أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - مكالمة الساعة الرابعة صباحًا قرار غولدا مائير — عدم الذهاب إلى الحرب أميت سيغال















المزيد.....



مكالمة الساعة الرابعة صباحًا قرار غولدا مائير — عدم الذهاب إلى الحرب أميت سيغال


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 23:29
المحور: قضايا ثقافية
    


مكالمة الساعة الرابعة صباحًا
قرار غولدا مائير — عدم الذهاب إلى الحرب
أميت سيغال

رنّ الهاتف، ممزِّقًا سكون الليل. ثم اشتغل جهاز آخر، ثم آخر. كانت الهواتف قد ثُبّتت في كل زاوية من الشقة الكبيرة الفارغة، وبدأت جميعها ترنّ في وقت واحد، لكن لم يُجب أحد. كانت المرأة المسنّة التي تعيش في الشقة تعرف تمامًا ما يعنيه صوت رنين الهاتف، وكانت تخشى أن ترفع السماعة.
ثم استيقظت فجأة.
جلست في سريرها، مغطاة بعرق بارد. كانت الساعة الرابعة صباحًا، ولم تستطع غولدا مائير أن تعود إلى النوم. قالت رئيسة وزراء إسرائيل الرابعة لصديقة مقرّبة في الصباح: «كان الكابوس نفسه، يتكرر مرة بعد أخرى».¹
حاولتا معًا أن تفهما ما الذي كان عقلها الباطن يحاول قوله. كان ذلك في صيف عام 1973، وكان وضع إسرائيل — أو هكذا كان يُعتقد — لم يكن يومًا أفضل مما هو عليه.
كانت غولدا مائير سياسية حادّة اللسان ونشيطة، لا سيما في مجال السياسة الاجتماعية. وحتى آخر يوم في حياتها، لم تنسَ أحلك أيامها، حين كانت امرأة شابة معدمة في القدس. فقد اضطرت إلى غسل ملابس جميع الأطفال المتّسخة في روضة الحيّ، فقط لكي يُسمح لابنتها بالالتحاق بها أيضًا. وظلت تلك التجربة محفورة في ذاكرتها، حتى وهي في أعلى المراتب. مدفوعة بتلك الذكرى، حطّمت ما نسمّيه اليوم «السقف الزجاجي»، لتصبح الصورة النسائية الوحيدة في صف طويل من الرجال ذوي الشعر الأبيض، وهي تتصدى للنزعة الذكورية وعدم الثقة.
«تحية لهذه المرأة الذكية والنشيطة»، هكذا أعلنت صحيفة الطائفة الصهيونية الدينية عندما طُرح تعيينها في الحكومة على جدول الأعمال، «لكن لا يمكن وضعها على رأس إحدى أهم مؤسسات الشعب اليهودي. فهناك قانون طبيعي كقوانين الطبيعة، هو مجموعة القوانين اليهودية الأبدية. هناك حدود، وعلى كل جنس أن يعرف حدوده».²
ومع ذلك، عندما عُيّنت غولدا مائير وزيرة، بنت مؤسسة التأمين الوطني بيديها العاريتين — فأنقذت ملايين الإسرائيليين من الفقر المدقع — وأجبرت الدولة على دفع مستحقات جنود الاحتياط، وأقرت أنظمة عمل تحمي الشباب، واستحدثت إجازة سنوية وتعويضات نهاية خدمة للعمال، وسعت إلى تضييق فجوة الأجور بين الجنسين.
كما عبّدت الطرق إلى البلدات الفقيرة، وبذلت كل ما في وسعها لمكافحة التمييز الصارخ في العلاقات بين اليهود الأشكناز واليهود من أصول شرق أوسطية.
لكنها الآن، بصفتها رئيسة للوزراء، كانت تدرك أن كل ذلك لن يُحسب لها إن استؤنف القتال — لا قدر الله — مع الدول المعادية على حدود إسرائيل. ففي النقاش الذي صوّت فيه الكنيست على تعيينها رئيسةً للوزراء، حذّر أحد نواب «أغودات يسرائيل» قائلًا: «كثيرون حول العالم، من اليهود وغير اليهود، سيعربون بلا شك عن دهشتهم لأنه في هذا الوقت بالذات رُئي مناسبًا تعيين امرأة رئيسةً للوزراء. كما أنني لست مقتنعًا بأن ذلك سيردع العرب».
قالت غولدا مائير مرةً: «ينبغي أن يُعهد بإدارة الحرب فقط إلى من يكرهها ويخشاها».³ كانت غولدا — كما عُرفت شعبيًا — تكره الحرب وتخشاها، والآن أصبحت البلاد بين يديها. وكانت إحاطاتها الاستخباراتية اليومية كل صباح تحمل إليها معلومات جديدة ومقلقة، غير أن الخطوط التي تصل بين النقاط لم تكن واضحة تمامًا أمامها.
وقبل ذلك بوقت غير طويل، وقبيل انتخابات عام 1973، قررت أن تطرح نفسها طوعًا لفترة أخيرة كرئيسة للوزراء — وهي الثالثة لها إجمالًا. وكانت تأمل سرًّا أن تقود ولايتها الأخيرة إلى إحداث ثورة اجتماعية.
تنصّ القاعدة الأولى في عالم الاستثمار على: «نوِّع المخاطر». لا تضع كل بيضك في سلّة واحدة، ولا تضع كل أموالك في مكان واحد. ضع جزءًا في سوق الأسهم المحلي، وجزءًا في وول ستريت، بعضه بالدولار وبعضه في السندات، بعضه في الذهب وبعضه في البيتكوين. وإذا نصحك مستشارك المالي يومًا بأن تُصفّي مدّخراتك كلها، وتبيع منزلك، وتفكّ استثماراتك في الصناديق المشتركة، وتضع أموالك بأكملها في سهمٍ واحد — فعليك أن تطالب بإقالته فورًا.
لكن هذا هو بالضبط ما يحدث في السياسة. إن الشيء الوحيد الذي يميّز الإسرائيليين اليوم عن الأجيال السابقة أو عن الدول المجاورة هو قدرتهم على استبدال قادتهم عبر صناديق الاقتراع. غير أنّ الناخبين في الديمقراطيات الحديثة لا يُدلون إلا بصوت واحد، مرة كل أربع سنوات (أو كل أربعة أشهر في الحالة الإسرائيلية، لكن دعونا نضع ذلك جانبًا). فجميع آمال الإسرائيليين ومعتقداتهم وصلواتهم ومخاوفهم الدفينة تُصبّ في صوت واحد — أو، بلغة الاقتصاد، في استثمار طويل الأمد ضمن «أمانة عمياء».
هل صوّتَّ لبيني غانتس عام 2020 لأنه وعد بشعار «فقط ليس نتنياهو»، قبل أن يقفز بعد أسبوع تقريبًا إلى أحضان نتنياهو؟ كما يقول الشباب: «هكذا هي الحياة». هل صوّتَّ لحزب الليكود عام 2003 لمنع الانسحابات الأحادية من الأراضي، ثم جاء أريئيل شارون بعد شهر تقريبًا ليقود خطة الانفصال عن غزة؟ في الشطرنج يُسمّى ذلك «قاعدة اللمس تحريك». هل صوّتَّ لحزب وعد بخفض الضرائب ثم انتهى به الأمر إلى زيادتها؟ تخيّل لافتة تقول: «إن كسرته، فعليك شراؤه».
لا جدوى من الاتصال بلجنة الانتخابات المركزية والمطالبة بورقة اقتراع جديدة، لأنه بخلاف متجر الألبسة القريب منك، فإن سياسة الاسترجاع هنا صارمة للغاية: لا استرجاع. وبما أنك لا تملك سوى صوت واحد، فإن اعتبارًا واحدًا فقط هو الذي ينبغي أن يحسم قرارك عند الإدلاء به. أما الاعتبار الثاني من حيث الأهمية، فليس في الحقيقة ثانيًا — بل هو ببساطة غير مهم.
في أنحاء العالم كافة، يبقى الاعتبار الرئيسي للناخبين هو المال. فكلمة «سياسة» مشتقة من الكلمة اليونانية «بوليس»، أي «المدينة». تخيّل نفسك مواطنًا في أثينا قبل 2500 عام. لقد اكتشفت للتو أن الجيش الفارسي المخيف يزحف نحو المدينة. هناك مشكلة صغيرة واحدة فقط: المدينة بلا أسوار. بل هناك مشكلة أخرى — صغيرة جدًا: خزينة المدينة فارغة. قالت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر بعد ذلك بألفين وخمسمئة عام: «لا يوجد شيء اسمه مال عام، بل يوجد فقط مال دافعي الضرائب». لكن المدينة الآن بحاجة ماسة إلى جمع الأموال من مواطنيها للدفاع عن نفسها.
في تلك اللحظة تحديدًا وُلدت السياسة. وطرحت عدة أسئلة: هل ينبغي أن تُفرض الضريبة نفسها على أسرة لديها عشرة أطفال كما على أعزب متقدم في السن؟ هل يجب أن يُفرض على الأغنياء ضرائب أعلى من الفقراء؟ هل ينبغي أن يُثقل كاهل سكان الأطراف الريفية بضرائب أعلى من سكان العاصمة الأكثر أمانًا نسبيًا؟ وإذا كانت المدينة تبني سورًا بالفعل، فلماذا لا تُغتنم هذه المناسبة الاحتفالية لافتتاح مدرسة لأطفال أثينا؟ باختصار: كم ينبغي للدولة أن تأخذ مني من مال، وماذا ينبغي أن تمنحني في المقابل؟
في أقصى اليسار كان الاتحاد السوفييتي سابقًا، أو الكيبوتس الإسرائيلي القديم، الذي اتبع قاعدة كارل ماركس: «من كلٍّ حسب قدرته، ولكلٍّ حسب حاجته» — أي ضريبة دخل بنسبة 100%. كانت الخزينة تأخذ ثمار عملك، لكنها في المقابل تُتوقَّع أن توفّر لك الطعام والمسكن والتعليم والرعاية الصحية. هذا التجربة غير المسبوقة على البشر انتهت بفشل ذريع، ولا أحد يرغب في العودة إليها.
