارج تفقد شرعيتها الاجتماعية، حتى لو احتفظت بشرعيتها الشكلية. والمجتمع الذي يدفع إلى حافة البقاء لا يبقى ساكنا إلى الأبد. التاريخ يعلّمنا أن الانفجارات لا تأتي دائما من حيث يتوقع، ولا بالضرورة بالشعارات القديمة.
و هكذا، تتحدد معركة اليسار الثوري اليوم. ليست معركة سيادة مجردة، ولا ديمقراطية إجرائية، بل معركة إعادة بناء المجتمع كفاعل سياسي. لأن الدولة لا تستعاد من فوق، بل تعاد صياغتها من تحت، حين يتحول المتضررون من “الإصلاحات” إلى قوة واعية بذاتها.
ما دام الاقتصاد يستعمل كسلاح، فالمقاومة لا يمكن أن تكون خطابا أخلاقيا فقط، بل تنظيما اجتماعيا يضرب في قلب هذا السلاح: العمل، الأرض، الخدمات، والزمن الاجتماعي. دون ذلك، ستظل الدولة الطرفية تدور في حلقة إعادة التفكيك، وتظل السلطة العالمية تمارس حكمها بلا ضجيج.
فقد رأينا كيف تدار الهشاشة في الدولة الطرفية، وكيف يعاد تعريف الدولة كواجهة تنفيذية لا كفضاء سيادي. لكن هذا التحول لا يكتمل إلا بشرط حاسم: تفكيك البنى التي كانت تسمح للمجتمع بأن يكون فاعلا سياسيا. هنا ندخل إلى لحظة تاريخية دقيقة: لحظة سقوط الوسطاء.
الأحزاب، النقابات، الجمعيات، المنظمات المهنية ، هذه لم تكن يوما مجرد هياكل تنظيمية، بل كانت آليات تحويل الغضب الاجتماعي إلى فعل سياسي. كانت تبطئ الصدمة، تترجم المصالح، وتخلق زمنا للصراع. ما يحدث اليوم هو القضاء المنهجي على هذا الزمن.
أنطونيو غرامشي سمّى هذه البنى “الخنادق المتقدمة” للمجتمع في مواجهة السلطة. وحين تنهار الخنادق، لا يعني ذلك نهاية الحرب، بل تحولها إلى مواجهة مباشرة غير متكافئة. وهذا بالضبط ما يخدم السلطة الاقتصادية الجديدة: مجتمع بلا وسطاء هو مجتمع مكشوف.
فالدولة الطرفية، بوصفها مختبرا، تحتاج مجتمعا عاجزا عن تنظيم نفسه. والهشاشة التي تدار اقتصاديا تستكمل بتجفيف القنوات السياسية. لا يكفي إفقار الناس؛ يجب أيضا تفكيك قدرتهم على الاجتماع، التمثيل، والتفاوض.
الأحزاب السياسية، في هذا السياق، لم تقص فقط بالقمع، بل جرى إفراغها من مضمونها الطبقي. تحولت من أدوات صراع إلى آلات انتخابية، من حوامل برامج إلى واجهات تواصل. السياسة صارت مهنة، لا ممارسة جماعية. وهنا يتحقق ما حذّر منه ماكس فيبر: احتراف السياسة بوصفه مسارا فرديا يفصل القادة عن القاعدة الاجتماعية.
أما النقابات، فقد جرى تطويقها بإستراتيجية مزدوجة:
– من جهة، إدماجها في منطق “الشراكة الاجتماعية” حيث تطلب منها إدارة الخسارة بدل مقاومتها.
– ومن جهة أخرى، ضرب قواعدها عبر تفكيك العمل نفسه: هشاشة، عقود مؤقتة، اقتصاد منصات، بطالة بنيوية.
هكذا يكسر العمود الفقري للتنظيم العمالي. العامل لم يعد يرى نفسه جزء من قوة جماعية، بل فردا قابلا للاستبدال. وهذا يعيدنا إلى لبّ الاقتصاد كسلاح لا يعمل إلا حين يتحول الخوف إلى تجربة فردية لا إلى قضية عامة.
المجتمع المدني، الذي قدّم طويلا كبديل تقدمي، لم ينج بدوره. في كثير من الحالات، جرى تحويله إلى فضاء إدارة للأعراض لا للأسباب. مشاريع، تقارير، تمويل مشروط. بدل مساءلة بنية السلطة، يطلب منه التكيّف معها. وهكذا تتحول القضايا الاجتماعية إلى ملفات تقنية، وتنزع عنها شحنتها السياسية.
حنة آرندت نبّهت إلى أن أخطر ما في العزلة ليس القمع، بل فقدان القدرة على الفعل المشترك. هذا ما نراه اليوم: تفكيك المجتمع إلى جزر أخلاقية منفصلة. كل فئة تناضل داخل لغتها الخاصة، دون أفق جامع، ودون قدرة على بناء قوة مضادة شاملة.
وهنا تكتمل الدائرة مع ما سبق:
– سلطة عارية لا تحتاج إلى شرعية .
– اقتصاد يحكم مباشرة وينتج الخضوع .
– دولة طرفية تدار كهامش وظيفي.
– ومجتمع منزوع الأدوات، بلا وسطاء، بلا ذاكرة تنظيمية .
في هذا السياق، يصبح الغضب منتشرا لكنه غير منظّم، كثيفا لكنه بلا اتجاه. الاحتجاجات تندلع ثم تنطفئ، الانفجارات تحدث دون تراكم. وهذا ليس فشلا أخلاقيا للشعوب، بل نتيجة بنيوية لتدمير أدوات التنظيم.
السلطة الاقتصادية الجديدة لا تخاف من الغضب، بل من الغضب المؤطر. لا تخاف من الصراخ، بل من البرنامج. لا تخاف من الفوضى، بل من التنظيم. لذلك، تترك الأزمات لتتفاقم، ما دامت لا تنتج قوة سياسية بديلة.
لكن هذا الوضع، كما في كل لحظة تاريخية، يحمل تناقضه الداخلي. المجتمع الذي يجرّد من وسائطه القديمة لا يبقى إلى الأبد بلا وسائط. السؤال ليس هل ستظهر أشكال تنظيم جديدة، بل أي نوع منها:
هل ستكون سلطوية، هوياتية، عنيفة؟
أم ستكون قادرة على إعادة ربط الاجتماعي بالسياسي، والاقتصادي بالتحرر؟
هنا تحديدا تطرح مهمة اليسار الثوري اليوم، لا كحارس لأشكال ماتت، بل كقوة قادرة على ابتكار وسائط جديدة، تنطلق من الواقع لا من الحنين، وتعيد بناء السياسة حيث جرى قتلها: في العمل، في الحيّ، في الحياة اليومية.
لأن ما سقط ليس الرغبة في التغيير، بل أدواته القديمة.
وما لم يبن بعد هو ما سيحسم شكل المرحلة القادمة.
و بهذا وصلنا إلى نقطة حاسمة: مجتمع منزوع الوسائط، غاضب بلا تنظيم، متألم بلا لغة جامعة. هذه ليست حالة استثنائية ولا انتقالية قصيرة، بل مرحلة تاريخية قائمة بذاتها. وهنا يحدث التحول النوعي: الفراغ الذي خلّفه انهيار السياسة لا ينتج تلقائيا سياسة أرقى، بل يفتح المجال لأشكال بديلة من السلطة.
فحين تدمّر الوسائط التي كانت تؤطر الغضب وتحوّله إلى مشروع، لا يختفي الغضب، بل ينفصل عن العقل السياسي. وعندما ينفصل الغضب عن التنظيم، يصبح مادة خام سهلة التشكيل.
كارل بولاني وصف لحظة مشابهة في أوروبا الثلاثينات حين قال إن المجتمع، حين يترك عاريا أمام السوق، يبحث عن حماية بأي ثمن. هذه الحماية لا تأتي بالضرورة من اليسار أو من مشاريع تحررية، بل كثيرا ما تأتي في هيئة سلطة تعد بالنظام، الهوية، والاستقرار الرمزي.
هكذا تولد الشعبويات السلطوية لا كـ”انحراف ثقافي”، بل كحلّ بديل لفراغ سياسي عميق. إنها لا تقنع الناس ببرنامج، بل تمنحهم إحساسا بالانتماء، وتحوّل الألم الاجتماعي إلى سردية بسيطة: عدو واضح، خطاب مباشر، وعد بالخلاص السريع.
