أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - العراق من فيض الحضارات إلى شحّ السياسات وبلد مهدد بالعجز المائي.؟














المزيد.....

العراق من فيض الحضارات إلى شحّ السياسات وبلد مهدد بالعجز المائي.؟


رمضان حمزة محمد
باحث


الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 21:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في البداية لابد من السؤال كيف تحوّل بلد الرافدين إلى ساحة أزمات مائية مركّبة. حيث لم يكن توصيف العراق بـ “بلاد الرافدين" مجازاً أدبياً، بل حقيقة جغرافية صنعت واحدة من أقدم الحضارات في التاريخ. فقد شكّل نهري دجلة والفرات عبر آلاف السنين ركيزة الاستقرار الزراعي والسكاني والاقتصادي. وعلى ضفافهما نشأت أنظمة ريّ متقدمة قياساً بزمنها، وتكوّنت بنية اجتماعية – اقتصادية قوامها الماء.
إلا أن هذه المعادلة التاريخية بدأت تتصدع وتتفكك خلال العقود الأخيرة، ليدخل العراق مرحلة يمكن وصفها بـ “الندرة المركّبة"؛ ندرة لا ترتبط فقط بانخفاض الإيرادات المائية، بل بتشابك عوامل المناخ والسياسة والإدارة والاقتصاد والبيئة. تشير البيانات الرسمية إلى أن معدلات الإطلاقات المائية الواردة إلى العراق شهدت انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بمتوسطات القرن الماضي. فالسدود الكبرى التي أُنشئت على منابع النهرين في دول الجوار المائي، إضافة إلى سنوات الجفاف المتكررة، أسهمت في تقليص الواردات المائية بنسب كبيرة في بعض المواسم.
العراق، بوصفه دولة مصب، يعتمد بشكل شبه كلي على المياه الدولية العابرة للحدود، ما يجعله أكثر هشاشة أمام أي تغيير في سياسات الإطلاقات المائية من دولتي المنبع تركيا وإيران، وفي الأنماط المناخية الإقليمية. وان تغير المناخ… ضاعف من المخاطر على المجتمع العراقي، حيث لم يعد تغير المناخ احتمالاً مستقبلياً، بل واقعاً يومياً من ارتفاع درجات الحرارة، تناقص معدلات الهطول المطري، تزايد العواصف الغبارية، وارتفاع معدلات التبخر، جميعها عوامل تضغط على الموارد المائية السطحية والجوفية.اضافة الى الزيادة السكانية، مما جعل العراق يُعد من بين الدول الأكثر تأثراً بظاهرة الاحتباس الحراري في منطقة الشرق الأوسط، حيث تسجل درجات الحرارة ارتفاعات قياسية صيفاً، ما يزيد من فقدان المياه عبر التبخر ويضاعف الطلب الزراعي والمنزلي عليها في آن واحد. من هنا نرى بان أزمة المياه هي أزمة إدارة أولاً، وليس أزمة موارد فقط. الخطاب العام في البلاد غالباً ما يُرجع الأزمة إلى "شح المياه"، غير أن المشكلة أعمق من ذلك. فجزء كبير من الأزمة يرتبط بآليات الإدارة، منها استمرار استخدام طرق الري التقليدية عالية الهدر، ضعف كفاءة شبكات النقل والتوزيع، محدودية التحول نحو إدارة الطلب بدلاً من التوسع في العرض، وغياب استراتيجية وطنية طويلة الأمد قائمة على البيانات الدقيقة. من هنا يتضح بإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كمية المياه المتاحة، بل في كيفية إدارتها. ويبقى القطاع الزراعي بين الاستنزاف الكبير والإصلاح المؤجل، حيث يستهلك القطاع الزراعي النسبة الأكبر من الموارد المائية في العراق، في ظل هيمنة الري بالغمر، وزراعة محاصيل ذات استهلاك عالٍ للمياه في مناطق غير ملائمة بيئياً. ومع محدودية التحول نحو الري الحديث، يستمر النزيف المائي السطحي والجوفي بصمت. إن إعادة هيكلة السياسة الزراعية وربطها بالواقع المائي الجديد لم تعد خياراً، بل ضرورة وجودية. وكنتيجة لهذا الواقع فان العراق لم يعد يعيش مرحلة "وفرة مائية طبيعية" يمكن الاتكاء عليها. بل نحن أمام واقع يتطلب الانتقال من إدارة الوفرة إلى "هندسة الندرة" أي التعامل مع الماء بوصفه مورداً استراتيجياً محدوداً، يستوجب التخطيط الدقيق، والتوزيع العادل، والاستثمار في التقنيات الحديثة، وإعادة الاستخدام. وعندما لا نعتبر الأزمات المائية قدر أم بل فرصة للتحول؟ فان هذا التحول الذهني هو المدخل الحقيقي لأي إصلاح. كون الأزمات الكبرى تحمل في طياتها فرصاً لإعادة البناء. وإذا كانت الرافدان قد منحتا العراق حضاراته الأولى، فإن إدارة المياه في القرن الحادي والعشرين ستحدد شكل مستقبله. وهنا يمكن الإجابة على السؤال التي تم طرحه، وهو ليس كم نملك من المياه؟ بل كيف نُحسن إدارة المتوفر منه وبالتحول من عقلية رد الفعل إلى عقلية التخطيط الاستباقي، ومن إدارة الأزمات المائية إلى إدارة المخاطر، كونه قد يكون الطريق الوحيد لضمان أن يبقى العراق بلداً قابلاً للحياة في ظل مناخ متغير وجغرافيا سياسية معقدة.