أما في الطرف اليميني من المقياس فكانت الولايات المتحدة الأميركية — أو على الأقل كما كانت في السابق — أرض الفرص غير المحدودة. بلد يستطيع فيه مهاجر معدم أن يترجّل من سفينة في جزيرة إيليس ليصبح مليونيرًا خلال بضع سنوات، ببساطة لأن الدولة لم تكن تمدّ يدها الخشنة إلى جيبه، ولم تكن تفرض عمليًا ضريبة دخل تُذكر. لكن الوجه المظلم لأميركا أنها أيضًا أرض القيود المستحيلة: فعند أقدام ناطحات السحاب العملاقة من الفولاذ والزجاج، ينام عدد لا يُحصى من المشردين كل ليلة، لا يغطيهم سوى أوراق الجرائد. تلك هي أميركا في لقطة واحدة. وقد انكشفت هذه الحقيقة البائسة بوضوح خلال جائحة كوفيد-19 عام 2020، حين بدا أن أقوى إمبراطورية اقتصادية في التاريخ تبدو كدولة من دول العالم الثالث في مجال الصحة العامة — على الأقل بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون تحمّل كلفة شراء تأمين صحي خاص.
في كل أنحاء العالم، تدور السياسة بين هذين القطبين، ويظل السؤال الأساسي هو: «إلى أي مدى أثق بالدولة وأرغب في أن تستخدم أموالي التي كسبتها بجهد لتوفير المنفعة العامة المعروفة باسم “المساواة”؟» هذا هو الحال في معظم دول العالم. لكن في بلدٍ واحد، أرضٍ ناطقة بالعبرية، تسير الأمور على نحوٍ مختلف قليلًا.
مثل غيرهم من البشر في كل مكان، يهتم الإسرائيليون أيضًا بوضعهم المالي، ويريدون مساكن ميسورة التكلفة ووسائل نقل عامة فعّالة. وهم كذلك سئموا الوقوف لساعات في الازدحام، ويصارعون مثل غيرهم أسئلة السوق الحرة في مقابل التضامن الاجتماعي. لكن معظم الإسرائيليين، طوال معظم تاريخ إسرائيل، كانوا قلقين بشأن أمرٍ أعظم من مستوى معيشتهم: الحياة ذاتها. في اللغة المهنية نسمّي ذلك «الأمن». وربما يكون التعريف الأدق هو «انعدام الأمن». لكن إن أردنا الصراحة — فالكلمة الصحيحة هي «الخوف».
إذا كنت في إسرائيل، فلا يهم أين تقرأ هذا الكتاب، حتى لو كنت في شقة على الطراز الإسكندنافي وترتشف كوكتيلًا. تسعون دقيقة بالسيارة، كحد أقصى، تفصل بينك وبين شخص يريد قتلك بسكين أو بندقية أو قاذف قنابل صاروخي أو صاروخ أرض–أرض. نعم، أنت شخصيًا. ففرق الأنفاق التابعة لحماس في غزة، وميليشيات تنظيم الدولة الإسلامية المسلحة في سيناء، وقوات النخبة التابعة لحزب الله التي تتدرّب في لبنان على احتلال قرى حدودية إسرائيلية، وحرس الثورة الإيراني في هضبة الجولان السورية — لا يبعد أيٌّ منهم أكثر من نصف خزان وقود. قد يتخيّل الإسرائيليون أنفسهم جزءًا من الغرب، لكنهم في النهاية يعيشون في الشرق الأوسط.
يريد الآباء الإسرائيليون لأبنائهم أن يتحدثوا الإنجليزية بمستوى أهلها، لكنهم محاطون بأناس يتحدثون طيفًا واسعًا من اللهجات العربية. لن أنسى أبدًا استماعي إلى إذاعة الجيش الإسرائيلي في صيف 2014، خلال المواجهة مع حماس المعروفة باسم «عملية الجرف الصامد». قال المذيع: «والآن نستمع إلى أحدث أغنية لبيونسيه، لكن أولًا تحديث مروري: هناك ازدحام شديد على الطريق رقم 6 باتجاه الجنوب بسبب أرتال ناقلات الدبابات». إسرائيل في لقطة واحدة.
في كل استطلاع تقريبًا خلال الجيل الماضي، ولا سيما منذ احتجاجات العدالة الاجتماعية التي ملأت الشوارع عام 2011، صرّح الناخبون الإسرائيليون بأن وضعهم الاقتصادي هو الاعتبار الأهم في تصويتهم. لكن التلمود قال عبارة ذات طابع رومانسي: «ليس القلب دائمًا يُطلع الفم على ما في خاطره». أو بترجمة هذا القول الآرامي إلى لغة فرويد: «للأمم أيضًا عقل باطن». فخلف المظهر الغربي للإسرائيليين يكمن خوفٌ مروّع: أن يستيقظوا صباحًا ليكتشفوا أن إسرائيل قد توقفت فجأة عن الوجود خلال الليل.
ولذلك أسباب تاريخية بالطبع. فقد أُقيمت دولة إسرائيل ذات السيادة كملاذٍ آمن لوضع حدٍّ لألفي عام من الاضطهاد المعادي لليهود والمجازر والمذابح. ولم يمضِ سوى أقل من ثمانين عامًا — وهي غمضة عين بمقاييس التاريخ — منذ اشتعال أفران محارق أوشفيتز. ولا يزال بيننا اليوم ناجون من المحرقة يحملون الأرقام الزرقاء التي وشمها النازيون على سواعدهم. لا يوجد إسرائيلي واحد إلا وهو إمّا من نسل ناجين من المحرقة، أو يعرف ناجين منها معرفة شخصية، أو تعلّم عنها في المدرسة.
قُتل نحو ثلاثة آلاف شخص في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، في أكبر هجوم إرهابي في التاريخ البشري. ولا يكاد يوجد أميركي لا تقشعرّ له الأبدان عند رؤية صور الطائرات المحمّلة بالركاب ووقود الطائرات وهي تمحو أفق نيويورك. لكن لم يخلد أي أميركي إلى النوم في تلك الليلة وهو يخشى أن تتوقف الولايات المتحدة الأميركية عن الوجود. وخلال العقد الماضي، ارتكب تنظيم الدولة الإسلامية وأتباعه سلسلة هجمات دامية في فرنسا، فقتلوا مدنيين فرنسيين بطرق مروّعة، لكن الفرنسيين خافوا على حياتهم الشخصية، لا على حياة الجمهورية نفسها. أما في بلد يعيش على الحافة، فإن اضطراب ما بعد الصدمة يصبح حالةً مُعدية؛ يصيب كل جيل ويتربّص في كل زاوية. إن كثيرًا مما يبدو غريبًا في إسرائيل يصبح مفهومًا إذا نُظر إليه من خلال منشور الخوف الخام.
في عام 2010 انتقلتُ إلى لندن للدراسة. وبصفتي طالبًا محدود الموارد، قررت في ليلتي الأولى ألا أتناول العشاء خارج المنزل، وذهبت إلى السوبرماركت لأشتري بعض المكونات، وأهمها — الطماطم لإعداد سلطة. أمناء الصناديق البريطانيون هم، بلا شك، أكثر الكائنات تهذيبًا على وجه الأرض، لكن عندما رأت الموظفة شابًا في السابعة والعشرين يحمل كيسًا فيه إحدى عشرة حبّة طماطم حمراء جميلة، لم تتمالك نفسها وسألت: "هل تتوقع ضيوفًا هذا المساء يا سيدي؟"
فكّرتُ في الأمر طوال الطريق إلى المنزل. فالناس العاديون يذهبون إلى السوبرماركت لشراء ما يكفي لعشاء واحد: حبتا طماطم، قطعة نقانق، رغيف باغيت، ونصف دزينة من البيض. أما الإسرائيليون فيذهبون إلى السوبرماركت وهم يفترضون — على نحوٍ لا واعٍ — أنها قد تكون زيارتهم الأخيرة. فالغد قد يحمل محرقة نووية أو حرب إبادة، وسيضطر الجميع إلى الاحتماء بالملاجئ — لذا يجدر بهم على الأقل أن يمتلكوا ما يكفي من الطماطم. ولهذا يُهدر ثلث الطعام في إسرائيل؛ ولهذا يُلقي المتسوّق الإسرائيلي الطعام في عربة التسوق ويتمتم: «للاحتياط فقط». يشترون أشياء لا يحتاجونها — احتياطًا لحاجتهم إليها.
وليست عادات التسوق الإسرائيلية وحدها التي تعيش في حالة تعبئة دائمة؛ بل الخطاب الإسرائيلي كذلك. فعندما وجدت وزارة البيئة نفسها محرومة من الميزانيات والاهتمام، غيّرت اسمها إلى «وزارة حماية البيئة»، وكأن مهمتها تجهيز الأزهار النادرة بسترات واقية من الرصاص. وأعاد رجال الإطفاء في إسرائيل مؤخرًا تسمية أنفسهم «محاربي النار». أما «الحرب على الفيروس»، كما سُمّي الجهد المدني الشاق لاحتواء كوفيد-19 في شتاء 2021، فقد أدارها «كابينيت كورونا» (وفي إسرائيل يُطلق اسم «الكابينيت» اختصارًا على المجلس الوزاري الأمني). ولعل الاسم اختير لأن لجنة وزارية عادية ربما لا تُخيف الفيروس، أما حين يواجه هيئة بهذا الاسم الرنّان، فسيصاب بالذعر ويتراجع فورًا!