فتفكيك النقابات والأحزاب لا يؤدي إلى فردانية هادئة، بل إلى جماهير معزولة تبحث عن رابط بديل. هذا الرابط لا يكون طبقيا ولا تحرريا، بل هوياتيا، أخلاقيا، أو سلطويا.
حنة آرندت، في تحليلها لصعود التوتاليتارية، لم تبدأ بالدكتاتور، بل بالوحدة الاجتماعية. الفرد المنعزل، المنفصل عن بنى التضامن، هو المادة المثالية لكل سلطة شمولية. وهذا ما نراه اليوم في صيغ محدثة:
– زعيم بدل حزب
– جمهور بدل تنظيم
– عاطفة بدل برنامج
الخطير هنا أن هذه الأشكال لا تأتي من خارج النظام، بل من داخله. إنها وظيفية للسلطة الاقتصادية نفسها. فالشعبوية السلطوية لا تمسّ جوهر العلاقات الاقتصادية، بل تعيد تغليفها أخلاقيا. تحوّل الصراع الطبقي إلى صراع قيم، والصراع الاجتماعي إلى مسألة انضباط.
بهذا المعنى، فإن “الوحش” الذي يولد من الفراغ ليس نقيض النيوليبرالية، بل وجهها السياسي حين تفشل الديمقراطية التمثيلية في احتواء التناقضات. السوق يبقى، لكن مع قبضة أشد؛ التفاوت يستمر، لكن مع خطاب قومي أو أخلاقي يبرّره.
وهنا يظهر الفارق الحاسم بين الغضب والتحرر.
الغضب يمكن استثماره من أي جهة.
أما التحرر، فلا يولد إلا من تنظيم واع بطبيعة الصراع.
لكن التحليل لا يكتمل دون الإشارة إلى التناقض الكامن في هذا الامتلاء المشوّه. فالشعبوية السلطوية، رغم قدرتها على التعبئة السريعة، تعاني من عجز بنيوي:
– لا تستطيع حل الأزمة الاقتصادية.
– لا تستطيع إنتاج عدالة اجتماعية.
– ولا تستطيع إلغاء التناقضات التي ولّدتها.
إنها تؤجّل الانفجار، لكنها لا تمنعه. تسكّن الألم بالهوية، لكنها لا تعالج الجرح. وهنا، مرة أخرى، يعود السؤال بصيغة أكثر إلحاحا:
إذا كان الفراغ قد امتلأ بأشكال مشوّهة من السلطة، فكيف يمكن إعادة فتح السياسة دون الوقوع في الحنين أو في التبسيط؟
هذا السؤال هو الجسر نحو ما سيأتي.
في خضم التحولات التي رصدناها ، حيث انهارت الوسائط التقليدية التي كانت تربط المجتمع بالسلطة، وتفككت المؤسسات التي كانت تحفظ توازنا بين الاقتصاد والسياسة، ويدار العالم بقوة مالية مباشرة أكثر من أي خطاب سياسي، يظهر مشهد جديد أكثر حدة: السلطة التي تبدو مكتملة الآن ليست سوى قناع يخفي هشاشة المجتمع الذي تحكمه. هذا المشهد الجديد لا يحتاج إلى إعلان؛ هو مشهد متفجر في كل تفاصيل الحياة اليومية، حيث تزداد الصراعات بين ما هو ظاهر وما هو حقيقي، بين ما يفرض وبين ما يختبر في أعماق المجتمع، وبين القوة الرمزية والضعف البنيوي. في هذا الإطار، تبدأ السلطوية الحديثة في ملء الفراغ الذي خلّفه تفكك الوسطاء، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن محدوديتها العميقة، فهي قوية في المظاهر وضعيفة في الجذور، ممتلئة بالمظهر لكنها خاوية من العمق، مهيمنة شكليا لكنها عاجزة عن إنتاج ولاء حقيقي، أو إعادة بناء مجتمع قادر على الفعل الجماعي المستقل.
إن ما يميز هذا الامتلاء السلطوي ليس خطاب القوة فحسب، بل قدرة هذه السلطة على استثمار هشاشة المجتمع وتحويل الفراغ إلى أداة للسيطرة. فالخطاب الأخلاقي يحل محل البرنامج السياسي، والزعماء يحلون محل الأحزاب، والحشود العاطفية تحل محل التنظيم الجماعي، لكن هذا لا يمنح السلطة قوة مستدامة، بل يتركها معرضة لكل تقلب اقتصادي أو أزمة غير متوقعة. هنا تظهر الهشاشة التي تغلغلت لتصبح جزء من النظام الجديد، إذ أصبح الامتلاء السلطوي امتدادا للفراغ، ولكنه مقلوب الشكل: السلطة موجودة لكنها لا تستطيع سد الفراغ الاجتماعي أو إنتاج أدوات جديدة للتنظيم.
ومع ذلك، يظل الفراغ البنيوي مادة خصبة لفهم الواقع السياسي المعاصر، فالمجتمع الذي فقد وسائطه التقليدية لا يزال يمتلك نقاط ضعف يمكن استثمارها، فهو معرض للضغط والتهديد، ولكنه في الوقت نفسه مجبر على البحث عن وسائل للبقاء والتعاون. وهذا ما يجعل هشاشة الاقتصاد والضغوط اليومية ليست مجرد قيود، بل محفزات لإعادة إنتاج التنظيم على شكل جديد، شبكات غير رسمية وطرق مبتكرة للتعاون اليومي، تتجاوز المؤسسات التقليدية، وتعيد صياغة الفعل السياسي من خلال التجربة اليومية. الفراغ هنا ليس سلبيا بالكامل، بل يمثل إمكانية للتجديد إذا تم استغلاله بذكاء سياسي ثوري.
السلطوية التي تمتلئ الفراغ تعمل على تحويل الانقسام الاجتماعي والهوياتي إلى أدوات للطاعة، فتخلق شبكة من الولاء المزعوم، لكنها في العمق ضعيفة، لأنها لا تستطيع إنتاج هيمنة حقيقية مبنية على قبول المجتمع، وإنما تعتمد على الرغبة في السيطرة والخوف من الخروج عن القواعد المعلنة. هذه المفارقة تعكس هشاشة السلطة أكثر مما تعكس قوتها، إذ كل محاولة لاستقرار المظاهر، سواء بالاقتصاد أو بالقانون أو بالخطاب، تظل معرضة للانهيار بمجرد حدوث صدمة اقتصادية أو اجتماعية جديدة، لأن البنية الأساسية للمجتمع لم تعاد بناؤها ولم يستعد لإنتاج أدوات مقاومة أو تنظيم.
في هذا الإطار، تكمن الفرصة الثورية في الشقوق التي تتركها السلطوية المشوهة، في المساحات التي تخلو من التنظيم وتفتح أبوابا للابتكار السياسي والاجتماعي. فالخطر لا يكمن فقط في السلطة، بل في الفراغ الذي يتركه الأداء السلطوي، وفي الطريقة التي يمكن أن يستغل فيها هذا الفراغ لإعادة إنتاج قوة اجتماعية حقيقية، ليس كقوة تقليدية تحاكي الماضي، بل كشبكة حية متعددة الطبقات، مرنة، قابلة للتعلم، ومتجاوزة للهويات المغلقة التي استغلت من قبل السلطة. الإمكان الثوري الحقيقي يكمن في تحويل هذه الشقوق إلى فرص لإعادة الاجتماع السياسي، لإعادة إنتاج أدوات تنظيمية جديدة، تعيد للأفراد القدرة على الفعل الجماعي اليومي، وتجعل المجتمع قادرا على مواجهة السلطة الرمزية والهشاشة البنيوية في آن واحد.
إن الدرس المستخلص هنا هو أن الامتلاء السلطوي الحالي، مهما بدا ظاهرا وفعالا، ليس إلا وجها آخر للهشاشة الاجتماعية. السلطة تمارس السيطرة لكنها عاجزة عن بناء مجتمع متماسك، والفرد المنعزل يعاني من تأثير اقتصادي واجتماعي مزدوج، والفراغ الذي يملأه الخطاب الرمزي لا يزال يحتوي على إمكانات لإعادة التفكير في الفعل السياسي، بعيدا عن التقليد والاستنساخ، وفي إطار شبكة من العلاقات الجديدة التي يمكن للتيار الثوري أن يبدأ في بنائها اليوم.
