أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - الحقيقة والوهم














المزيد.....

الحقيقة والوهم


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 09:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الحقيقة نسبية، وليس من حق أيٍّ كان الادعاء بامتلاكها وقياس آراء غيره بمسطرة مُتوهمة لا وجود لها إلا في ذهنه. والوهم المقصود، هو الاعتقاد المُتخَيَّل بامتلاك الحقيقة المطلقة، وهذا ينسحب أول ما ينسحب على الفكر الديني. لم يتفق أتباع أي دين على فهم واحد موحد لنصوصه، ولن يتفقوا. وهذا يندرج في حكم طبائع الأشياء بالمناسبة. لماذا؟
بداية، البشر بطبيعي أمرهم متفاوتون في القدرات العقلية والمعرفية. وليس يفوتنا التذكير بحقيقة أن مصالحهم متفاوتة أيضًا وفي تدافع دائمًا، وكل يفسر الدين على هواه وبما يخدم مصالحه. وهذا من طبائع النفس البشرية.
كما أن الحياة لا تتوقف عن الحركة، ولا تني تأتي بالجديد المستجد دائمًا. في المقابل، النص الديني ثابت مطلق، يستلهم مهده بالنظر إلى الوراء.
وعليه، فإن فهم الناس للدين يستحيل أن يكون موحدًا ومتوافقًا بشأنه. وفي المجمل، فإن فهوم الناس للدين وأفكارهم بوجه عام تدخل في إطار النسبي وليس اليقيني المُطلق الذي لا يأتيه الباطل عن يمين أو شمال. فما كان يُعتقد أنه حقيقة مُطلقة لا تحتمل الشك في زمن ما، قد تنقلب إلى عكسها في زمن لاحق.
ولعل أفقع الأمثلة وأسطعها تكفير العالِم الايطالي جاليلو، لانحيازه إلى ما أحدثه كوبرنيكوس في علم الفلك، وفحواه أن الأرض ليست مركز الكون وأنها تدور حول الشمس.
فقد حقق ما يُعرف آنذاك ب"ديوان التفتيش" الكنسي مع جاليلو، وطلب اليه انكار قناعاته بدوران الأرض حول الشمس والا عُدَّ خارجًا على الدين. وقبل أن نبسط أهم ما جاء في رسالة ديوان التفتيش بإدانة جاليلو داعين القارئ إلى تأملها بتأنٍّ وتمحيص، نشير بداية إلى أن هذه القناعة "المحرمة" في زمن جاليلو أصبحت اليوم بفضل كشوفات العِلم من البديهيات. وليس يفوتنا التذكير بأن الأديان ترفض هذه البديهية، بل وتكفر القول بها. فقد أصدر عبدالعزيز بن باز سنة 1982 كتابًا بعنوان "الأدلة النقلية والحسية على إمكان الصعود الى الكواكب وعلى جريان الشمس والقمر وسكون الأرض". وقرر ابن باز في كتابه تكفير كل من يقول بأن الشمس مركز النظام الشمسي، وأن الأرض تدور حولها. وقد استند في ذلك ضمن أدلته إلى الآية (وهو الذي مدَّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارًا)(الرعد 3). وقال "إن كل من قال بأقوال كوبرنيكوس وجاليلو، فقد قال كفرًا وضلالًا".
والآن إلى أهم ما تضمنته رسالة إدانة جاليلو، في بداية القرن السابع عشر. ونجدد دعوتنا للقارئ إلى قراءتها بتركيز وتأمل المصطلحات المستخدمة.
"يا جاليليو، ابن المرحوم فنسنسر بوجليلي من فلورنسا، والبالغ من العمر سبعين سنة. لقد أدانتك هذه المحكمة المقدسة سنة 1615 لاعتقادك بصحة نظرية كاذبة نادى بها كثيرون وهي أن الشمس ثابتة وأن الأرض هي التي تتحرك يوميًّا. ولأنك لَقَّنت هذه النظرية نفسها لتلاميذك، ولأنك تبعث بهذه الآراء لبعض الرياضيين الألمان، ولأنك نشرت بعض الرسائل عن كلف الشمس تحدثت فيها عن هذه النظرية على أنها عقيدة صادقة، ولأنك أجبت على الاعتراضات التي كانت تُقتبس باستمرار من الكتب المقدسة، بأن فسرت هذه النصوص وفق المعنى الذي تريد. وحيث أنه قد ظهرت وقتئذٍ نسخة من مكتوب، على صورة خطاب، صادر منك صراحة إلى شخص كان فيما مضى أحد تلاميذك، وفيه بعض القضايا التي تتعارض ومعنى الكتب المقدسة، هذا فضلًا عن تأييدك لنظرية كوبرنيك، فإن المحكمة المقدسة رغبة منها في القضاء على الشر الذي كان وقتئذٍ قد استفحل وأضر بالعقيدة المقدسة، ونزولًا على رغبة صاحب القداسة وأصحاب النيافة مطارنة هذه المحكمة السامية العالية، قد انتهى الاخصائيون من قبلنا إلى صياغة نظريتي ثبوت الشمس وحركة الأرض على الوجه الآتي:
1-القول بأن الشمس مركز العالم وأنها لا تتحرك قول سخيف، كاذب من الوجهة الفلسفية، وكافر من الوجهة الرسمية، لأنه يتعارض صراحة مع تعاليم الكتاب المقدس.
2-القول بأن الأرض ليست مركز الكون الثابت، وأنها تتحرك يوميًّا، هو أيضًا قول سخيف، كاذب من الوجهة الفلسفية، وتجديف على العقيدة من الوجهة الدينية.
وحيث أنك قد عوملت برحمة في ذلك الحين..وقام نيافة المطران بلرمين بتحذيرك في رفق، وأمرك مأمور الضبط بالمحكمة أمام المسجل والشهود بأن تتنصل تمامًا من هذه العقيدة الكاذبة، وأن تمتنع مستقبلًا عن الدفاع عنها أو تعليمها على أية صورة، شفاهة أو تحريرًا، وأُطلق سراحك بعد تعهدك بالطاعة...وحيث أن مؤلَّفًا قد صدر بعد ذلك منشورًا في فلورنسا في العام الماضي وينبيء عنوانه (محاورات جاليليو جليلي عن النظامين الرئيسين- نظام بطليموس ونظام كوبرنيك) بأنك صاحبه، وحيث أن المجمع المقدس قد علم بأن فكرة حركة الأرض وثبوت الشمس قد أخذت في الانتشار بسبب طبع هذا المؤلَّف...لذلك قررنا ما هو آت:
...يا جليليو جليلي..لقد جعلت من نفسك موضع شك من هذه المحكمة المقدسة بأنك كافر لايمانك- رغم ما في هذا الايمان من تعارض مع الكتب المقدسة- بأن الشمس مركز العالم، وأن الأرض هي التي تدور، وأنها ليست مركز العالم...ومن أجل ذلك أمرنا بمصادرة كتاب (محاورات جاليليو جليلي) بمرسوم عام. وحكمنا عليك بالسجن الرسمي...وأمرناك على سبيل الكفارة أن تقرأ أثناء السنوات الثلاث القادمة صلوات الندم السبع مرة كل أسبوع".
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه مما سبق أن البشر يطورون أنماط تفكيرهم ورؤاهم لتواكب مستجدات الحياة وكشوفات العلم، ويشمل ذلك فهمهم للدين. وعليه، فإن التحجر الفكري بأي لون كان ومن أي نوع، يعيق التقدم لأنه باختصار يُضاد حركة الحياة وثوابتها الرئيسة في التغيير والتحول والتطوير.
والآن بذمتك صديقي القاريء، ألا يحاكي بعض ما ورد في رسالة إدانة جاليلو القروسطية(1615)، ما يحدث في واقعنا العربي اليوم في العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين وبالمصطلحات ذاتها؟!