إن الهوس الإسرائيلي بالأخبار مرتبط أيضًا بمخاوفه البدائية. ففي عام 2020، مثلًا، كانت البرامج السبعة الأكثر مشاهدة على التلفزيون جميعها برامج شؤون جارية. لا توجد دولة في العالم تبثّ نشرات الأخبار في وقت الذروة كما تفعل إسرائيل. كل إسرائيلي يعرف أن روني دانيال الراحل كان المراسل العسكري للقناة 12، لكن عددًا أقل بكثير يستطيع تسمية قائد المنطقة الوسطى في الجيش. ومن يُوقَف أكثر لالتقاط صورة سيلفي في الشارع: مراسل الشرطة في القناة 12 أم المفتش العام للشرطة نفسه؟ السبب أن الأخبار والواقع في إسرائيل — بخلاف أوروبا والولايات المتحدة — شيء واحد. لقد خاضت الولايات المتحدة حربين عالميتين ضد ألمانيا، لكن لم يُشاهد جندي ألماني قط يسير بخطوة الإوزة في شوارع فيلادلفيا.
أما في إسرائيل، فإن اغتيال عالم نووي في طهران قد يتحوّل خلال أقل من يوم إلى صفارات إنذار صاروخية مدوّية في شمال البلاد. ولهذا أيضًا تمتلئ ممرات الكنيست بالصحافيين، رغم تراجع صورة الصحافة المهنية في إسرائيل. ففي مطلع عام 2021، كان أغلب أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي (واحد وخمسون من أصل مئة) من المحامين، وإلى جانبهم صحافي واحد فقط. أما في الانتخابات الإسرائيلية مطلع 2021، فقد ترأس أربعة صحافيين قوائم حزبية. وعندما أراد يائير لابيد إطلاق مسيرته السياسية، كانت خطوته الأولى الانتقال من تقديم برنامج حواري بقميص أسود إلى تقديم نشرة أخبار جادة. قال في افتتاح بثّه الأول: «أنا يائير لابيد، وأنا أرتدي ربطة عنق». لأن اللاوعي الإسرائيلي يربط بين من أمضى وقتًا طويلًا يتحدث عن السياسة والأمن على الشاشة، وبين من ستكون كلماته أثقل وزنًا عندما يتناول الموضوع ذاته كسياسي.
إن المخاوف الوجودية للإسرائيليين لا تشكّل عاداتهم الشرائية والإعلامية فحسب، بل سلوكهم الانتخابي أيضًا. يمكنهم دائمًا أن يقنعوا أنفسهم بأكاذيب صغيرة عن رغبتهم في سياسة أنظف، واهتمام أكبر بشؤونهم اليومية، وسياسيين تقنيين أكفاء على الطراز الإسكندنافي. لكن داخل معزل الاقتراع، بعيدًا عن الأنظار، يصوّت معظم الإسرائيليين، في معظم الأحيان، بناءً على سؤال واحد: عندما يرنّ الهاتف الأحمر عند الرابعة صباحًا، من يجب أن يجيب؟ من ينبغي أن يرفع السماعة ويتخذ القرارات المصيرية التي تبقي دولة إسرائيل حيّة؟ هذا هو السؤال — ولا سؤال غيره. أما سائر الاعتبارات فتُدفع عادة إلى الهامش. فإذا كانت إسرائيل «فيلا في الغابة»، كما قال إيهود باراك ذات مرة، فإن الخوف من الوحوش في الغابة يتقدّم على أسئلة فواتير الكهرباء وضرائب البلدية في الفيلا.
منذ لحظة استقلال إسرائيل، كان واضحًا لمواطنيها من سيتولى توفير الأمن. فقد بُني جيش الدولة الفتية على هيكل «الهاغاناه» السابقة، الذراع العسكرية لحزب «مباي». وقد انعكس ذلك في اسمه ذاته: «قوات الدفاع (الهاغاناه) الإسرائيلية». جُنّد قدامى «الإرغون» و«ليحي» في الجيش الجديد، لكنهم حُرموا تقريبًا من الصعود في مراتبه. والمكان الوحيد الذي استطاعوا فيه التقدّم نسبيًا كان جهاز «الموساد»، لكن الخدمة فيه حكمت عليهم بالعمل في الظل. كان ذلك زمنًا يُصنَّف فيه الضباط — شبه علنًا — وفق انتماءاتهم السياسية. كان الجيش مفتاح الاندماج في المجتمع الإسرائيلي؛ وكانت هيئة الأركان مفتاح السياسة.
استثمر «مباي» مجده في ساحات القتال خلال حرب الاستقلال لتعزيز مكانته. ففي قائمته لأول كنيست، ضمّ ضابطين رفيعي المستوى: المقدم موشيه دايان في المرتبة العاشرة، يليه مباشرةً آصاف سيمحوني، الذي أصبح لاحقًا قائد المنطقة الجنوبية في الجيش. وكان دايان يحضر المهرجانات الانتخابية بزيّه العسكري الكامل وعصابة العين الشهيرة. آنذاك، لم يكن ما يُعرف اليوم بـ«فترة التبريد» للضباط قبل دخول السياسة سوى فكرة بعيدة المنال. كان «مباي» حزبًا له دولته الخاصة، وكانت الأمة كلها جيشه.
قاد الحزب الحاكم البلاد إلى انتصار تلو انتصار. ففي حرب الاستقلال توسعت حدود إسرائيل تحت قيادته إلى حدٍ غير مسبوق. وبعد ثماني سنوات، احتل الجيش — بإمرته — غزة وسيناء في عملية مشتركة مع فرنسا وبريطانيا. وبلغ المجد ذروته في حرب الأيام الستة. فقد حوّل ذلك الانتصار المذهل على العالم العربي قادة الجيش إلى نجوم، وجنى قادة «مباي» ثمارًا سياسية كذلك. سار وزير الدفاع موشيه دايان عبر باب الأسباط في البلدة القديمة بالقدس إلى جانب رئيس الأركان يتسحاق رابين، بزيّه الكاكي. فهل يمكن تخيّل بيني غانتس يدخل غزة بلباس عسكري قتالي؟
إن أول ثمانية جنرالات دخلوا السياسة الإسرائيلية هبطوا جميعًا بالمظلات إلى معسكر الحكم. أما مناحيم بيغن؟ فكان جنديًا في الجيش البولندي الحر. صحيح أن ضباط «الإرغون» و«ليحي» نفّذوا عمليات جريئة ضد البريطانيين ولاحقًا في حرب الاستقلال، لكن دورهم مُحي من المناهج الرسمية، وبات أقرب إلى تاريخ بعيد، كحرب القرم. وفي الانتخابات، لا جدوى من إهدار الوقت والمال في محاولات إقناع عقيمة. كان الأمن احتكار الحزب الحاكم.
ولهذا، حتى في انتخابات 1973 — كما في الانتخابات السبع السابقة — لم يرَ «الليكود» فائدة تُذكر في خوض حملة على قضايا الأمن. فالهدوء الذي ساد ثلاث سنوات على حدود إسرائيل الموسّعة، من قناة السويس جنوبًا إلى جبل الشيخ شمالًا، نُسب بالكامل إلى «المعراخ» (التحالف الذي خلف «مباي»). كانت غولدا مائير «الرجل الوحيد في الحكومة»، كما قال بن غوريون. وكان موشيه دايان مشغولًا بسرقة الآثار، من دون وجود «تويتر» يفضح ذلك. ولم يكن لدى الليكود، حزب المعارضة الرئيسي، ما يقدّمه بعدُ في مجال الأمن.
لا يعني هذا أن بيغن لم يحاول. ففي ديسمبر/كانون الأول 1969، انضم أول جنرال إلى الليكود — القائد السابق لسلاح الجو الإسرائيلي، اللواء احتياط عيزر وايزمان — بعدما علم أنه لن يُعيَّن رئيسًا للأركان. استقال من الجيش في اليوم ذاته وأعاد بزّته العسكرية، وبحلول المساء، ووسط دهشة الجميع، كان قد أدّى اليمين وزيرًا في حكومة الوحدة ممثلًا لفصيل بيغن. وكانت هذه الصفقة جذابة بشكل خاص نظرًا لسيرته: فهو ابن شقيق أول رئيس لإسرائيل، حاييم وايزمان؛ وابن عائلة راسخة في «مباي»؛ وبطل من أبطال «الهاغاناه».
وفي عام 1973 انضم إلى بيغن عضو سابق آخر في «مباي»، لواء احتياط اسمه أريئيل شارون. فجأة بات بوسع الليكود أن يتفاخر برتب عسكرية. وكان بيغن قد انسحب من حكومة الوحدة بعد أن رضخت غولدا مائير لضغوط أميركية شديدة وتبنّت «خطة روجرز» لإنهاء حرب الاستنزاف في غرب سيناء، والتي تضمنت تعهدًا مصريًا بالحفاظ على الوضع العسكري القائم. لكن المصريين انتهكوا الاتفاق في الليلة نفسها ودفعوا ببطاريات صواريخ متطورة مضادة للطائرات نحو قناة السويس. واتضح لاحقًا أن التوقيت كان مروّعًا: فوقف إطلاق النار فُرض بعد 1,162 يومًا من نهاية حرب الأيام الستة، وقبل 1,162 يومًا بالضبط من اندلاع حرب يوم الغفران. كان العدّ التنازلي للحرب قد بدأ، وكذلك العدّ لزلزال انتخابي كبير.