فالسلطوية الحديثة، رغم صلابتها الظاهرية، عاجزة عن إعادة بناء الاجتماع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق بالسلطة ذاتها، بل بما يتشكل خارج مجال رؤيتها. فالسلطة، حين تملأ الفراغ بالقوة والرمز والخطاب، تفترض ضمنيا أن المجتمع لم يعد قادرا على إنتاج سياسة خاصة به، وأن الحياة الاجتماعية صارت مجرد مادة خام للضبط والإدارة. غير أن هذا الافتراض هو أحد أعطب افتراضات السلطوية المعاصرة، لأنه يخلط بين غياب السياسة الرسمية وبين غياب السياسة كفعل اجتماعي.
ما لا تراه السلطوية، أو لا تريد أن تراه، هو أن الحياة اليومية نفسها تتحول، تحت ضغط الاقتصاد والهشاشة، إلى حقل سياسي غير معلن. ليس بالمعنى الكلاسيكي للاحتجاج أو التنظيم، بل بمعنى أعمق وأكثر خطورة على النظام: إعادة تعريف العلاقات، القيم، وأنماط التضامن خارج منطق الدولة والسوق معا. هنا، لا نتحدث عن “مقاومة” بالمعنى المباشر، بل عن تشكّل بطيء لشبكات حياة لا تنتظر إذنا سياسيا كي توجد.
في المجتمعات التي جرى تفكيك وسائطها، لا يعود الفعل السياسي مسألة استثنائية، بل يصبح جزء من تدبير البقاء نفسه. الناس، حين تسحب منهم الحماية الاجتماعية، وحين تتحول الدولة إلى جهاز ضبط لا رعاية، يجبرون على ابتكار أشكال تعاون لا تمر عبر القنوات الرسمية. هذه الأشكال قد تبدو صغيرة، هامشية، غير مؤدلجة، لكنها تحمل في جوهرها ما هو أخطر على النظام من الخطابات الكبرى: إنها تعيد إنتاج الاجتماع من دون السلطة.
هنا يظهر التحول النوعي: السياسة لم تعد تبدأ من البرامج ولا من الأحزاب، بل من الحاجة. الحاجة إلى العمل، إلى السكن، إلى الأمان، إلى المعنى. وحين تصبح الحاجة هي نقطة الانطلاق، فإن السياسة تتحرر من الأوهام الإيديولوجية الجاهزة، وتبدأ في التشكل كعلاقة مباشرة بين البشر. هذا ما قصده كارل بولاني حين تحدث عن “المجتمع الذي يدافع عن نفسه” في مواجهة السوق المنفلتة. الدفاع هنا لا يكون عبر الدولة، بل عبر إعادة نسج الروابط التي حاولت السوق والسلطة معا تفكيكها.
السلطوية، في هذا السياق، تبدو قوية لأنها تسيطر على المجال العام الرسمي، لكنها تفقد السيطرة على المجال الاجتماعي غير المرئي. إنها تراقب المظاهرات، لكنها لا ترى شبكات التضامن. تتابع الخطابات، لكنها لا تفهم التحولات الصامتة في أنماط العيش. تقيس الولاء عبر الانتخابات أو الاستفتاءات أو نسب التأييد، لكنها تعجز عن قياس ما يتآكل يوميا: الثقة، الشرعية، والقبول الضمني.
وإذا كانت السلطوية تمثل امتلاء فوقيا، فإن ما يتشكل في الأسفل هو امتلاء من نوع آخر، لا يحتاج إلى إعلان ولا إلى زعيم. إنه امتلاء بطيء، متشظ، لكنه حقيقي، لأنه ينبع من التجربة المعاشة لا من الخطاب المفروض. هذا الامتلاء لا ينافس السلطة على موقعها، بل يسحب منها أرضيتها الاجتماعية دون صدام مباشر.
غير أن هذا المسار لا يحمل في ذاته ضمانة ثورية تلقائية. فكما يمكن لشبكات الحياة أن تتحول إلى نواة فعل جماعي، يمكن أيضا أن تحتوى، تفكك، أو تستنزف. التاريخ مليء بأمثلة عن مبادرات اجتماعية انتهت إلى أشكال من التكيّف بدل التغيير. الفرق هنا لا تصنعه النوايا، بل القدرة على تحويل التجربة الاجتماعية إلى وعي سياسي دون اختزالها في شعارات.
من هنا، يصبح دور اليسار الثوري مختلفا جذريا عما اعتاده. لم يعد دوره قيادة الجماهير من فوق، ولا تمثيلها في مؤسسات فقدت معناها، بل الإنصات، الفهم، والاشتباك الذكي مع ما يتشكل فعلا في القاع الاجتماعي. الاشتباك لا يعني الهيمنة، بل الربط، لا يعني التأطير القسري، بل فتح أفق مشترك بين تجارب متفرقة. اليسار هنا لا “ينشئ” السياسة، بل يساعدها على أن تعي ذاتها.
في هذا المستوى، تصبح السياسة أقل صخبا وأكثر عمقا. لا تقاس بعدد اللافتات، بل بقدرة الناس على تنظيم حياتهم خارج منطق الإقصاء. لا تقاس بسرعة التغيير، بل بمدى ترسخ العلاقات الجديدة. وهذا ما يجعل هذه المرحلة خطرة على النظام: لأنها لا تقدم هدفا واضحا يمكن ضربه، ولا قيادة يمكن اعتقالها، ولا خطابا يمكن شيطنته بسهولة.
إننا، في هذا المعنى، أمام انتقال هادئ لكنه حاسم: من سياسة تدار من فوق إلى سياسة تنمو من تحت، من صراع على السلطة إلى صراع على معنى الاجتماع ذاته. وهذا الانتقال لا يلغي الصدام، لكنه يؤجله، يعيد تشكيله، ويحرمه من شروطه القديمة. حين تصل هذه الدينامية إلى مستوى معين من التماسك، تصبح السلطوية، بكل أدواتها، في موقع الدفاع، حتى وإن بدا العكس في الظاهر.
وهكذا، لا تعود المسألة هي متى تسقط السلطة، بل متى يصبح المجتمع قادرا على الاستغناء عنها بوصفها وصيا على حياته. تلك هي اللحظة التي تبدأ فيها السياسة من جديد، لا كحدث درامي، بل كتحول عميق في طريقة العيش المشترك.
وإذا كنا قد وضعنا السلطة المملوءة شكليا في مواجهة الفراغ البنيوي للمجتمع، والدفعة السابعة أظهرت كيف تتحرك الحياة اليومية خارج مجال الرؤية السلطوية، فإن هذه الدفعة تتخذ خطوة إضافية نحو استكشاف الفعل الثوري الممكن داخل هذا الواقع المعقد. هنا لا ينظر التحليل إلى السلطة كمجرد خصم أو هدف، بل إلى شبكات الحياة المتشكلة في القاع الاجتماعي كأرض للتموضع الثوري، وإلى الفراغ البنيوي والهشاشة الاجتماعية كمساحة إمكان، يجب استثمارها بذكاء استراتيجي.
في سياق عالمي تتسارع فيه التحولات الاقتصادية، وتزداد فيه قوة الشركات الكبرى على حساب الدولة التقليدية، يظهر الفعل السياسي الثوري ليس بوصفه معركة على الحكم، بل بوصفه جهدا لإعادة إنتاج الاجتماع السياسي نفسه. فالسلطوية اليوم، مهما بدت قوية، عاجزة عن إنتاج ولاء حقيقي، عاجزة عن خلق تماسك اجتماعي مستدام، وهي تعتمد على الرمزية والخطاب والحشد اللحظي بدل المؤسسة والتنظيم، وهذا ما يمنح الفعل الثوري، رغم محدوديته الظاهرة، قدرة هائلة على النمو في الظل. كما قال أنطونيو غرامشي: السيطرة الحقيقية لا تأتي فقط من القوة، بل من قدرة المجتمع على إنتاج نفسها ضد الهيمنة المفروضة. هنا تكمن الفرصة، ليست في المواجهة المباشرة، بل في الاستثمار الذكي في الحياة اليومية والهويات الموازية والشبكات الصغيرة التي تتشكل تحت الضغط.