#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق من الوفرة المائية التاريخية إلى نقص المياه والشحة الم ...
- أهمية استخدام المنهجية التحليلية NOISE في استشراف واقع القطا ...
- قراءة استراتيجية لمستقبل البلاد المائي
- أزمة المياه في العراق هل هي “فشل إدارة” أم “هندسة عطش”.؟
- نحو عقد اجتماعي مائي جديد في العراق.؟
- دول المنبع حولت مفهوم نهري دجلة والفرات من “موارد طبيعية” ال ...
- خارطة طريق لتعزيز الأمن المائي في العراق
- قد لا يقتل نهري دجلة والفرات بالجفاف… بل بخطاب العجز.؟
- العراق والمنعطف الهيدرولوجي الجديد يعيدُ هندسة النفوذ في حوض ...
- كيف يفقد العراق روح انهارها بجفاف مياهها قبل أن يفقد البلاد ...
- من تحالف مرونة المياه لعام 2026 في دافوس هل يمكن بناء مرونة ...
- إدارة موارد العراق المائية باستنساخ الطقوس بدل فهم الأسباب.؟
- من نُدرة المياه إلى نُدرة السيادة: العراق والاختلال البنيوي ...
- مقارنة تحليلية في دول الهشاشة السيادية والبيئية - العراق أنم ...
- أمطار لا تنقذ السيادة: لماذا لا يزال العراق غارقًا في أزمة م ...
- الإفلاس المائي في العراق: هل يقود إلى فتح بنوك المياه؟
- عندما تُدار المياه بلا مجتمع: كيف يُقصي العراق نصف خبرته في ...
- البيئة الإقليمية الجديدة… حين تتحول المياه إلى سلاح صامت.؟
- إفلاس بلا إعلان: كيف تكشف الفجوة المائية عن أزمة الدولة في ا ...
- كيف نرسم خارطة الطريق للتحديات المائية والمناخية لضمان مستقب ...


المزيد.....




- ترامب يهاجم إلهان عمر ورشيدة طليب: يجب إعادتهما من حيث جاءتا ...
- مودي يزور إسرائيل ويخطب أمام الكنيست: -الهند تقف إلى جانب إس ...
- أردوغان لم يسحب دعواه ضد الإعلامي الألماني بومرمان
- في المملكة المتحدة.. ولادة أول طفل من رحم متبرعة متوفية
- القانون الألماني ينتصر لمواطن شبّه ميرتس ببينوكيو -الكذاب-
- لجنة حماية الصحافيين: مقتل 129 إعلاميا في 2025 ثلثاهم بنيران ...
- سببان لاستهداف ايران :النووي والصواريخ
- ماذا تخفي التحركات الجوية الأمريكية في إسرائيل وقبالة سواحله ...
- -أنت قاتل- و-كاذب-.. إلهان عمر ترد بغضب على ترمب خلال خطاب ح ...
- طبول الحرب تقرع في بيروت.. رسائل -الدمار الشامل- وتأهب الصوا ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رمضان حمزة محمد - العراق من فيض الحضارات إلى شحّ السياسات وبلد مهدد بالعجز المائي.؟