ومع ذلك، ركّز الليكود آنذاك — من وجهة نظره — على القضايا الاقتصادية. ففي أوائل أكتوبر/تشرين الأول 1973، أعلن الليكود أن «المعراخ» مسؤول عن الفقر. وقبل يوم واحد فقط من اندلاع القتال، وعد إعلان لليكود بحرب — لكن ضد «حكم البيروقراطيين وأصحاب المحسوبيات». لم يكن هناك جدوى من الجدال حول الأراضي التي احتُلت عام 1967، إذ لم يكن أحد يخطط للانسحاب منها. وخصّص «المعراخ» ملصقًا انتخابيًا واحدًا فقط للقضايا العسكرية–الدبلوماسية، جاء فيه: «على ضفاف قناة السويس يسود الهدوء، كما في صحراء سيناء وهضبة الجولان… تُقام مستوطنات. مكانتنا الدبلوماسية قوية. هذا ثمرة سياسة متزنة وجريئة. وهذا دليل على قِصر نظر قادة "غاحال" [الليكود]». وفي الصيف الذي سبق الحرب، قررت الحكومة تقليص مدة الخدمة العسكرية الإلزامية بثلاثة أشهر، وكان من المقرر أن يدخل القرار حيّز التنفيذ أواخر عام 1973.
من بين كل سيل المعلومات الاستخباراتية الواردة، كان التقرير الذي نبّه إسرائيل أخيرًا إلى أن حربًا رهيبة تلوح في الأفق يدور حول خبز البيتا: فقد اكتشفت مديرية الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي أن الجيش السوري طلب عشرات الآلاف من أرغفة البيتا من مخبز في مكانٍ ناءٍ لا يكاد يُذكر. لا جدوى من إعادة سرد كيف سارت إسرائيل نائمةً إلى الحرب للمرة المليون؛ يكفي القول إن Golda Meir، وقد بلغت الخامسة والسبعين من عمرها ومن دون أي خبرة أمنية تُذكر، امتلكت حدسًا كافيًا لتشعر بأن شيئًا ما ليس على ما يرام، لكنها افتقرت إلى الجرأة لتضرب بقبضتها على الطاولة أمام جنرالاتها وتقول: «يا جماعة، هناك حرب على وشك الاندلاع». وحين آوت إلى فراشها منهكة، لم تعد الهواتف ترنّ في أحلامها. كانت إسرائيل تصغر سنًا، لكن حكومتها كانت تشيخ: بلغ متوسط أعمار وزراء غولدا مائير ثلاثةً وستين عامًا.
عند الرابعة فجرًا، في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973 — يوم Yom Kippur، أقدس أيام التقويم اليهودي — رنّ الهاتف. هذه المرة حقًا، لا في حلم. قال صوت عبر الخط: «ستندلع حرب اليوم». أجابت غولدا: «كنت أعلم ذلك»، وأغلقت السماعة. وقالت لاحقًا متحسّرة: «باستثنائي، كانوا جميعًا رجالًا معتادين على الشؤون العسكرية، لكن لم يفكر أحد بطريقة مختلفة. لم ينهض أحد ليقول: ثمة شيء مختلف. وأنا، المدنية التي لم تكن تعرف تمامًا ما هي الفصيلة العسكرية، كان عليّ أن أتخذ قرارًا. ما زلت أتعذّب بسبب ذلك حتى اليوم».
في شيخوختها، عادت إلى ذهنها الصدمة التي دفعتها أصلًا إلى أن تصبح صهيونية: حين كانت فتاةً في كييف، سمعت ذات يوم، مع بقية أفراد مجتمعها، أن عصابات معادية لليهود في طريقها لشنّ مذبحة بحق يهود المدينة. وظلّ غضبها من والدها، النجار، يرافقها طوال حياتها؛ إذ بدلًا من تجهيز السكاكين والمذاري لردّ الهجوم، اكتفى بإحكام النوافذ وتعزيز الأبواب. أقسمت يومها أن تُفضّل دائمًا الضربة الاستباقية وألا تكون في موقف دفاعي أبدًا، ومع ذلك، بعد سبعين عامًا، لم تجد نفسها إلا تنتظر مذعورة خلف بابٍ مغلق هجومًا على الدولة اليهودية. مات شيء في داخلها عندما سمعت صفارة الإنذار الأولى. قالت لاحقًا بأسى: «أنا مجرد امرأة عجوز، ماذا كان بإمكاني أن أفعل؟» وأفضت إلى أحد كبار الجنرالات بسرّ رهيب: في أحلك أيام بداية الحرب، فكرت جديًا في إنهاء حياتها.
لم تكن تعلم آنذاك أن التحصينات العسكرية لإسرائيل لم تكن وحدها التي ستنهار خلال ساعات؛ فقد كانت دفاعات هيمنة «المعراخ» (التحالف العمالي) على السلطة، التي استمرت خمسةً وعشرين عامًا، على وشك الانهيار أيضًا. إن فشل غولدا في التعامل مع خطط الحرب المصرية والسورية كان سيغدو أهم قراراتها السياسية: فلو وجهت ضربة استباقية عام 1973، لعلّ Likud ما كان ليصعد إلى الحكم عام 1977.
لم تعرف إسرائيل حربًا كهذه من قبل. ففي خضم الحملة الانتخابية، وجد مرشحو الأحزاب الكبرى أنفسهم يبدّلون ملابسهم إلى بزّات عسكرية ويهرعون إلى سيناء لإنقاذ البلاد. عُيّن وزير الصناعة والتجارة في «المعراخ»، حاييم بارليف، قائدًا للجبهة الجنوبية. وخدم تحت إمرته اللواء Ariel Sharon، المرشح البارز على قائمة الليكود المنافسة، قائدًا لإحدى الفرق. كانت حروب الجنرالات أيضًا حروبًا بين سياسيين. في اليوم الثامن من الحرب، داخل ملجأ القيادة العسكرية، اندفع شارون نحو قائد الجبهة الجنوبية بارليف وكاد يهوى بقبضته على رأسه، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة وتفادى لكم قائده. وذكرت الصحف أن «الجنود على الجبهة الجنوبية يتحدثون عن فرقة لليكود وفرقة للمعراخ».
لم تُظهر كاميرا الفيديو التي سجّلت زيارة غولدا للجنود على الضفة الغربية للقناة، بعيد وقف إطلاق النار، أي مؤشرات غير اعتيادية للاحتجاج. بل على العكس، ظلّت رئيسة الوزراء تحظى بالاحترام، بل بالإعجاب. وأظهر فوزها في الانتخابات اللاحقة أن الجمهور احتاج وقتًا ليستوعب الصدمة. لكن حين فُرزت أصوات الجنود، تكشّف أمر دراماتيكي: فقد توافد الجنود الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع — المنتشرين لأول مرة في تاريخ إسرائيل من أرض أفريقيا حتى مشارف دمشق — وصوّتوا، للمرة الأولى، باتجاه الليكود. وبعد أن عاينوا الكارثة عن قرب، عادوا إلى بيوتهم لينقلوا إلى عائلاتهم وأصدقائهم الشعور نفسه بالغضب، الذي أنهى حكم النظام القديم. لقد نام الجمهور الإسرائيلي مطمئنًا بعدما ائتمن «المعراخ» على أمنه، ليكتشف أن الحراس قد غفوا في نوبة الحراسة. انسَ الفساد والإخفاقات الاقتصادية: فهذا هو الذنب الوحيد الذي لا يُغتفر في إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، يدفع حزب العمل ثمنه المؤلم. أما زلزال انتخابات 1977 فمثّل، قبل كل شيء، انتقال دور «الحارس القومي» من حركة العمل إلى الليكود.
ولحسن حظ زعيم المعارضة Menachem Begin، لم تتذكر تصريحاته النارية قبيل الحرب سوى الأرشيفات: «أستطيع أن أعلن أن الجيش المصري لا يمكنه عبور القناة. وإذا شنّ هجومًا فسيلقى هزيمةً أكبر من هزيمته في حرب الأيام الستة». لكن كثيرين تعاطفوا مع صرخته في الكنيست بعد الحرب: «باسم الله، لماذا لم ترسلوا القوات إلى الجبهة؟» مرة أخرى، تأكدت قاعدة سياسية قديمة: عندما تكون في المعارضة — فالكلام مجاني. ومع أن بيغن كان قائدًا سابقًا لتنظيم Irgun، فإنه لم يُنظر إليه يومًا بوصفه مرجعية أمنية. غير أن السياسة لعبة بدائل. ومن باب «المزيد من الأمان» — بالمعنيين الحرفي والمجازي — سلّح نفسه قبيل انتخابات 1977 بعدد من الضباط المتقاعدين. وقال لصديق وعيناه تتلألآن: «سيكون لدينا خمسة جنرالات».
منذ عام 1977، وُلدت اتفاقيات سلام وماتت؛ ونفّذ الجيش الإسرائيلي انسحابات وعمليات عسكرية. لكن رسالة الليكود الرابحة بقيت كما هي، ويمكن تلخيصها بكلمتين: تشاؤم حذر. تشاؤمٌ يستند إلى تقدير واقعي بأن الإسرائيليين محكوم عليهم بالعيش بالسيف (أو على الأقل مع السيف)؛ وإلى شكٍّ في صدق نيات جيران إسرائيل السلمية؛ وخوفٍ من أن يُطاح بالجيران المعتدلين على يد قوى إسلامية متطرفة؛ وإيمانٍ بأن أي انسحاب — إن حدث — يجب أن يُنفذ بأقصى درجات الحذر. وعلى مر السنين، أزال الليكود عشرات المستوطنات وخاض عمليات عسكرية في غزة ويهودا والسامرة ولبنان، حصدت مجتمعةً أرواح مئات الجنود. وفي معظم الحالات، كان الجمهور مستعدًا لمنحه الفضل — في السلم كما في الحرب.