الفعل الثوري في هذا السياق يبدأ من التجربة الحياتية اليومية: التجمعات الصغيرة، التعاون الطوعي، شبكات الدعم الاقتصادي والاجتماعي، أشكال التضامن المبتكرة في الأحياء والمدن والمدارس ومواقع العمل، وحتى عبر الفضاءات الرقمية التي تسمح للناس بربط علاقاتهم بطريقة لم تعد السلطة قادرة على التحكم بها. هذه التجارب المتناثرة، رغم هشاشتها الظاهرة، تحمل في جوهرها القدرة على إنتاج وعي جماعي جديد، وخلق قوة اجتماعية أكثر عمقا من أي خطاب سلطوي، لأن هذه القوة ليست مفروضة، بل مكتسبة عبر الممارسة والتجربة المشتركة.
لكن هذه العملية ليست تلقائية، فهي تحتاج إلى فهم معمق لهشاشة السلطة وهشاشة المجتمع في الوقت نفسه، فالتحدي هنا هو أن يبقى الفعل حرا، غير مقيد بالهياكل التقليدية، لكنه في الوقت نفسه قادر على التنسيق، التعلم الجماعي، والحماية من الاستيعاب السلطوي أو السوقي.
الشاهد في هذا التحليل هو أن الثورة لم تعد مجرد اقتحام المؤسسات أو إسقاط الحكام، بل أصبحت عملية إعادة إنتاج الاجتماع السياسي داخل الحياة اليومية نفسها، عبر أشكال مرنة، متعددة، تتعلم من تجاربها، وتعيد إنتاج القيم المشتركة من دون الحاجة إلى وسائط تقليدية ميتة. هنا يظهر دور الفكر الثوري الذي لا يركز على الحدث الكبير، بل على تراكم القدرة على التنظيم والتأثير من القاع إلى الأعلى، وهو ما يجعل كل محاولة للسلطة للسيطرة المباشرة أقل فعالية لأنها تواجه قوة متزايدة غير مركزية، أكثر صلابة في جوهرها مما تبدو عليه في الظاهر.
وهنا تتضح أهمية الاستراتيجية الثورية المعاصرة: ليست محاولة لتقليد الماضي، بل استثمار الفراغ والهشاشة والشقوق التي تركتها السلطوية، وإنتاج أدوات تنظيمية جديدة تتكيف مع الواقع المعاش. فالتحولات الاقتصادية، الضغوط الاجتماعية، الانقسامات الهوياتية، ليست مجرد عوائق، بل عوامل محرّكة يمكن للتيار الثوري أن يستخدمها لإعادة بناء الاجتماع، لتوسيع دائرة التأثير، ولخلق بيئة تسمح للسياسة بالعودة كحياة جماعية، لا كأداة قوة أو خطاب رمزي.
تاريخيا، يمكن أن نستشهد بتجارب المجتمعات التي اعتمدت على التنظيم الذاتي في مواجهة هشاشة الدولة أو السيطرة الاقتصادية: شبكات العمل التعاوني في أوروبا أثناء الأزمات الاقتصادية، مجموعات التضامن الاجتماعي في أمريكا اللاتينية، وحتى النضال اليومي للفئات المهمشة في آسيا وأفريقيا. كل هذه الأمثلة تؤكد أن الفعل الجماعي العضوي، حتى لو كان صغيرًا أو متفرقا، قادر على خلق تغيير مستدام إذا تم ربطه بالوعي والتنظيم المشترك.
وفي نهاية المطاف، الفعل الثوري اليوم هو القدرة على قراءة الفراغ، فهم الهشاشة، والاشتباك معها بطريقة تسمح بإعادة إنتاج الاجتماع السياسي نفسه، بحيث يصبح المجتمع الفاعل محورا، ليس لأنه يخضع لزعيم أو مؤسسات، بل لأنه قادر على إنتاج أدواته، تنظيمه، وقيمه المشتركة بشكل مستمر ومتجدد، في مواجهة أي سلطوية، وأي محاولة للاستحواذ على المجال العام. هذا هو جوهر الدرس الثوري : الثورة لا تبدأ من القمة، بل من القاعدة التي تحيا خارج رؤية السلطة نفسها، ومن هناك يمكن أن ينطلق بناء بدائل أكثر صلابة واستدامة مما يمكن أن تنتجه أي سلطة مملوءة شكليا.
في الدفقات النص السابقة، بينت السلطوية الحديثة، التي تبدو مكتملة المظاهر، هشاشة جوهرية في بنيتها، بينما أظهرت الحياة اليومية خارج مجال الرؤية السلطوية وجود قوى فاعلة غير مرئية، لكنها حقيقية وقادرة على إنتاج الاجتماع السياسي بعيدا عن الهيمنة الرمزية. و هنا نحاول أن نجمع ما سبق في خريطة واحدة للفعل الثوري الممكن اليوم، بحيث لا تكون مجرد تحليل أو وصف، بل خارطة استراتيجيات، أدوات، وإمكانات يمكن لليسار الثوري أن يشتغل عليها في عالم يتحرك فيه الاقتصاد والسياسة بشكل متزامن، ويصبح الفراغ والهشاشة قوة كامنة.
السياسة التقليدية، التي ارتبطت بالمؤسسات، بالأحزاب، بالانتخابات، وبالخطاب الرسمي، لم تعد قادرة على تفسير الواقع المعاصر. السلطة اليوم تملأ الفراغ بالقوة الرمزية والاقتصادية، لكنها لا تستطيع استيعاب الفعل الاجتماعي غير الرسمي، ولا تستطيع بناء ولاء حقيقي، ولا يمكنها إعادة إنتاج الاجتماع السياسي بطريقة عضوية. ما يبرز في هذا الواقع هو أن الفعل السياسي ينشأ من الحاجة اليومية، ومن العلاقات التي تتشكل بعيدا عن الرقابة الرسمية، ومن التجارب الحياتية التي تجبر الناس على التعاون من أجل البقاء. هنا تكمن المفارقة: المجتمع عاجز على الإنتاج السياسي الرسمي، لكنه أكثر قدرة على إنتاج السياسة الحقيقية في الشقوق والهشاشة التي تتركها السلطوية.
الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من هذا هو أن الثورة لم تعد مجرد اقتحام للمؤسسات أو إسقاط للسلطات، بل عملية إعادة إنتاج الاجتماع ذاته من القاعدة إلى الأعلى، عبر أدوات مرنة متعددة، متشابكة، قادرة على التعلم والتكيف بسرعة. الفعل الثوري اليوم يبدأ من الأحياء، المدارس، أماكن العمل، وحتى الشبكات الرقمية، حيث تتشكل علاقات تعاون متبادلة ووعي جماعي تدريجي، بعيدا عن التوجيه المركزي أو الهيمنة الإيديولوجية الصارمة. هذه الدينامية، رغم أنها تبدو صغيرة أو هامشية، تحمل قوة استثنائية لأنها تؤسس لأساس مستدام، حيث يصبح المجتمع قادرا على الاستغناء عن الوسائط التقليدية والسيطرة الرسمية في حياته اليومية.
التاريخ يقدم لنا شواهد مهمة على هذا النوع من الفعل. في أوروبا أثناء الأزمات الاقتصادية للقرن العشرين، شكلت مجموعات العمل التعاوني والشبكات الموازية للمؤسسات الرسمية نواة تنظيم اجتماعي حقيقي، قادر على حماية المجتمع من الانهيار، وإعادة إنتاج روابط اجتماعية قوية، لم تكن الدولة ولا السوق قادرة على توفيرها. في أمريكا اللاتينية، وفي مناطق من آسيا وأفريقيا، ظهرت شبكات دعم ذاتية، لا توجهها الأحزاب التقليدية ولا تصنعها الدولة، لكنها كانت أكثر تأثيرًا في إعادة التوازن الاجتماعي والاقتصادي من أي برنامج رسمي. هذه التجارب تؤكد أن الفعل الثوري العضوي، مهما كان متفرقًا، قادر على خلق تغيير عميق إذا ما تم ربطه بالوعي والتنظيم المشترك.