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصدر الخطر الداهم على الأردن
- نهاية ثائرَيْنِ لأجل جبناء جَهَلَة
- هلوسات سفير أميركي!
- جرثومة التخلف (1) تحرير العقل
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (7) الغيبيات بنظرهم
- الأخلاق والدين
- بصراحة عن السردية
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (6) العقل مرجعهم الأول
- الغاء الشعب والأرض !
- المسمار الأخير في نعش أوسلو !
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (5) رؤاهم في الفلسفة والمعرفة
- الاستبداد مصدر الشرور
- حتمية غير قابلة للدحض
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (4) رؤيتهم للدين وتأويلهم الرمزي ل ...
- أميركا إذ تسعى لتحقيق وحدة بلاد الشام !
- وقد لا يقع العدوان!
- الأحمق
- بصراحة عن آفة المخدرات
- كذبة تاريخية كبرى!
- أخوان الصفاء وخلان الوفاء (3) رفضهم للإستبداد وإيمانهم بالتغ ...


المزيد.....




- تحركات ودعوات عربية وإسلامية لاحتواء التصعيد بين باكستان وأف ...
- آيتان شرحتا صدره.. قصة إسلام أستاذ أمريكي من عائلة بروتستانت ...
- أستاذ أمريكي من عائلة بروتستانتية يروي قصة إسلامه
- 70 ألف مصلٍّ أدوا صلاة التراويح في الجمعة الثانية من رمضان ب ...
- لأول مرة.. نتنياهو يهدد الطائفة السنية وما علاقة شهر آذار وع ...
- النساء شقائق الرجال.. كيف يحقق الإسلام تكامل الأدوار بينهما؟ ...
- المسجد العمري الكبير في غزة ينهض من تحت الرّكام شاهداً على ص ...
- نحو 100 ألف مصل أدوا صلاة الجمعة الثانية من رمضان في المسجد ...
- ما حقيقة -الصلاة أمام الفاتيكان- وإغلاق الشوارع؟
- السلفية في تونس.. كتاب جديد يفكك تشعبات الفكر وتحولات الخطاب ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - الحقيقة والوهم