لقد شكّلت الحوادث الأمنية نتائج معظم الانتخابات الإسرائيلية حتى اليوم: ففي عام 1981 ساهم قصف المفاعل النووي العراقي في تمهيد طريق الليكود إلى النصر خلافًا لكل التوقعات واستطلاعات الرأي. وعشية انتخابات 1988، قُتلت أم وثلاثة من أطفالها بعدما ألقى إرهابي زجاجة حارقة على حافلة قرب أريحا؛ وادّعى مرشح حزب العمل Shimon Peres أن الحادثة كلّفته «مقعدين إلى أربعة»، فآلت الغلبة إلى الليكود بفارق مقعد واحد. وفي عام 1992، أضعفت موجة طعنات نفذها إرهابيون من غزة موقع رئيس الوزراء Yitzhak Shamir عشية الانتخابات وأسهمت في هزيمته.
وأغلق Benjamin Netanyahu الفجوة مع بيريز بعد أربع سنوات، عقب موجة تفجيرات انتحارية أودت بحياة عشرات الإسرائيليين وزعزعت ثقتهم بأن اتفاقيات أوسلو تؤتي ثمارها. أما Ehud Barak، الذي هزم نتنياهو لاحقًا، فقد اضطر إلى الدعوة لانتخابات مبكرة عام 2001 بسبب الانتفاضة الثانية. ولخّص وزير الدفاع الليكودي المرموق Moshe Arens الأمر بقوله: «الأمن هو القلب النابض للسياسة الإسرائيلية، وإلى أن يتمكن حزب العمل من تقديم أجوبة أفضل للجمهور من الليكود، أو إلى أن يرتكب الليكود — لا قدّر الله — خطأ جسيمًا في هذا المجال، فسيبقى الليكود على الأرجح في الحكم».
وقد ظل هذا التقييم صامدًا في معظم الانتخابات منذ أن قبّل مناحيم بيغن زوجته أليزا في تلك الليلة الدراماتيكية من مايو/أيار 1977.
والأمر الأكثر عبثية أن عدد الجنرالات في السياسة الإسرائيلية ارتفع بشدة بعد إخفاق حرب يوم كيبور. ربما كان ذلك تعويضًا عن أخطاء السياسيين ببسالة الجنود؛ أو لعلّه كما غنّى مئير أريئيل: «الناس يصرخون طلبًا لما ينقصهم. ينقصهم الأمن؟ يصرخون: الأمن». فقد سيق ضباط المشاة إلى الأحزاب، وأُنزل المظليون بالمظلات إلى قوائمها. دخل خمسةٌ وستون ضابطًا إلى الكنيست على مر السنين. وربما لهذا السبب أيضًا لم تتولَّ أي امرأة رئاسة الوزراء منذ حرب يوم كيبور: فإذا كانت الحاضنة الرئيسية للسياسيين — وهي هيئة كبار ضباط القتال — حكرًا على الرجال، فما الأمل لامرأة لم تقد الجيش الإسرائيلي قط، ولا حتى وحدة قتالية واحدة؟
ذكّرت إعلانات حملة كاديما الانتخابية عام 2009 الناخبين بأن Tzipi Livni كانت ضابطة، وعميلة في الموساد، وعضوًا في المجلس الوزاري المصغّر للشؤون الأمنية لسنوات، لكن في استطلاعات الرأي كان يُنظر إلى مرشحة كاديما لرئاسة الوزراء على أنها أقل خبرةً عسكرية بكثير من نتنياهو وباراك. وتبقى Golda Meir المرأة الوحيدة التي شغلت منصب رئيسة الوزراء في تاريخ إسرائيل — وهو لقبٌ لن يُنتزع منها في المستقبل القريب.
لكن حتى بالنسبة إلى كبار الجنرالات المتقاعدين، أثبتت الحياة في الكنيست أنها شديدة الإحباط.
حاخام، وأستاذ جامعي، وجنرال يدخلون إلى الكنيست. يبدو الأمر كأنه بداية نكتة، والتاريخ يُظهر أنه كثيرًا ما ينتهي كذلك. ما يجمع بين هذه المهن الثلاث أنها تتمتع بجمهورٍ أسير: يجب إطاعة القادة العسكريين إن أراد جنودهم تفادي السجن؛ ويجب الإصغاء إلى الأساتذة إن أراد طلابهم النجاح؛ ويجب احترام الحاخامات إن كان أتباعهم يعرفون مصلحتهم. لكنهم حين يصلون إلى الكنيست، يصبح الجنرال والجندي البسيط على قدم المساواة.
في السياسة لا وجود لجمهور أسير؛ لا أحد يُؤسر، ولا أحد يُمنح القيادة. لهذا يميل الصحفيون إلى التفوق في السياسة: ففي استوديوهات التلفزيون، كما تحت قبة البرلمان، هم متمرّسون أصلًا في مخاطبة أوسع شريحة ممكنة واسترضائها. قلّة من المجنّدين العسكريين ينجون من هذا الانتقال الحاد. يحضرون مرتدين سترةً واسعة وربطة عنق معقودة بإهمال بدل الزي الرسمي الذي اعتادوا عليه. يسهل تمييزهم: يتجوّلون في الكنيست منفردين، وعلى وجوههم تكشيرة تمزج بين الشعور بالإهانة والملل وشيء من الاحتقار.
أُرسل الجنرال الأسطوري Moshe Dayan إلى وزارة الزراعة، حيث أمضى معظم وقته في معركة خاسرة لإقناع الإسرائيليين بالتحول من طماطمهم الدائرية المحبوبة إلى صنفٍ أنحف وأطول يسهل تصديره. وكان Yitzhak Rabin كارثيًا في ولايته الأولى كرئيس للوزراء؛ أما Ariel Sharon فقد ضاق ذرعًا بالكنيست بسرعة حتى إنه استقال في ولايته الأولى. ولم ينجح الثلاثة سياسيًا إلا بعد سنوات من «معسكرات تدريب» مُرهِقة.
عندما تقاعد Ehud Barak من رئاسة أركان الجيش وانتقل مباشرة إلى منصب وزاري في حكومة العمل، دعاه شارون إلى لقاء. وحذّره قائلًا: «أهم درس يجب أن تتذكره هو هذا: عندما تقتل شخصًا في الجيش، يكون قد مات. أما هنا فستسمع بلا توقف عن فلان الذي أُسقط، وفلان الذي انتهى. لكن في صباح اليوم التالي ستصطدم في مقصف الكنيست بمن “أقصيتهم”، أحياءً يُرزقون ومتعطشين للانتقام».
روى لي أحد مساعدي Shaul Mofaz مرةً كيف يبدو يوم خميس اعتيادي لوزير الدفاع: في التاسعة صباحًا يجلس قادة المناطق العسكرية في الجيش إلى جانبه بترتيبٍ مثالي لتقييم الوضع. يغادرون في العاشرة، فيدخل كبار ضباط وحدة عمليات خاصة لمناقشة مهمة سرّية في سوريا. في الحادية عشرة، يدخل قادة سلاح الجو لاستعراض خطط الحرب المقبلة ضد لبنان. وعند الثانية عشرة ظهرًا، على الطاولة ذاتها، يجلس صخبٌ من نشطاء الحزب القادمين من العفولة وحولون. بالنسبة لرجال اعتادوا سماع «سيدي، نعم سيدي»، فإن الفوضى المعروفة باسم «حزب» لا تُطاق.
على أي حال، لم تواجه الكنيست يومًا صعوبة في جذب المحاربين القدامى. فقد دخل أربعة عشر من أصل واحد وعشرين رئيس أركان سابقًا للجيش الإسرائيلي إلى السياسة، بينهم سبعة على التوالي، من إيهود باراك إلى Benny Gantz. كل جندي مشروع ضابط، وكل رئيس أركان مشروع رئيس وزراء. لكن بدل أن يجلب الجنرالات مزيدًا من الأمن إلى السياسة كما كان مأمولًا، انتهى بهم الأمر إلى جرّ السياسة إلى قلب قضايا الأمن.
أصبح إيهود باراك وزيرًا للداخلية في حكومة رابين بعد أسابيع من تقاعده من رئاسة الأركان. ورافق كتيبة كاملة من المراسلين السياسيين خليفته Amnon Lipkin-Shahak في يومه الأخير بالجيش عام 1988. وبعد وقت قصير، ألقى خطابًا بملابس مدنية أعلن فيه دخوله السياسة لأن رئيس الوزراء الذي خدم تحت قيادته «يعرّض إسرائيل للخطر». وعاد شاؤول موفاز إلى مجمّع «الكيريا» الدفاعي وزيرًا للدفاع بعد شهرين فقط من مغادرته منصب رئيس الأركان. لكن الرقم القياسي يعود إلى Dan Halutz، أول وآخر طيّار قاد الجيش الإسرائيلي، والذي تولّى قيادته خلال حرب لبنان الثانية: فقد رأى في طاولة هيئة الأركان منصة إطلاق تدفعه إلى الحكومة. وأعرب عن دعمه لخطة الانفصال عن غزة وهو لا يزال يرتدي الزي العسكري، وكان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الذراع العسكرية لحزب كاديما.