لكن هذا الفعل ليس تلقائيا، ولا يمكن اعتباره ضمانة للنجاح. أي قوة ثورية ناشئة في الهشاشة والفراغ، إذا لم تتقن فن الربط بين الشبكات المتفرقة، بين التجارب اليومية، وبين الأدوات الرقمية والواقعية، يمكن أن تُستنزف أو تُحتوى، أو أن تُستبدل بطابع التكيف مع السلطة القائمة. الفرق بين النجاح والفشل لا يصنعه الإرادة وحدها، بل القدرة على تطوير أدوات تنظيمية مرنة، قادرة على التعلم، والحفاظ على تماسك شبكي رغم الضغوط المتزايدة، وهو ما يربط هذه الدفعة ارتباطًا ذكيًا بالدفعات السابقة: السلطة تمتلئ لكنها هشّة، الحياة اليومية تتحرك تحتها، والفعل الثوري يحتاج إلى تحويل هذه الحركة إلى شبكة واعية وقادرة على إنتاج الاجتماع السياسي نفسه.

الإمكان الثوري هنا ليس في السيطرة على السلطة بشكل مباشر، بل في إنتاج واقع مواز، قادر على تحدي السلطوية وخلق قواعد جديدة للعيش المشترك. إنه نوع من الثورة التي تعمل في الظل، لكنها تعيد رسم العلاقات بين البشر، وتعيد تعريف معنى التضامن، وتضع القيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في صميم الحياة اليومية. هذه الشبكات، إن نمت بشكل متسق، تستطيع أن تتحول إلى قوة حقيقية، ليس فقط في مواجهة الأزمة، بل في إعادة بناء السياسات العامة، وإنتاج استراتيجيات للتغيير بعيدا عن السيطرة المركزية.

