أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .















المزيد.....

مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8629 - 2026 / 2 / 25 - 10:15
المحور: الادب والفن
    


في لغة العرب , تعني (( التنف )) القفر من الأرض الذي لا ماء فيه ولا أنيس , لكنها اليوم تحولت من (( تنهيدة بادية )) صامتة إلى صرخة صراع دولي مدوّية , لم تعد مجرد نقطة في قلب الصحراء , بل أصبحت خنجر بروتوس الذي غُرس في ظهر الجغرافيا العربية , وتحديداً العراق , ليكون منصة للتحكم ومراقبة الأنفاس , فهذه القاعدة التي لا تغيب عنها الشمس ليست مجرد ثكنة عسكرية , بل هي مركز استراتيجي أمريكي يقع في (( المثلث المحرم )) - سوريا , العراق , الأردن - ورغم تسميتها التي توحي بالوحشة , إلا أنها تضج بالحسابات العسكرية المعقدة فهي تقع في أقصى جنوب شرقي حمص , وتبعد 24 كم فقط عن معبر (( التنف - الوليد )) العراقي , ووظيفتها في كونها نقطة خنق جغرافية لقطع خطوط الإمداد , ومنصة انطلاق للتحكم في البادية الشامية وعمق الأنبار ونينوى.

لم يكن اختيار التنف وليد الصدفة , بل كان استخدامها يتم وفق (( ترمومتر )) الصراع في العراق , ففي عام 1991 أُنشئت لأول مرة قبيل حرب الخليج الثانية كمركز متقدم ضد العراق , وفي عام 2003 أُعيد افتتاحها مع الغزو الأمريكي للعراق , لتكون الرئة اللوجستية للقوات المتجهة نحو الأنبار ونينوى , وفي عام 2016 استُخدمت بحجة محاربة (( داعش )) , لكنها تحولت عملياً إلى سدٍ بشري وعسكري يمنع التواصل البري الطبيعي بين بغداد ودمشق , وهكذا في التسلسل الزمني , يدٌ تبني وعينٌ تراقب.

اصبحت التنف في ميزان الجيوسياسة (( خنجر بأسماء متعددة )) , أذ تُعتبر القاعدة تاريخياً أداة لاستخدام الأرض العربية ضد العمق العربي , فبينما كانت قديماً مرعى للقبائل , أصبحت اليوم منطقة عازلة بعمق 35 كيلومتراً , تفرض واقعاً جغرافياً يمزق وحدة (( الهلال الخصيب )) , وساحة تصفية حسابات , فقد تعرضت لهجمات بمسيرات واشتباكات , مما جعل الأراضي العربية المحيطة بها ساحة حرب بالوكالة , يدفع ثمنها أمن واستقرار العراق وسوريا .

ومن (( عشب البليعان )) إلى (( نيران المسيرات )) , شتان بين ماضٍ كان فيه شعراء قبيلة (( عنزة )) يتغنون بعشب التنف وحماية فرسانها (مثل ساجر الرفدي) للمرعى والمورد , وبين حاضرٍ يراقب فيه (( مذيعو الأخبار )) حركة الطيران والمسيرات فوق ذات الأرض , لقد كان فرسان البادية يذودون عن حمى هذه الأرض لتظل عربية الخالص , ولم يدر بخلدهم أن (( تنفهم )) ستصبح يوماً ما ورقة ضغط دولية تساوم على أمن بغداد ودمشق , يقول الشاعر البليعان قديماً : (( التنف وأرض شبيح وأرض الزرانيق , أولاد وايل ما تقرّب حماها )) , واليوم , ومع الإعلانات المتلاحقة حول الانسحاب أو تغيير السياسات , يبقى السؤال الأهم : هل ستعود التنف (( تنهيدة للبادية )) ومرعى للقوافل , أم ستظل الجغرافيا تُستخدم كخنجر في الظهر؟ إن استعادة هذه الأرض لهويتها العربية بعيداً عن القواعد الأجنبية هو السبيل الوحيد لالتئام جرح البادية الذي استنزف العراق وجيرانه لعقود.

لم يكن دور قاعدة (( التنف )) عسكرياً وأمنياً فحسب , بل مثّلت (( سدّاً جيوسياسياً )) تعمد خنق الرئة الاقتصادية للعراق وسوريا , بوقوعها مباشرة على طريق اوتستراد (( بغداد - دمشق )) الدولي , تحولت القاعدة من نقطة مراقبة إلى (( قفل )) استراتيجي يمنع تدفق التجارة البرية , ويصيب التبادل التجاري بالشلل , حيث إن السيطرة على هذا المثلث الحدودي أدت إلى تعطيل أقصر وأهم طريق بري يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط عبر العراق , مما كبّد الميزان التجاري العراقي خسائر بمليارات الدولارات نتيجة اضطرار الشاحنات لسلوك طرق بديلة أطول وأكثر كلفة وأقل أمنا , وأدى الى عزل الأسواق العربية, و استُخدمت القاعدة كأداة لفرض (( حصار ناعم )) , فمن خلال التحكم في هذه المنطقة , عُزلت المنتجات الزراعية والصناعية العراقية عن أسواق الشام , والعكس صحيح , مما جعل الاقتصاد المحلي رهيناً لتقلبات الصراعات الدولية بدلاً من أن يكون جسراً للتكامل الإقليمي , كما إن استمرار وجود قوة أجنبية تتحكم في (( بوابة الوليد )) الحدودية يعني عملياً ضرب السيادة الاقتصادية وحرمان الدولة العراقية من ممارسة سيادتها الكاملة على حدودها ومواردها الجمركية , وهو ما يجسد مفهوم (( الخنجر )) الذي لا يكتفي بالطعن الأمني , بل ينزف مقدرات الشعوب ومعيشتها اليومية.