كثيرون يظنون أن «قانون فترة التهدئة» الذي أُقرّ عام 2007 — ويفرض على الجنرالات انتظار مدة قبل دخول السياسة — وُضع لحماية قدامى السياسيين من نجوم عسكريين صاعدين، لكن الحقيقة أنه يحمي الجيش. فالمبادرة التي أبقت الضباط الكبار بعيدًا عن الكنيست ثلاث سنوات وُلدت بين الانفصال عن غزة وحرب لبنان الثانية، في سياق العلاقة الفاسدة التي نشأت في مزرعة رئيس الوزراء أريئيل شارون بين الجنرالات والسياسيين. وقد سُمّي حينها «قانون حالوتس»، ولا قانون أكثر عدلًا منه. إذا أجرى صحفي مقابلة مع زعيم حزب ثم ارتمى في أحضانه، فذلك تصرّف غير لائق. أما إذا بنى فريق أول استراتيجية سياسية بينما يرسل جنودًا إلى المعركة، أو شارك عميد في منتدى سياسي سري، فهذه كارثة. يجب أن تشعر الأمهات الإسرائيليات بالثقة أن أبناءهن أُرسلوا للقتال ضد العدو، لا لتعزيز فرص قائدهم في الانتخابات التمهيدية الحزبية.
وفي إعلان الوظيفة الخيالي في مخيّلة الجمهور الإسرائيلي، ثمة شرط آخر للقائد (إلى جانب الخبرة الأمنية الواسعة): إجادة الإنجليزية بمستوى أهلها. تعود هوس الإسرائيليين بالإنجليزية إلى سنوات بعيدة. من المشكوك فيه أن ألمانيًا واحدًا فكّر في مستوى إنجليزية Angela Merkel قبل انتخابها مستشارة. ولا يبدو أن البريطانيين انشغلوا بمستوى فرنسية Boris Johnson. لكن لدى الإسرائيليين نقطة ضعف خاصة تجاه من ينتقل بسلاسة بين الأزمنة في المقابلات الأجنبية، ويفضّل أن يكون ذلك بلا أدنى لكنة محلية. ولديهم نفور أشد من أولئك الذين يتعثّرون في الإنجليزية كلاجئين مذعورين على أرضٍ غريبة، يرزحون تحت ثقل لكنتهم.
لا يزال الإسرائيليون الذين نشأوا في ثمانينيات القرن الماضي يذكرون النكات عن وزير الخارجية David Levy — مثل تلك التي تقول إن رجلًا سأله: «ما المشكلة؟» فأجاب: «متر، متر ونصف». كانت هذه النكات، على حساب فائز مستقبلي بجائزة إسرائيل، تحمل بلا شك عنصرًا قويًا من العنصرية، إذ إن الوزير المولود في المغرب كان يتحدث الفرنسية بطلاقة — وهي لغة دبلوماسية مهمة في القرن العشرين.
ولم يكن وحده. فقد تضررت فرص Amir Peretz كبديلٍ محتمل لرئاسة الوزراء بشدة عندما التُقطت له صورة وهو ينظر عبر الطرف المعكوس لمنظارٍ خلال حرب لبنان الثانية. لكن الضربة القاصمة جاءت قبل ذلك بنحو عام، حين ألقى خطابًا أمام جمهور من يهود أميركا. كان الخط صغيرًا، وثقته بنفسه كبيرة، فكانت النتيجة إحراجًا هائلًا تصدّر نشرة الأخبار المسائية. أرسل كاديما والليكود الفيديو عبر البريد الإلكتروني — هكذا كانت المقاطع «تنتشر» في العقد الأول من الألفية — مقدّمين بيرتس باعتباره غير مؤهل لمنصب رئيس الوزراء، ومن هناك واصل الانحدار.
وطوال حملة انتخابات 2009، حاول بيرتس المناورة بين رغبته في تجنّب الخطابات بالإنجليزية — التي لم يكن يتقنها جيدًا — وحاجته إلى تصحيح صورة الإخفاق. نظّم مساعدوه له بعناية عدة لقاءات بالإنجليزية مع قادة أجانب. وانقضّت وسائل الإعلام على هذه المناسبات، التي جرت على النحو التالي: يتلو بيرتس بضع جمل محفوظة بالإنجليزية، ثم يصرّ الصحفيون الإسرائيليون، بقسوتهم المعهودة، على طرح الأسئلة عليه بالإنجليزية لإرباكه مجددًا. في إحدى الفعاليات التي حضرتها، تجاهلنا تمامًا ضيفه، وهو سيناتور أميركي منتخب حديثًا، ولم يُطرح عليه سؤال واحد. وعندما غادر الصحفيون القاعة أخيرًا، قال السيناتور لبيرتس: «كان في عيون هؤلاء الصحفيين شيء سيئ». من كان السيناتور؟ Barack Obama.

الإسرائيليون، من نواحٍ كثيرة، ليسوا سوى جماعة يهودية خائفة أخرى في سلسلةٍ تمتد ألفي عام من الجماعات اليهودية الخائفة، حتى وإن كانوا أكبر حجمًا وأكثر استقلالًا ممن سبقوهم. إن الشعور بانعدام الأمن الوجودي يدفع اليهود إلى الرغبة في مخاطبة أسيادهم الإقطاعيين بلغتهم هم، لا باليديشية أو بأي لسانٍ عامّي غير مهذّب. وقد كان هذا حال دون إسحاق أبرابانيل في إسبانيا، حين توسّل إلى الملكين الإسبانيين فرديناند وإيزابيلا للتراجع عن قرار طرد اليهود؛ وحال نحمانيدس (موسى بن نحمان) الذي ناظر القساوسة علنًا تحت نظر الملك؛ وكذلك حال وزير الخارجية الإسرائيلي الأسطوري آبا إيبان، الذي وصفه الكاتب الساخر إفرايم كيشون في إحدى اسكتشاته بأنه كلما تحدث في الأمم المتحدة، هرع مندوبا بريطانيا والولايات المتحدة إلى قواميسهما ليعرفا ماذا قال.
وينطبق الأمر ذاته على السياسيين الإسرائيليين في مقابلاتهم الإعلامية مع محاورين عدائيين على الشبكات الأميركية أو البريطانية. فعندما يستطيع رئيس وزراء إسرائيلي أن يتحدث مع قادة العالم بندّية، ينظر إليه الإسرائيليون بوصفه أكثر جدية وأجدر بمنصبه. وقد قاد الهوس القهري لدى السياسيين الإسرائيليين بالتحدث بالإنجليزية إلى مشاهد مثيرة للسخرية عبر السنين، كاحتفالات سلام يتحدث فيها الزعيم العربي بالعربية، ويتحدث الزعيم الأميركي بالإنجليزية، بينما يتلعثم الزعيم الإسرائيلي بإنجليزية إسرائيلية تكاد تخلو من الحركات.
ثم جاء بنيامين نتنياهو. كان أول رئيس وزراء إسرائيلي — إن لم نحتسب غولدا مائير التي نشأت في الولايات المتحدة — يحلم بالإنجليزية. وكان يُقال إن أريئيل شارون كان يقيّم الناس بناءً على طريقة مصافحتهم: فالأيدي الخشنة من العمل الزراعي ترفع مكانة صاحبها في نظره، بينما يكنّ احترامًا أقل للمحامين ذوي الأيدي الشاحبة المعتنى بها.
أما نتنياهو فكان يقيّم الناس بناءً على لغتهم الإنجليزية. كانت أحاديثه تتخللها كلمات معقّدة تنتهي بـ «ـية» (ism)، وكانت محادثاته في مكتبه مع مساعديه — وكثير منهم مهاجرون ناطقون بالإنجليزية — تُدار بالإنجليزية. وعندما شكّل حكومته عام 2009، التقط مصور في شرفة الصحافة بالكنيست صورة له وهو يتبادل ملاحظات مكتوبة بالإنجليزية مع مدير مكتبه آري هارو. وعندما اتصل بي مساءً في أكتوبر/تشرين الأول 2018، بعد أن نشرتُ تقريرًا عن ثغرة قانونية تتيح له طلب الحصانة من الكنيست، كان متحمسًا. دار حديثنا بالكامل بالإنجليزية: «إنه أمر صادم؛ مذهل؛ يغيّر قواعد اللعبة»، قال بحماسة.
كانت أعظم لحظات نتنياهو في الرأي العام الإسرائيلي بلغةٍ أجنبية وعلى أرضٍ أجنبية: حين واجه خداع الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم الذي تبيّن لاحقًا أنه مجرم حرب نازي؛ وحين ألقى خطابًا تلو خطاب أمام الجدار الرخامي الأخضر للجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وحين ألقى محاضرة على رئيس أميركي مذهول حول تاريخ إسرائيل ومخاطر الانسحاب إلى حدود عام 1967؛ وحين خاطب الكونغرس الأميركي مرارًا على مدى ثلاثة عقود مندّدًا بالاتفاق النووي الإيراني. خطاباته بالإنجليزية أفضل من خطاباته بالعبرية. وقد قال والده بن تسيون نتنياهو ذات مرة في مقابلة إعلامية بنبرة استعلاء: «تعليمه بالعبرية لم يكن كافيًا. لا تزال هناك أمور عليه أن يستدركها. عبريته ليست سليمة اصطلاحيًا كما ينبغي».
وبالإنجليزية أو من دونها، حاول اليسار الإسرائيلي، بعد فقدانه السلطة عام 1977، استعادة قلوب الإسرائيليين باستدعاء الاحتياط من هيئة الأركان العامة. فما زال في خدمته أغنى خزان للآمال السياسية الإسرائيلية: الجيش الإسرائيلي. وحتى في العقد الثامن من استقلال إسرائيل، لا تزال الغالبية الساحقة من كبار الضباط تميل إلى اليسار. وغالبًا ما يشكو ناخبو اليمين من أنه رغم كثرة الضباط الصغار المنتمين إلى التيار الديني–القومي، لم يُعيَّن في السنوات الأخيرة أي لواء يرتدي الكيبا (القلنسوة اليهودية)، موحِين بوجود مؤامرة يسارية لإقصائهم. والحقيقة أكثر بساطة: فقد عكست هيئة الأركان عام 2021 دفعة التجنيد لعام 1985. فالجنرالات الجالسون حول طاولة أفيف كوخافي جُنّدوا قبل إنشاء الأكاديمية العسكرية الدينية–القومية في مستوطنة عيلي بالضفة الغربية.