التحدي الأكبر، كما أشار الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، هو ألا يظل المجتمع الفاعل مجرد استجابة، بل أن يتحول إلى فاعل استباقي قادر على التأثير في بنية القوة نفسها. فالقوة لا تكمن فقط في السيطرة على الموارد أو الخطاب، بل في القدرة على إعادة إنتاج الاجتماع السياسي عبر العلاقات اليومية، في تحويل الهشاشة إلى مرونة، والفراغ إلى أرض إمكان. وعليه، يصبح الفعل الثوري المعاصر إطارا حيا، عضويا، قادرا على التطور، والتكيف، وإعادة تعريف معنى السلطة، المجتمع، والسياسة في العالم المعاصر.

في هذا السياق، تظهر الاستراتيجية الواضحة لليسار الثوري اليوم: لا تبدأ بمحاولة السيطرة على الدولة أو المؤسسات، ولا بسعي لحشد الجماهير بشكل تقليدي، بل بالعمل على تطوير أدوات اجتماعية وتنظيمية قادرة على تحويل الفراغ والهشاشة إلى قوة عضوية متجددة، ونظام علاقات جديد، وشبكة واعية من القواعد إلى القمة، قادرة على مواجهة السلطوية والتكيف مع الاقتصاد العولمي والهويات الممزقة. هذه هي اللحظة التاريخية التي يجب أن يفهمها اليسار: الثورة الحقيقية تبدأ من حيث لا تراها السلطوية، في الحياة اليومية، في التجارب الفردية والجماعية، في الشقوق الصغيرة التي تنتج قوة أكبر من أي رمز أو خطاب رسمي.