لا يمكن قراءة مشهد (( التنف )) بعيداً عن البعد القبلي , فهذه الأرض ليست خلاءً جغرافياً , بل هي موطن وقبضات يد لقبائل عربية عريقة مثل (( عنزة , شمر , العقيدات , والموالي )) التي لا تعترف بحدود (( سايكس بيكو )) , فكيف بحدود ترسمها القواعد العسكرية ؟ لقد تسببت المنطقة العازلة المحيطة بالقاعدة (الـ 55 كم) في تمزيق الأواصر الاجتماعية وفصل العوائل والبيوتات القبلية التي يمتد عمقها من الأنبار العراقية وصولاً إلى ريف حمص ودير الزور, هذا (( الخنجر )) لم يطعن الجغرافيا السياسية فحسب , بل طعن الرحم العربي الذي كان يسيح بقطعان إبله وقوافله دون استئذان من (( رادار )) أو (( مسيرة )) , وقد حاولت القوى الدولية داخل القاعدة استغلال الحاجة الإنسانية بتوظيف بعض أبناء العشائر في تشكيلات عسكرية (( مثل جيش سوريا الحرة أو مغاوير الثورة سابقاً )) , مما خلق حالة من الانقسام داخل البيت القبلي الواحد , ووضع (( ابن العم )) في مواجهة (( ابن عمه )) خدمة لأجندات لا تخدم استقرار العراق أو سوريا , الا ان العشيرة تظل كحارس للتاريخ , ورغم ضجيج المحركات الأمريكية , يظل وجدان العشائر في التنف مرتبطاً بـ (( ساجر الرفدي)) وقصائد (( البليعان )) , إن ذاكرة الأرض التي تحفظ وقع حوافر خيول (( أولاد وايل )) ترفض في جوهرها أن تتحول (( تنفهم )) إلى منصة لاستهداف عمقهم العراقي , مؤكدين أن السيادة الحقيقية هي سيادة أهل الأرض على أرضهم.

إن العودة إلى ((التنف )) لغويًا كأرض قفر , يجب أن تعني إفراغها من الأجندات الغريبة , لتعود كما كانت, رئة يتنفس منها العراق , ومعبراً آمناً يربط الجسد العربي ببعضه , إن طعنة (( بروتوس )) لن تُشفى إلا باستعادة وحدة هذه البادية , وتغليب منطق (( الجوار والدم )) على منطق (( القواعد والخرائط العسكرية )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة انكسار المرايا : تأملات في سوسيولوجيا القبح والذوق الم ...
- مقامة زاد الراكب : في مفاخر الخيل والبادية .
- مقامة الاستبداد : من كراسي الملوك إلى مراحيض الفنادق.
- مقامة سيكولوجيا التبعية : حين يغتال (( القطيع )) إنسانِيّة ( ...
- مقامة دم الحكاية.
- مقامةُ الكتابُ الذي لا يُقرأُ من عنوانِه .
- مقامة ترانيم ثمانينية .
- المقامةُ الجُرذانية .
- مَقامَةُ شَغَب ناعِم .
- مَقَامةُ التَّلَوثِ والآمالِ المَوؤودة .
- المقامة الزهرابية : في رثاء الهوية وانكسار المرآة .
- مقامة الديمقراطية والتقدم: دعوة لتغيير معادلة الحقوق والواجب ...
- مقامة الحب الذي يطرد الموت : بين زوربا و منيف .
- مقامةُ حسنِ البيان.
- مقامة التعابير: بين فظاظة الرفض ورقيّ الاعتذار.
- مقامة القطاة والوأد الممنهج : قراءة في وجع نجاح إبراهيم وتشر ...
- مقامة نقد النقد : الدهشة الثانية حين يولد السؤال من رحم الإب ...
- مقامة الكتاب الناجح : رؤية الأمل في زمن الصراع .
- مقامة وجه الرغيف .
- مقامةُ النوايا في زمن الغفلة .


المزيد.....




- من غزة إلى واشنطن.. ريتشارد فولك يرثي عدالة العالم المحتضر
- السِمفونية الأولى للموسيقار الفنلندي سيبليوس التي رَسَمت مَل ...
- ما بعد -خطيئة حزب الله السورية-.. ساطع نور الدين يستشرف هوي ...
- رابط وخطوات تسجيل استمارة الدبلومات الفنية 2026 عبر موقع وزا ...
- تركي عبيد المري.. صوت السكينة الذي يحتضن قلوب المصلين في قطر ...
- نص سيريالى بعنوان( حَنجرَة تعضُّ ظِلَّها) الشاعر محمد ابوالح ...
- حكاية مسجد يرممه أهالي مدينة -جينيه- في مالي كل عام
- الهندي: مجلس السلام مسرحية والرهان على تسليم سلاح المقاومة و ...
- الهندي: مجلس السلام مسرحية والرهان على تسليم سلاح المقاومة و ...
- قهوة منتصف الليل -شهد العلقمين-


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة التنف : خنجر (( بروتوس )) في خاصرة العراق .