خسر حزب الليكود السلطة ثلاث مرات ونصف منذ عام 1977. ويمكن تفسير كل هزيمة على حدة، لكن إذا وصلنا النقاط ببعضها تشكّل أمامنا هيئة قبعة عسكرية ورشاش «عوزي». ففي عام 1992، وبعد هزائم انتخابية متكررة، استُبدل الزعيم المدني لحزب العمل شمعون بيريس برئيس الأركان السابق إسحاق رابين، محرّر القدس في حرب الأيام الستة. فاكتسح حزب العمل الليكود وأصبح الحزب الحاكم لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا. وفي عام 1996، عاد بيريس إلى القيادة بعد اغتيال رابين — لكنه هُزم أمام بنيامين نتنياهو. وفي عام 1999، تعلّم حزب العمل الدرس وخاض الانتخابات بالجنرال المتقاعد إيهود باراك، أكثر الجنود تزيينًا بالأوسمة في تاريخ الجيش الإسرائيلي. عرضت الإعلانات الانتخابية صورًا له وهو يشارك في العملية الشهيرة لتحرير رهائن طائرة مخطوفة. وسحق نتنياهو، محققًا أكبر فارق انتخابي حتى ذلك الحين.
في عام 2006 وُلد الحزب الحاكم الثالث منذ قيام إسرائيل. فقد فكك أريئيل شارون، الجنرال المتقاعد الذي أسّس الوحدة 101 الخاصة وعبر قناة السويس في حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر 1973)، حزب الليكود وأسس حزب كاديما. ومنح هذه المغامرة السياسية الجديدة أوراق اعتماد أمنية ثقيلة الوزن. وعندما دخل شارون في غيبوبة، قاد إيهود أولمرت الحزب إلى النصر مستفيدًا من إرث شارون، وإن بفارق أقل مما كان متوقعًا. ووصفت إحدى الصحف المشهد في صباح اليوم التالي وصفًا بليغًا: «لقد فاز شارون بهذه الانتخابات وعيناه مغمضتان».
أما انتخابات 2019–2020 فقد حطمت الأرقام القياسية. فبعد انتصاري الليكود المتتاليين على المحاميين تسيبي ليفني وإسحاق هرتسوغ، وعلى الصحفيين يائير لابيد وشيلي يحيموفيتش، استُدعي الجنرالات مرة أخرى. إذ شكّل ثلاثة رؤساء أركان سابقين قائمة «أزرق أبيض» معًا. وللاحتياط، ضمّوا أيضًا لواءين متقاعدين، ونائبَي مفتش عام سابقين في الشرطة، ونائب رئيس سابق للموساد. لُقّبَت قيادة الحزب بـ «قمرة القيادة»، إلى أن فعّل بيني غانتس وغابي أشكنازي «مقاعد القذف» وحلّا هذا التحالف لتشكيل حكومة مع نتنياهو. تفاخر أحد الإعلانات الانتخابية بامتلاك قادة الحزب «117 عامًا من الخبرة الأمنية» مجتمعة — أو 120 عامًا إذا احتُسبت السنوات الثلاث التي أمضاها يائير لابيد كاتبًا في مجلة الجيش الإسرائيلي. وكان كل ذلك كافيًا لإجبار نتنياهو على تشكيل حكومة والموافقة على تناوب منصب رئيس الوزراء — اتفاق لم يُحترم. والاستثناء الوحيد كان التناوب الذي فرضه شمعون بيريس على الليكود بقيادة إسحاق شامير عام 1984. وربما ساعده في ذلك أنه كان مؤسس المفاعل النووي في ديمونا.
إن وجود جنرال على رأس الحزب يبدو شرطًا ضروريًا لكنه غير كافٍ لاستعادة اليسار السلطة في إسرائيل. فبسبب التصور بأن اليمين أكثر مصداقية في قضايا الأمن، لم يُهزم الليكود في صناديق الاقتراع إلا عندما قدّم الحزب المنافس — إضافة إلى «اقتناء عسكري لامع» — برنامجًا مدنيًا واضحًا. ففي عام 1992 صعد رابين إلى الحكم في ظل تزايد السخط الشعبي من الفساد في الليكود ووعد حزب العمل بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية. وفي عام 1999 انفجر إيهود باراك غضبًا عندما أظهر له مستشاروه الأميركيون أن مرؤوسه السابق في وحدة «سييرت متكال» الخاصة، بنيامين نتنياهو، يتفوق عليه في استطلاعات الأمن ومكافحة الإرهاب. لكنه عندما هدأ، اتبع نصيحتهم وركّز على ارتفاع معدلات البطالة وعلى قضية امرأة مسنّة عولجت في ممر مستشفى في نهاريا، التي أصبحت رمزًا لاختلالات نظام الرعاية الصحية. وفي عام 2006 تراجع الليكود من أربعين مقعدًا إلى اثني عشر فقط في أعقاب السياسات الاقتصادية الصارمة لوزير المالية بنيامين نتنياهو، التي خفّضت الأجور وإعانات الرعاية لمئات آلاف الناخبين اليمينيين الغاضبين. وبالمثل، لم يتحدث غانتس وأشكنازي وموشيه يعلون تقريبًا عن الأمن خلال انتخابات 2019–2020، بل ركزوا على لوائح الاتهام بالفساد ضد نتنياهو — مزاعم تلقي هدايا غير مشروعة من السيجار والشمبانيا ومحاولات شراء تغطية إعلامية إيجابية — وعلى مسألة ما إذا كان يمكن لرئيس وزراء أن يواصل مهامه وهو ملاحَق قضائيًا.
يتبيّن أن الناخبين اليمينيين في إسرائيل ليسوا يمينيين جدًا من الناحية الاقتصادية. فعلى المحور الاجتماعي–الاقتصادي، خلافًا للمحور الدبلوماسي–الأمني، يميل الإسرائيلي المتوسط قليلًا نحو اليسار. فهم ليسوا اشتراكيين، لكنهم بالتأكيد ليسوا رأسماليين أيضًا. بالنسبة للإسرائيليين، القيمة الأساسية في الاقتصاد، بكلمتين، هي «المسؤولية المتبادلة»: يحصل أطفال الأغنياء والفقراء على التطعيم في نفس العيادات الصحية، ويتعلمون في نظام التعليم العام ذاته، حتى وإن كان للأوائل حق الوصول إلى الدروس الخصوصية والنوادي الروبوتية ونوادي المناظرة. في إسرائيل، خلافًا للولايات المتحدة، لا يوجد أي تسامح تقريبًا مع فكرة نوم المشردين في الشوارع، حتى لو استلزم ذلك بناء ناطحات سحاب أطول بكثير. وقد يُعوض التفوق اليميني في قضايا الأمن، الذي بدأ مع غولدا مائير، تقريبًا بالكامل عندما تصبح تكلفة فواتير الهاتف والسكن ووسائل النقل العامة على جدول الأعمال.
منذ حرب الأيام الستة، التي أطلقت النقاش حول السلام، وحرب يوم الغفران، التي أطلقت النقاش حول الأمن، لم تشغل القضايا الاقتصادية الرأي العام الإسرائيلي كثيرًا. بالطبع، كان هناك دائمًا أحزاب ذات سياسات رأسمالية واضحة أو أجندة اشتراكية، لكن الناخبين نادرًا ما يبالون بذلك. بدلًا من ذلك، يقدّرون التصريحات الجريئة مثل «الإطاحة بحكم حماس» أو «لا يمكن هزيمة الإرهاب بالوسائل العسكرية» أكثر من البرامج المتسقة حول الضرائب المباشرة مقابل غير المباشرة أو الطريقة الصحيحة لتنظيم التأمين الصحي. أذكر كيف كان أحد نواب المعارضة مذهولًا تمامًا عندما سُئل عمّا إذا كان يؤيّد رفع الضرائب أم خفضها. وكانت إحدى الوزيرات الكبيرة في الليكود تسمح لنفسها بالقول إن هناك مشكلتين فقط في إسرائيل: الضرائب المرتفعة والميزانية الصغيرة. وكأن أموال الدولة تنمو على الأشجار في بيوت زجاجية بالنقب.
اليمين الإسرائيلي كبير ومتعدد الألوان، ومنذ سنوات يعيش فيه جنبًا إلى جنب زعماء يمينيون متطرفون رأسماليون مثل بنيامين نتنياهو، ونفتالي بينيت، وأيلت شاكيد، وأحزاب يسار متطرف مثل شاس واتحاد Torah اليهودي (UTJ)، التي تروّج لإعانات ضخمة ودعم مالي واسع. في المقابل، فقد حزب العمل دعم أي عامل منذ سنوات طويلة. خلال العقود الأخيرة، قاد المعسكر الاجتماعي–الديمقراطي رجال أعمال يسكنون الأبراج (إيهود باراك)، ورؤساء مكاتب محاماة تخدم أعلى 1% في إسرائيل (إسحاق هرتسوغ)، ومدراء تنفيذيون لشركات احتكارية ضخمة (أفي جاباي)، وبالطبع سلسلة من أصحاب المعاشات الحكومية الكبيرة.