و ختاما ، نصل إلى لحظة يمكن وصفها بأنها توازن لحظي بين هشاشة السلطوية وحركية المجتمع غير المرئية التى يعيشها العالم اليوم، حيث تتلاقى كل العناصر التي تناولناها في الدفعات السابقة، لتشكل أرضية لفهم أعمق لما يمكن أن يكون الفعل الثوري في القرن الواحد والعشرين. هذه المرحلة ليست استمرارية للدفعات السابقة، بل قفزة تحليلية جديدة: نحن أمام عالم لم تعد فيه السلطة مجرد أداة ضبط، ولم يعد الاقتصاد مجرد وسيلة ضغط، ولم تعد السياسة مجرد خطاب، بل أصبح كل شيء مرتبطا ببنية شبكية حية تتشكل في الظل، في الشقوق التي تتركها السلطوية، وفي الفراغات التي يولّدها الانفصال بين المؤسسات والمجتمع.

في هذا الواقع، أول ما يجب أن يفهمه الفعل الثوري هو أن السلطة الحالية ممتلئة بالقدرة الشكلية، لكنها فارغة من القوة الجوهرية. القوى التقليدية التي اعتدنا على رؤيتها، سواء في الدولة أو في المؤسسات الدولية، لم تعد تمتلك القدرة على إنتاج سياسات ذات معنى، أو بناء ثقة مستدامة مع المجتمع. ما تبقى هو مجرد أدوات رمزية، خطوط توجيه اقتصادية، وحملات إعلامية ضخمة. هذا الامتلاء يشبه برجا ضخما على قاعدة مهزوزة؛ كل صدمة خارجية أو تحول داخلي يمكن أن يهزه بالكامل. ومن هنا، تكمن الفرصة للتيار الثوري: ليس في الهجوم المباشر على هذا البرج، بل في العمل داخل الأساسات المهزوزة، في الفراغات، وفي الشبكات التي تحيا تحت الظل.

الفراغ البنيوي للمجتمع أصبح مادة استراتيجية للثورة الحديثة. لم يعد الهدف إنتاج أحداث كبيرة يمكن أن تراقبها السلطة، بل خلق أطر حياة بديلة، شبكات تعاون، مساحات تعلم متبادلة، وطرق جديدة للتضامن الاجتماعي والاقتصادي. هذه الأطر لا تعتمد على القوانين أو على المؤسسات، بل على القدرة على التجربة، التكيف، وتوليد موارد جديدة. هنا، يمكن تذكر ما قاله الفيلسوف الكولومبي نيكولاس ڠوميز داڤيلا: "ليس العنف ضروريا لتدمير حضارة ما، كل حضارة تنهار إثر لامبالاتها بالقيم الفريدة التي قامت عليها". الثورة اليوم، بنفس الطريقة، لا تبدأ بعنف مباشر، بل باستثمار الفراغ الذي تركته السلطوية والهويات الممزقة لإعادة بناء قيم جديدة، وعلاقات اجتماعية جديدة، ومؤسسات عضوية متجددة.

من جهة أخرى، الاقتصاد، الذي أصبح أداة يومية للسيطرة، يمكن أن يتحول من أداة ضغط إلى أداة تمكين. الشبكات الصغيرة، المبادرات المحلية، التبادل البديل، وحتى التداول الرقمي الذاتي، كلها أدوات تستطيع أن تخلق استقلالية جزئية عن الاقتصاد الرسمي، وتضع الأساس لبنية اجتماعية قادرة على تجاوز الاعتماد على المؤسسة السلطوية أو السوق المركزية. هذه الشبكات، حين تنسّق وتربط، تصبح قوة غير مرئية، لكنها قادرة على تشكيل ضغط مستمر على السلطوية، وخلق مناخ يسمح للسياسة بالعودة بوصفها فعل حياة جماعي، لا مجرد إدارة رمزية.