كتب زئيف جابوتنسكي، المؤسس الأيديولوجي لليمين الإسرائيلي، ذات مرة أنه لو تعرّض للنشل وهو يغني نشيد «هاتكفاه»، فلن يستمر بالوقوف في وضع الاستعداد. كنت أفكر في هذا كل مرة أصعد فيها من موقف سيارات الكنيست إلى جناح اللجان. لاحظت أنه في الأيام التي يركز فيها الإعلام على أزمات التحالفات، كان موقف السيارات شبه فارغ. لكنه كان ممتلئًا تمامًا بالسيارات الجديدة واللامعة خلال مناقشات لجنتي المالية والاقتصاد، التي بالكاد تغطيها وسائل الإعلام: القرارات الدرامية الحقيقية، تلك التي تساوي مليارات الشواقل، تُتخذ هناك بعيدًا عن ملل الإعلام.
في صيف 2011، نُصبت خيمة واحدة على شارع روتشيلد في تل أبيب. وبعد أسبوع واحد، أصبحت هناك أربعون ألف خيمة. وخلال شهر، اجتذبت هذه الخيام نصف مليون متظاهر. اجتاحت موجة احتجاجات إسرائيل، دون كلمة واحدة عن الأمن أو إيران أو المستوطنات. طالب الناس، بأعدادهم الكبيرة، بالعدالة الاجتماعية. لم يحدث شيء مشابه منذ حرب يوم الغفران. لكن كانت هناك احتجاجتان مختلفتان تركبان نفس الموجة: الأولى، احتجاج نيوليبرالي، نظر إلى الإسرائيليين كمستهلكين وسأل: لماذا إسرائيل مكلفة جدًا؟ لماذا تكلفة شقة في تل أبيب مساوية لتكلفة شقة في مانهاتن؟ لماذا موس الشوكولاتة الإسرائيلي أغلى في أشدود منه في برلين؟ الثانية، احتجاج اجتماعي–ديمقراطي، نظر إلى الإسرائيليين كعمال: لماذا يحصلون على أجور منخفضة ويعملون ساعات طويلة؟ لماذا معاشاتهم منخفضة، ولم يعد هناك أمان وظيفي؟
الحماس الكبير في الشوارع أخفى بعض المفارقات الواضحة: معظم المتظاهرين من الطبقة العليا–الوسطى، لكن الدعوة إلى العدالة الاجتماعية تعني مساعدة الفئات الأضعف (من خلال فرض ضرائب أعلى على المتظاهرين). كانت احتجاجات العدالة الاجتماعية تطالب بخفض الضرائب والرسوم وزيادة الخدمات العامة؛ كما طالبت بزيادة الدخل وإعادة تأهيل دولة الرعاية الاجتماعية. تشبيهًا صارخًا، يشبه الأمر مسيرة مشتركة بين مجلس المستوطنين وحركة «السلام الآن» تدعو إلى ضم المستوطنات فورًا، يليها إخلاؤها الفوري! غريب، أليس كذلك؟
إلا أن هذا الاحتجاج كان محاولة يائسة، الأولى بعد نحو خمسين سنة من النقاشات العقيمة حول الأمن، للقول إنه حان الوقت للحديث عن شيء آخر أيضًا. وبصدفة استثنائية، اجتمع حشود الإسرائيليين في ساحة كikar HaMedina في تل أبيب في 2011 في نفس العام الذي اجتمع فيه حشود المصريين في ميدان التحرير في القاهرة. كانت احتجاجات مختلفة جدًا، لكنها شاركت شيئًا واحدًا: التطلع إلى التغيير.
تحوّل «الربيع العربي»، الذي علّق عليه الناس في العالم آمالهم، بسرعة إلى شتاء إسلامي كئيب. احترقت سوريا، وغليت مصر، وانقلب لبنان رأسًا على عقب. وللإسرائيليين القلائل الذين ما زالوا يؤمنون بإمكانية السلام، أصبح واضحًا أنه لا أحد يمكن التحدث إليه حتى إشعار آخر. كانت الغابة، كما قال باراك، مشتعلة بالحرائق الجامحة التي لا يمكن السيطرة عليها. وحينها بالذات، أغلق الإسرائيليون، الذين كانوا ستين سنة يترقبون الغابة من نوافذ فيلتهم المثلية لمراقبة المفترسات، ستائرهم ويأسوا، مدركين أنهم لا يملكون السيطرة على الأحداث الخارجية. ولأول مرة، حولوا اهتمامهم من الغابة إلى الفيلا نفسها.
ولدهشتهم، اكتشفوا جدرانًا رطبة، وبلاطًا مكسورًا، وفواتير كهرباء فاحشة. نسيوا الغابة، صاح المتظاهرون دون أن يدركوا، حان وقت تجديد الفيلا! شهدت الانتخابات التالية، عام 2013، تحولًا ضخمًا وغير مسبوق نحو الأحزاب التي ركّزت على الاقتصاد وتكلفة المعيشة: حزب يش عتيد بقيادة يائير لابيد، الذي حمل شعار «أين المال؟»، كان على بعد مقعد واحد فقط من منع نتنياهو وحديثه عن كونه «قويًا ضد إيران»، وهو الحديث الذي أنهك الناخبين بالفعل. يجب أن تحتوي كل المنازل الجديدة في إسرائيل على مخبأ صواريخ خاص بها، وكما هو الحال في العديد من الشقق الإسرائيلية، أراد الناخبون تزيين مخابئهم الوطنية بألوان جميلة وتحويلها إلى غرفة ألعاب.
لكن بين الحين والآخر، يذكر الإسرائيليون بفظاظة سبب وجود مخابئهم، قادمة من سماء غزة، أو جبال لبنان، أو الحدود مع سوريا. ومرة أخرى، عاد الأمن ليكون القضية الأولى التي تصعد وتنهزم على أساسها رؤساء الوزراء، وعاد السياسيون للترويج للخوف. لأن الأمل، كما قال الفيلسوف فرانسيس بيكون، وجبة إفطار جيدة لكنه عشاء سيء.
كان الحرب والسلام، والخوف والأمل، متداخلين أيضًا في ذلك اليوم الممطر من ديسمبر 1978، عندما قُدّمت نعش غولدا مائير عبر شوارع القدس. ففي العام السابق، التقت بالرئيس المصري أنور السادات، صافحته، وقدمت هدية لحفيده. وعندما توفيت، أُيقظ رئيس الوزراء مناحيم بيغن في أوسلو، وكان على وشك تسلّم جائزة نوبل للسلام ذلك اليوم، تقديرًا لإحلاله السلام مع أشد أعداء إسرائيل مرارة، مصر. وعندما تم نقل نعش غولدا عبر القدس إلى مقبرة قادة إسرائيل، هزّت أم واحدة قبضة يدها بين الحشد. «غولدا!» صرخت، «أرسل تحياتي لإيلي، الذي مات في الحرب! »

المصدر:
أميت سيغال، اتصال الرابعة صباحا، الفصل الثاني، ترجمة محمد عبد الكريم يوسف، مكتبة نور، 2026



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سرطان في جسد الأمة قرار بن غوريون - نظام انتخابي عالمي حصري ...
- مساءلة رئيس الوزراء ترجمة محمد عبد الكريم يوسف
- رسالة الفيلسوف أوس غينيس إلى جيلنا وعصرنا
- حوار حول التهديد الذي لا يمكنك رؤيته مع جيريمي فليمنج، المدي ...
- النص الكامل لمقابلة تاكر كارلسون مع مايك هاكابي ، سفير الولا ...
- الرؤى الإنسانية المفقودة من البيانات الضخمة
- كيف تُدمر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة صحتك وما يمكنك فعله ح ...
- المخاطر الاستراتيجية لمحاربة إيران، الأستاذ جيفري ساكس
- أمريكا الخائفة
- التلاعب بالرسائل الإعلامية
- احذروا أيها الأثرياء، فالمذاري( مفردها مزراة) قادمة بقلم نيك ...
- الجميع يتحدث عن الرأسمالية: ولكن ما هي؟ كاجسا إيكيس إيكمان
- هل نرى الواقع كما هو؟ بقلم دونالد هوفمان
- السر القذر للرأسمالية – وطريق جديد نسلكه: بقلم نيك هانو
- هل تنبأت إعلانات سوبر بول بانهيار الذكاء الاصطناعي؟
- العيش مع الكائنات الفضائية
- ابحث عن الأشخاص المناسبين لك لقاء مع مؤسس ورئيس مجلس إدارة ع ...
- لماذا يخشى الكونجرس استدعاء كل اسم في ملفات إبستين؟ حوار مع ...
- النفط دمر هتلر، والتكسير الهيدروليكي دمر بوتين- دانيال يرجين
- روح محطة السكة الحديد


المزيد.....




- جولة ثالثة من المحادثات الأيرانية الأمريكية اليوم بغية الحصو ...
- شاحنة مديح تجوب الشوارع.. غزة تحتفي برمضان رغم الجراح
- بوليتيكو: مسؤولون أمريكيون يفضلون أن تبادر إسرائيل بمهاجمة إ ...
- المخابرات الأميركية تطلق حملة لتجنيد إيرانيين
- -ديب سيك- تحجب أحدث نماذجها عن شركات الرقائق الأميركية
- الجنرال دان كين.. مصادر تكشف لـCNN كواليس -الخلاف- بين ترامب ...
- أكبر عملية تستُّر.. الديمقراطيون يتهمون وزارة العدل بحذف ترم ...
- عاجل | عمدة كييف: انفجارات في العاصمة وتفعيل الدفاعات الجوية ...
- مدير FBI يُقيل موظفين مرتبطين بالتحقيق في قضية -سوء تعامل تر ...
- ماذا تبقّى من البرنامج النووي الإيراني، وهل لا يزال يُشكّل ت ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - مكالمة الساعة الرابعة صباحًا قرار غولدا مائير — عدم الذهاب إلى الحرب أميت سيغال