الدرس الجيوستراتيجي مهم أيضًا: في عالم متعدد الأقطاب، حيث تتحرك القوى الكبرى باستخدام الاقتصاد والرمزية والقوة العسكرية، يمكن للثورة أن تجد مساحة أكبر إذا ركزت على العمل على المستوى المحلي والقطري، دون الوقوع في فخ المنافسة المباشرة مع القوة الدولية. التجربة اليومية، المبادرات المدنية، والعمل الاجتماعي المستمر، كل هذا يخلق شبكة تأثير يمكن أن تتصل لاحقا بمستوى أوسع، لكن دون أن تكون مجرد أداة تدار من الأعلى. وهنا يلتقي الفكر الثوري بالبراجماتية: لا يمكن بناء مستقبل جديد إلا إذا تفاعل الفعل اليومي مع التحولات الكبرى بطريقة ذكية، مستفيدا من الفراغ والهشاشة.

ما يمكن تسميته بـ"خارطة البدائل الثورية" اليوم تتضمن عناصر أساسية: إنتاج شبكة حياة مستقلة، تنمية الوعي الجماعي عبر التجربة اليومية، تحويل التضامن الاقتصادي والاجتماعي إلى قوة تنظيمية، الحفاظ على الاستقلالية الفكرية، وربط هذه الشبكات المحلية بأسس استراتيجية أوسع دون فقدان مرونتها العضوية. هذه العناصر، مجتمعة، لا تخلق مجرد مقاومة، بل تمكن من إعادة إنتاج الاجتماع السياسي نفسه، بعيدا عن السلطة الرسمية، بعيدا عن الاقتصاد المركزي، بعيدا عن الخطاب الرمزي.

وبهذا المعنى، يصبح التحدي الثوري الحديث حركة مستمرة لا مركز لها، لكنها قوية في تأثيرها التراكمي. السلطة قد تبدو ممتلئة، لكنها عاجزة عن رؤية هذه الشبكات، عاجزة عن إيقافها، وعاجزة عن إدراك أن القوة الحقيقية اليوم ليست في ما يرى، بل في ما يعاش يوميا، في التفاعل اليومي بين البشر، في إعادة إنتاج الاجتماع السياسي من القاعدة إلى الأعلى. هذا التحول النوعي يجعل الفعل الثوري أكثر استدامة وأشد فاعلية مما يمكن أن تنتجه أي حملة رمزية أو أي انقلاب شكلي.

إن المستقبل الثوري المعاصر لا يبنى على أساطير الحدث الكبير، بل على التراكم الصامت للقدرة التنظيمية، والوعي الجماعي، وإعادة إنتاج الاجتماع السياسي بعيدا عن السيطرة المركزية. هذه هي اللحظة التي يجب أن يفهمها اليسار: الثورة تبدأ من حيث لا تراها السلطوية، من الفراغ، من الهشاشة، ومن الحياة اليومية التي تتحرك تحت الظل. وعليه، كل محاولة لتوجيه المجتمع أو فرض الهيمنة من الأعلى ستكون أقل تأثيرا، بينما العمل على تطوير الشبكات العضوية، تعزيز التضامن، وتنمية الفعل اليومي المستقل، هو ما سيشكل أساس المستقبل الثوري المستدام.



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...
- في تفكيك المعمار الخفيّ للهيمنة: من اقتصاد السيطرة إلى أنثرو ...
- الطبيعة الطبقية للديمقراطية
- عينٌ ترى لتُخفي، وأذنٌ تسمع لتُخرس: في نقد سياسة الانتقاء ال ...
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ...
- الأزمة في الاتحاد العام التونسي للشغل: انهيار بيروقراطي أم ل ...
- جيل الاحتجاج أو جيل الثورة؟ معركة التنظيم الجديدة.
- اليسار في مواجهة الأممية القاتلة: من تشظّي التاريخ إلى بناء ...
- من الدولة إلى الثورة: استعادة الماركسية وفق غابرييل روكهيل.
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ...
- السودان بعد العسكرة و الحرب الاهلية: الدولة المدنية كمسار ثو ...
- الثورة الدائمة في القرن الحادي والعشرين: أممية الإرهاق وصياغ ...
- الإقطاع الحديث: بين انهيار الرأسمالية، تفكيك الدولة، وعزلة ا ...
- الثقافة الثورية: من المشاع الإنساني إلى الرقمنة والتحرر الجم ...
- من المصانع إلى الخوارزميات: الماركسية ترسم بياناتها
- الديموغرافيا بوصفها سياسة: الدولة، الجسد، والصراع الطبقي في ...
- مجلس السلام في غزّة الإمبريالية حين تدير الإبادة… والرأسمال ...
- الاتحاد بين زمنين: حين تتحول القيادة إلى عائق تاريخي
- أفق اليسار: من الأزمة إلى الفعل
- اليسار بين الانكسار والتاريخ: إما الوحدة الثورية أو النهاية


المزيد.....




- مقتل خامنئي يدخل إيران في أخطر أزمة منذ ثورة 1979..كيف مرت 3 ...
- لحظة استهداف المقاتلات الإسرائيلية مقرًا للجيش الإيراني في ط ...
- الدفاع الإماراتية تعلن حصيلة ضحايا هجمات إيران وعدد الصواريخ ...
- مؤشرات الحرب كانت واضحة.. فلماذا أخفقت إيران في حماية خامنئي ...
- استطلاع رأي يكشف تفاعل الإيرانيين في ألمانيا مع الحرب
- واشنطن بوست ـ ضغط السعودية وإسرائيل ساهم في دفع ترامب لضرب إ ...
- الجيش الإسرائيلي يقول إنه -ليس على علم- بأي ضربة في منطقة أع ...
- هل تحققت الأهداف من الضربات الإسرائيلية الأمريكية على إيران؟ ...
- آخر التطورات في إسرائيل بعد إطلاق صواريخ إيرانية واعتراض مسي ...
- بين التنديد والترحيب... أبرز ردود الفعل في العالم على مقتل خ ...


المزيد.....

- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.